العلاقات السعودية–الإيرانية من “خفض التصعيد” إلى “التنافس المضبوط”!

أعاد اتفاق بكين، الذي وقّعته السعودية وإيران برعاية صينية في 10 مارس/آذار 2023، العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة استمرت سبع سنوات، وفتح قنوات التواصل السياسي والأمني بينهما. ونص البيان الثلاثي على استئناف العلاقات الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فضلًا عن تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة عام 2001 واتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري الموقعة عام 1998.

لم يُؤسّس اتفاق بكين لتحالف سياسي أو أمني بين الرياض وطهران، ولم يعالج الأسباب البنيوية للتنافس بينهما، لكنه نقل العلاقة من القطيعة والمواجهة غير المباشرة المفتوحة إلى محاولة إدارة الخلاف عبر الأدوات الدبلوماسية. وقد ظهرت مؤشرات على اكتساب هذا المسار قدرًا من الاستمرارية المؤسسية عندما عقدت السعودية وإيران والصين، في ديسمبر/كانون الأول 2025، الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية المشتركة لمتابعة تنفيذ الاتفاق وتجديد الالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة.

غير أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، وضعت هذا الترتيب أمام اختبار أكثر صعوبة من جميع الأزمات التي واجهته منذ توقيعه. فقد استهدفت الحرب منشآت عسكرية ومدنية وقيادات سياسية وعسكرية إيرانية، وامتدت تداعياتها إلى الخليج والعراق ولبنان واليمن، فيما ردت إيران باستهداف قواعد وأصول أميركية في عدد من دول المنطقة بينها السعودية، قبل أن تتمدد الحرب مع فتح الجبهة بين السعودية وأنصار الله في شمال اليمن، وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا بقدرة اتفاق بكين على إدارة خلافات سياسية تقليدية، بل بمدى قدرته على منع انتقال حرب إقليمية واسعة إلى مواجهة سعودية–إيرانية مباشرة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن حرب 2026 لم تؤد إلى انهيار التهدئة السعودية–الإيرانية، لكنها غيّرت وظيفتها وحدودها. فقد استمرت العلاقات الدبلوماسية وقنوات التواصل، وتمسكت الرياض برفض الانخراط في حرب تستهدف إسقاط النظام الإيراني، غير أن تعرض الأراضي والمصالح السعودية لهجمات انطلقت من ساحات مرتبطة بالشبكة الإقليمية الإيرانية، وآخرها من الأراضي العراقية، دفع المملكة إلى الجمع بين الاحتواء الدبلوماسي والردع العسكري الانتقائي.

وعليه، لم تعد العلاقة بعد الحرب قابلة للوصف باعتبارها مجرد «تهدئة حذرة»، ولا باعتبارها عودة كاملة إلى المواجهة السابقة لاتفاق بكين. إنها أقرب إلى صيغة من التنافس المضبوط، تحتفظ فيها الدولتان بقنوات سياسية تمنع الانزلاق إلى الحرب المباشرة، فيما تواصلان اختلافهما بشأن الوجود الأميركي، وأمن الممرات البحرية (ولا سيما مضيق هرمز)، ومستقبل القوى المسلحة المتحالفة مع إيران في لبنان والعراق واليمن.

تبحث الدراسة أثر الحرب في أربعة مستويات مترابطة: صمود المسار الدبلوماسي، التحول في مفهوم الأمن السعودي، مفارقة الوجود العسكري الأميركي، ودور الساحات الإقليمية والممرات البحرية في إعادة تشكيل العلاقة. كما تحاول تحديد السيناريو الأكثر ترجيحًا لمستقبلها في ضوء التطورات التي استمرت حتى مطلع أغسطس/آب 2026.

أولًا: اتفاق بكين وحدود التحول في العلاقة

أسهم اتفاق بكين في شتاء العام 2023 في إنهاء القطيعة الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات والقنصليات، وأتاح استئناف الزيارات الرسمية والاتصالات بين مسؤولي البلدين. وعلى المستوى الأمني، أعاد تفعيل قنوات الحوار بشأن الملفات الإقليمية ومصادر التوتر، بما عكس إدراكًا متبادلًا بأن استمرار القطيعة يرفع احتمالات سوء التقدير، ويجعل الأزمات المحلية والإقليمية أكثر قابلية للتحول إلى مواجهة مباشرة.

