ترامب وإيران.. عودةٌ إلى المعادلة الصفرية!

بعد التبادل الواسع للضربات بين أميركا وإيران، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، والتهديدات والنبرة غير الديبلوماسية التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وصفه للمسؤولين الإيرانيين، تبدّد الكثير من رصيد الجهود الديبلوماسية التي تلت التوقيع على مذكرة التفاهم في 17 حزيران/يونيو الماضي.

أدخل دونالد ترامب مُحدّدات تعجيزية جديدة، شرطاً مسبقاً للمضي في المفاوضات، كأن تسلم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وأن تصدر بياناً تتعهد فيه بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بلا قيود. وفي ما يشبه الإنذار، أعلن أن ألف صاروخ أميركي جاهزة للإطلاق على إيران، إذا حاولت طهران اغتياله.

هذا الاحتدام يشبه الأجواء التي كانت سائدة عقب حرب الأربعين يوماً. فهل تغيرت رهانات ترامب على التفاوض، طريقاً للتوصل إلى اتفاق مع إيران؟ وهل ما يزال يملك الوقت اللازم لإبرام اتفاق قبل الانتخابات النصفية المقررة في الخريف المقبل، أم أنه مستعد للمجازفة بخوض هذا الاستحقاق المفصلي على وقع التأزم في الشرق الأوسط؟

المفاوضات “مضيعة للوقت”

وتقف جملة من الأسباب خلف رد الفعل الأميركي القوي هذه المرة على اطلاق الحرس الثوري الإيراني النار على ناقلات في مضيق هرمز أوائل الأسبوع المنصرم، بخلاف الردود المحدودة التي اتسمت بها جولات سابقة من القتال منذ وقف النار الهش، الذي أرّخ لانتهاء العمليات العسكرية في 8 نيسان/أبريل بعد حرب الأربعين يوماً.

أولاً؛ انتهت جولة من التفاوض غير المباشر في الدوحة بين المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر والوفد الإيراني برئاسة كاظم غريب آبادي في الأول من تموز/يوليو الجاري، من دون التوصل إلى حسم مسألة الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في البنوك القطرية. لقد خفض الوفد الأميركي المبلغ الذي تعتزم واشنطن الإفراج عنه، من 6 مليارات دولار إلى ثلاثة مليارات دولار من أصل 12 مليار دولار، وأصر على التحكم بوجهة الإنفاق. أي أن يتم شراء مواد غذائية وإنسانية أخرى من الولايات المتحدة حصراً. لكن الوفد الإيراني رفض الاقتراح الأميركي.

ثانياً؛ شيّعت إيران المرشد السابق آية الله علي خامنئي على مدى أيام، في جنازة شهدت مشاركة شعبية واسعة، وأرادتها طهران بمثابة استفتاء على شرعية النظام، الذي نجا من الحرب. تضمنت الجنازة رسائل سياسية لا تخفى دلالاتها ورمزيتها، عندما تجاوز مسار التشييع إيران إلى العراق، ليرسم خريطة النفوذ الإقليمي لطهران.

ثالثاً؛ أكّد المسؤولون الإيرانيون أن البند الخامس من مذكرة التفاهم، منح طهران حق اتخاذ “ترتيبات” لعبور السفن في مضيق هرمز. وهذا ما فسّرته طهران بأن الناقلات يجب أن تبحر عبر المسلك الذي حدّده الحرس الثوري، ريثما يتم الاتفاق مع سلطنة عُمان على ترتيبات نهائية للملاحة تتضمن استيفاء الرسوم.

رابعاً؛ اختلفت القراءة الأميركية للبند الخامس، بحيث ترى أن الملاحة يجب أن تكون بلا قيود خلال هدنة الـ 60 يوماً، وبأن المضيق هو مياه دولية ولا يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران أو سلطنة عُمان. كما أن واشنطن تعارض فرض رسوم عبور على السفن.

خامساً؛ لعب وجود ترامب في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأنقرة خلال التطورات الجارية في مضيق هرمز، دوراً في قرار توسيع الهجمات الأميركية، في وقت تمر العلاقات الأميركية-الأطلسية بأدق مراحلها على خلفية حربي إيران وأوكرانيا. أراد ترامب، الذي يقول إنه ليس في حاجة إلى الحلفاء، أن يُنفّذ أمامهم استعراضاً للقوة الأميركية. ومن خلال هذا الاستعراض بعث ترامب برسالة أيضاً لمعارضي مذكرة التفاهم في الداخل الأميركي، وخصوصاً تلك الشريحة من الجمهوريين غير الراضية عن المذكرة، باعتبارها تنازلاً أميركياً خطيراً أمام إيران. وهذا مغزى ذهابه إلى حد الإعلان عن أن المذكرة قد “انتهت” وبأنه يرى المفاوضات مضيعة للوقت.

الكل يريد كل شيء!

ووسط كل هذه الاعتبارات، هناك اعتقاد راسخ في إيران، ولا سيما من قبل الحرس الثوري، بأن ثمة فرصة يتعين ألا تهدرها طهران لتكريس سلطتها على المضيق، الذي ثبُت خلال الحرب، أنه وسيلة ردع فعّالة دفعت ترامب إلى وقف الحرب، حتى لا يؤدي استمرار إغلاق المضيق إلى كساد اقتصادي عالمي، لن تنجو أميركا من عواقبه.