انعكس التقارب بصورة خاصة على الساحة اليمنية، حيث ساعد في ترسيخ تهدئة نسبية بين السعودية وجماعة أنصار الله، وفي خفض مستوى العمليات العسكرية العابرة للحدود. غير أن هذه التهدئة لم تنتج تسوية سياسية شاملة، ولم تنه الخلاف السعودي–الإيراني بشأن علاقة طهران بالجماعة، أو بشأن قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة ونفوذها في البحر الأحمر.

كما لم يؤد الاتفاق إلى توافق بشأن النظام الأمني الإقليمي. فإيران واصلت الدعوة إلى انسحاب القوات الأجنبية وإنشاء منظومة أمنية تتولاها دول المنطقة، بينما استمرت السعودية في النظر إلى الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة بوصفها عنصرًا مركزيًا في أمنها، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والتسليح والصيانة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية.

لذلك، كان الإنجاز الأساسي لاتفاق بكين إجرائيًا وسياسيًا أكثر منه استراتيجيًا: فقد وفر قنوات اتصال وآليات لخفض التصعيد، لكنه لم ينه التنافس على النفوذ، ولم يوحد تصورات الطرفين لمصادر التهديد. ويمكن القول إن الاتفاق غيّر أسلوب إدارة الصراع أكثر مما غيّر بنية الصراع نفسه.

جاءت حرب 2026 لتؤكد هذا التمييز. فعلى الرغم من اتساع العمليات العسكرية ووصولها إلى قواعد ومنشآت في الخليج، لم تقطع السعودية وإيران علاقاتهما، ولم تغلقا السفارات، ولم تتوقف الاتصالات السياسية. وهذا يعني أن اتفاق بكين احتفظ بوظيفته الأساسية بوصفه إطارًا لمنع الانهيار الكامل للعلاقة، وإن لم يمتلك القدرة على حماية المنطقة من التداعيات الأمنية للحرب.

لكن استمرار القنوات الدبلوماسية لا يكفي وحده للقول إن التهدئة بقيت على حالها. فقد تدهورت البيئة الأمنية المحيطة بالعلاقة، وتعرضت المملكة لهجمات مرتبطة بالحرب، وانتقلت في أواخر يوليو/تموز إلى المشاركة في ضربات ضد جماعات عراقية متحالفة مع إيران. ومن هنا ينبغي التمييز بين أربعة مستويات: صمد المستوى الدبلوماسي، وتعرض المستوى الأمني الثنائي لضغوط حادة، واستمر التنافس الإقليمي عبر ساحات متعددة، فيما بقي التعاون الاقتصادي محدودًا قياسًا إلى الطموحات التي رافقت اتفاق 2023.

ثانيًا: حرب 2026 وتحول مفهوم الأمن السعودي

استهدفت العمليات الأميركية–الإسرائيلية منشآت عسكرية ومدنية وقدرات نووية وصاروخية وبحرية إيرانية، كما طاولت قيادات سياسية وعسكرية بارزة. وبينما ركز الخطاب العسكري المعلن على إضعاف قدرات إيران الاستراتيجية، أوحت تصريحات سياسية أميركية وإسرائيلية بأن أهداف بعض أجنحة الحرب تجاوزت تعطيل القدرات العسكرية إلى إسقاط النظام الإيراني.

وضعت هذه الأهداف السعودية أمام معادلة معقدة. فمن جهة، ترتبط المملكة بشراكة دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة، وتنظر بقلق إلى القدرات الصاروخية الإيرانية ونفوذ القوى المسلحة المتحالفة معها. ومن جهة أخرى، لا تخدم حرب طويلة أو محاولة إسقاط النظام الإيراني المصالح السعودية، لأن انهيار الدولة أو اتساع الفوضى قد يهددان أمن الخليج ومنشآت الطاقة والممرات البحرية ومشروعات التحول الاقتصادي.

لذلك أعلنت الرياض، في بداية المواجهة، عدم السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن هجمات على إيران، ونفت أنها دفعت واشنطن إلى الحرب. ولم يكن ذلك تعبيرًا عن تحول السعودية إلى حليف لطهران، بل عن محاولة للفصل بين التزامها الأمني تجاه الولايات المتحدة وبين الانخراط في استراتيجية حرب مفتوحة لا تستطيع التحكم في مسارها أو نتائجها.

يرتبط هذا الحذر بأولويات سعودية، سياسية واقتصادية عميقة، وفي الوقت نفسه، باعتبارات إقليمية، فالمملكة لا تريد إيران قوية ولكنها لا تريد انهيار النظام لمصلحة الفوضى التي سترتد نتائجها على دول الجوار.

ومع ذلك، لم تبق السياسة السعودية عند مستوى الامتناع عن الانخراط العسكري. فعندما استهدفت طائرات مسيّرة أُطلقت من العراق منشآت نفطية سعودية، أعلنت الرياض اعتراضها، ثم شاركت مع الولايات المتحدة في أواخر يوليو/تموز في ضرب جماعات عراقية متحالفة مع إيران ردًا على تلك الهجمات. يكشف هذا السلوك عن انتقال السياسة السعودية إلى استراتيجية مزدوجة: الرد على التهديدات المباشرة من دون الانضمام إلى حرب شاملة على إيران. فالمملكة أظهرت استعدادًا لاستخدام القوة ضد جهات ترى أنها استهدفت أراضيها، لكنها واصلت الضغط من أجل احتواء التصعيد ومنع توسعه.

وبذلك لا يمكن وصف الموقف السعودي بعد يوليو/تموز 2026 بأنه حيادي، كما لا يمكن اعتباره اصطفافًا كاملًا مع الحرب الأميركية–الإسرائيلية. إنه شكل من التحوط الأمني يقوم على الاحتفاظ بالشراكة الدفاعية الأميركية، وتنويع العلاقات الدولية، وممارسة الردع المحدود، وإبقاء قناة سياسية مفتوحة مع طهران.

ثالثًا: القواعد الأميركية ومفارقة الحماية والتوريط

تنظر السعودية وعدد من دول الخليج إلى الوجود العسكري الأميركي باعتباره جزءًا من منظومة الردع والحماية، ولا سيما في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي وحماية البنى التحتية الحيوية. في المقابل، تعتبر إيران هذه القواعد تهديدًا مباشرًا لأمنها، وترى أنها تتحول إلى أهداف مشروعة عندما تستخدم لدعم عمليات عسكرية ضدها.

غير أن مجريات الحرب الأخيرة بيّنت أن القواعد الأميركية فقدت قيمتها الدفاعية، فقد أسهمت قدراتها في اعتراض هجمات وحماية بعض المواقع، لكنها كشفت ما يمكن وصفه بـ«مفارقة الحماية والتوريط». فالوجود العسكري الأميركي يخفض بعض أنواع المخاطر ويزيد القدرة على الردع، لكنه يرفع في الوقت نفسه احتمال تعرض الدولة المضيفة للانتقام عندما تدخل واشنطن في حرب إقليمية، ويُعطي درس تعرض الدوحة لغارة إسرائيلية درساً في الوقت نفسه حول حدود الاعتماد على الحماية الأميركية.

وسبق أن برزت شكوك سعودية في حدود الضمانات الأميركية بعد استهداف منشأتي بقيق وخريص عام 2019، حين لم يتحول الدعم الأميركي إلى رد عسكري مباشر. غير أن تلك الشكوك لم تؤد إلى فك الارتباط الأمني، لأن القدرات العسكرية السعودية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في التسليح المتطور والتدريب والصيانة والاستخبارات والتشغيل المشترك.