وتثبيتاً لهذه الفرضية، جاء استهداف الحرس الثوري لناقلات حاولت عبور المسار الجنوبي من المضيق المحاذي لعُمان بمساعدة البحرية الأميركية أوائل الأسبوع. هذا التطور، دفع ترامب إلى الرد العسكري غير المتوقع، وإلى شن هجوم لاذع على القيادة الإيرانية.

وفي تقدير المسؤول الأميركي السابق عن ملف إيران إليوت أبرامز أن “كثيرين ظنّوا بأن (مذكرة التفاهم) ستُهدئ الأوضاع إلى حين إجراء الانتخابات (النصفية)، لكن الإيرانيين بالغوا في تقدير موقفهم، إذ يبدو أنهم يقولون: نريد كل شيء، ونريده الآن، وهو (ترامب) ليس مستعداً لتلبية ذلك”.

وإذا أعدنا صوغ كلام أبرامز بطريقة أخرى، فهذا يعني أن ترامب أدرك أنه إذا ترك لإيران بسط سيطرتها على هرمز بهذه البساطة، فإن ذلك يعني تحكم طهران بإدارة المفاوضات حول ما تبقى من بنود مذكرة التفاهم (على سبيل المثال الملف النووي)، في ظل خوف من أن يقود المسؤولون الإيرانيون العملية السياسية إلى اللامكان. وهذا ما حمل الديبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد هاس إلى وصف ما يواجهه ترامب، بأنه “نوع من الطريق الاستراتيجي المسدود”.

إقرأ على موقع 180  قاآني في بغداد مُتضامناً مع الكاظمي: لا للعب بالنار

وقبل جولة القتال الأخيرة، لم يدخر المفاوضون الأميركيون جهداً، في محاولة اقناع إيران، بأن الحوافز التي تتضمنها مذكرة التفاهم، تفوق أضعافاً مضاعفة ما يمكن أن تحصل عليه من عائدات المضيق المالية. غير أن واشنطن اصطدمت بأن ثمة في إيران من لا يزال يولي المعايير الإيديولوجية أولوية على المنفعة الاقتصادية. ومن هذا المنطلق يتعرض الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، لهجمات من التيار المتشدد الرافض للتفاوض مع أميركا من أساسه. ويتردد بأن رسالة من حاكم المصرف المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إلى المرشد مجتبى خامنئي، انطوت على تحذير من انهيار اقتصادي بحلول نهاية آب/أغسطس لو استمر الحصار البحري الأميركي، كان لها دور في الموافقة على مذكرة التفاهم.

حرب أم مفاوضات مؤلمة

وعلى افتراض أن المفاوضات استؤنفت في الأيام المقبلة بدفع من الوساطتين الباكستانية والقطرية، فإن التطورات الأخيرة، ستفرض تأثيراتها على النقاشات، ولا سيما بعدما ألغى ترامب اعفاء مبيعات النفط الإيراني من العقوبات، والجمود الذي يسيطر على الإفراج عن الودائع الإيرانية المجمدة. وبكلام آخر، يريد ترامب وضع المفاوضين الإيرانيين تحت الضغط مجدداً وشطب الحوافز، وهذا ما يُعرض المسار الديبلوماسي للخطر وخصوصاً أن هناك في طهران من يُفضّل الحرب، برغم أثمانها، على استمرار الحصار الاقتصادي المكلف..

هل تقبل إيران بالتراجع خطوة أمام الاندفاعة الأميركية؟ من غير المؤكد، لأن النظام في طهران يرى أن ترامب غير قادر على العودة إلى حرب واسعة النطاق، ترفع أسعار النفط والتضخم وتُهدّد فرص الجمهوريين بالحفاظ على الغالبية في مجلسي الكونغرس.

في الوقت نفسه، يقرأ المسؤولون الإيرانيون جيداً الوضع الداخلي الأميركي ومعارضة الرأي العام للحرب والجدل الدائر حولها. وهذه مجلة “بوليتيكو” الأميركية مثلاً تنقل عن خبير الاستراتيجيات في الحزب الجمهوري ماثيو بارتليت: “يبدو أننا عدنا تماماً إلى ذلك المأزق الشائك والمعقد: إما حرب تصعيدية أو مفاوضات مؤلمة ومطولة”. ويُشير الخبير نفسه إلى أن “صراعاً محتدماً يلوح في الأفق في شأن تمويل الحرب، بسبب غياب التفاصيل حول خطط البنتاغون لانفاق 67 مليار دولار من الأموال الإضافية التي طلبتها الإدارة لتمويل الحرب”.

كل هذا يجري والمسألة الأساسية التي شنّت أميركا الحرب باسمها، لم تقارب بعد. أي البرنامج النووي الإيراني. وبناء على التعقيدات الظاهرة في “المفاوضات الفنية” أو الانتهاكات لوقف النار، يصير السؤال مشروعاً حول ما إذا كان هناك احتمال بالتوصل إلى اتفاق نووي قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟

هنا، تتساءل صحيفة “النيويورك تايمز” عما إذا كان ترامب ومساعدوه يملكون “خطة ج” للتعامل مع الموقف، في حال فشل المفاوضات وعدم اتخاذ قرار بالعودة إلى الحرب؟

في الوقت الحاضر، يريد ترامب من إيران كل شيء، وإيران بدورها تريد من أميركا كل شيء. إنها دوامة المعادلة الصفرية مجدداً.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "نكسة 1967 السيبرانية- الأمنية".. ليست قدراً