لهذا اتجهت المملكة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والسياسية مع الصين وروسيا وباكستان ودول أخرى، من دون أن يُشكّل ذلك بديلًا كاملًا عن المظلة الأميركية. والأدق وصف هذه السياسة بالتحوط الاستراتيجي، لا بالانتقال من محور دولي إلى آخر: تحتفظ الرياض بشراكتها الإستراتيجية الأساسية مع واشنطن، لكنها تعمل على تقليل الاعتماد السياسي الحصري عليها وتوسيع هامش خياراتها.

وقد دفعت الحرب السعودية إلى تطوير ترتيبات أوسع للدفاع البحري والجوي، بما في ذلك طرح إنشاء ائتلاف متعدد الجنسيات لحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر. ويشير ذلك إلى أن المملكة لا تسعى إلى إخراج الولايات المتحدة من معادلة الأمن، بل إلى توزيع أعباء الحماية وتقييد المخاطر الناتجة من اعتمادها على قوة واحدة أو من تحول أراضيها إلى منصة في صراعات تلك القوة.

وتنعكس هذه المفارقة مباشرة على العلاقة مع إيران. فالرياض لا تستطيع الاستغناء عن التعاون الأميركي في المدى المنظور، لكنها تدرك أن إدارة هذا التعاون تتطلب ضمانات تمنع استخدام أراضيها في هجمات قد تجعلها طرفًا تلقائيًا في الحرب. أما طهران، فتسعى إلى دفع السعودية نحو تقليص الدور الأميركي، لكنها لا تقدم حتى الآن بديلًا أمنيًا يمكن أن يبدد المخاوف السعودية من القدرات الإيرانية أو من الجماعات المتحالفة معها.

رابعًا: مضيقا هرمز وباب المندب وجغرافيا الخطر المزدوج

شكّل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إحدى أخطر تداعيات الحرب، نظرًا إلى موقعه المركزي في تجارة النفط والغاز العالمية. وأدى تراجع حركة السفن إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، وأجبر دول الخليج على البحث عن مسارات بديلة.

تمتلك السعودية ميزة لا تتوافر بالقدر نفسه لعدد من جيرانها، تتمثل في ساحلها على البحر الأحمر وخط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع. وقد سمح ذلك بتحويل جزء كبير من الصادرات بعيدًا من هرمز، إلا أن هذه البنية السعودية المرنة، لم تجعلها بمنأى عن الأزمة. فقد بقيت هناك قيود مرتبطة بطاقة التحميل في ينبع، واحتياجات المصافي المطلة على البحر الأحمر، وتكاليف نقل النفط إلى الأسواق الآسيوية، فضلًا عن ارتفاع التأمين والمخاطر الأمنية.

والأهم أن الاعتماد المتزايد على ينبع نقل جانبًا من الخطر من الخليج إلى البحر الأحمر. ففي يوليو/تموز أعلنت جماعة أنصار الله فرض حصار بحري على الموانئ السعودية، وحذرت شركات الشحن من التعامل معها، ما أدى إلى تغيير بعض الناقلات مساراتها وإبطاء حركة الملاحة. كما استهدفت الجماعة مواقع نفطية وخطوط نقل سعودية، ثم أعلنت في 5 أغسطس/آب مهاجمة ناقلة نفط قرب ينبع.

تكشف هذه التطورات أن أمن الطاقة السعودي بات معرضًا لضغوط مترابطة من الشرق والغرب. فإذا تعطل هرمز، تعتمد المملكة بصورة أكبر على ينبع والبحر الأحمر؛ وإذا تعرض باب المندب أو موانئ البحر الأحمر للخطر، تتراجع قيمة البديل الذي وفره خط الشرق–الغرب.

هذه الجغرافيا المزدوجة تفسر جانبًا أساسيًا من حذر الرياض تجاه إيران. فحتى عندما لا تستهدف طهران السعودية مباشرة، تستطيع الحرب الشبكية المرتبطة بها التأثير في الممرات التي تعتمد عليها المملكة. لكن هذا لا يعني أن جماعة أنصار الله مجرد أداة خاضعة بصورة كاملة للقرار الإيراني؛ إذ تمتلك الجماعة حساباتها اليمنية والإقليمية الخاصة، وإن كان تنسيقها مع طهران يمنح إيران قدرة على التأثير في مستوى التصعيد.

خامسًا: الساحات الإقليمية واختبارات العلاقة الثنائية

إقرأ على موقع 180  خبرتي الطبية في غزة.. يومَ مارستُها في لندن!

لا يمكن تحليل العلاقات السعودية–الإيرانية بالاقتصار على الاتصالات الثنائية، لأن تصور كل طرف للآخر يتشكل بدرجة كبيرة في لبنان والعراق واليمن. غير أن هذه الساحات ليست متطابقة، ولا ينبغي اختزال القوى المتحالفة مع إيران في كتلة واحدة تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط أو الاستقلال.

1-لبنان: الدولة وسلاح حزب الله

تعرض حزب الله في الحرب التي شنتها إسرائيل ضده في أيلول/سبتمبر 2024 لضربات عسكرية وتنظيمية مؤلمة شملت اغتيال قيادات بارزة، وفي مقدمتها أمينه العام السيد حسن نصرالله. كما أدى سقوط نظام بشار الأسد في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى فقدان إيران وحزب الله ممرًا جغرافيًا واستراتيجيًا كان يسهل نقل الدعم بين العراق وسوريا ولبنان.

تزامن ذلك مع وصول سلطة لبنانية (رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام) تبنت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على حزب الله. وقد بدا لبعض الوقت أن هذه المتغيرات ستقلص قدرة إيران على استخدام الساحة اللبنانية في موازين القوى الإقليمية.

لكن انضمام حزب الله في الثاني من آذار/مارس 2026 إلى الحرب الأميركية – الإيرانية بيّن أن الضربات السابقة لم تنه قدرة الحزب على إعادة التنظيم والمشاركة في المواجهة. وهذا لا يعني استعادته كامل قدراته، لكنه أكد أن محاولة انهاء نفوذه عسكريًا لم تحقق هدفها.

بالنسبة إلى السعودية، يمثل لبنان ساحة سياسية أكثر منه جبهة عسكرية مباشرة. تدعم الرياض الدولة والجيش ومبدأ احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح، وترى أن استمرار القوة العسكرية المستقلة لحزب الله يحد من سيادة الدولة ويمنح إيران قدرة مؤثرة في القرار اللبناني.

ومن ثم، فإن بقاء الحزب لاعبًا عسكريًا وسياسيًا رئيسًا يمنع العلاقات السعودية–الإيرانية من التحول إلى شراكة استراتيجية، لكنه لا يفرض بالضرورة عودة القطيعة. فقد تستطيع الرياض وطهران الاستمرار في إدارة الخلاف بشأن لبنان، ما دام لا يتحول إلى استهداف مباشر للمصالح السعودية أو إلى انهيار شامل للمؤسسات اللبنانية.

2-العراق: منافسة سياسية وعسكرية

يتميز العراق بوجود حكومة مركزية تحاول الموازنة بين علاقتها بإيران وشراكاتها العربية والغربية، وتسعى إلى ضبط الفصائل المسلحة ومنع البلاد من التحول إلى جبهة مفتوحة. ولهذا اتخذ التنافس السعودي–الإيراني فيه، خلال السنوات السابقة، طابعًا اقتصاديًا وسياسيًا بقدر ما كان أمنيًا.

عملت السعودية على توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع بغداد، بما يتيح للعراق تنويع شراكاته، من دون أن يكون الهدف الواقعي إلغاء علاقته العميقة بإيران. وقد كان هذا المسار أحد النماذج التي يمكن أن ينتقل فيها التنافس من الصراع الصفري إلى تنافس على النفوذ الاقتصادي والمؤسساتي.

لكن حرب 2026 أعادت البعد العسكري بقوة. فقد استهدفت فصائل متحالفة مع إيران مصالح وقواعد أميركية، ثم أطلقت طائرات مسيّرة نحو منشآت سعودية. وردت السعودية والولايات المتحدة بضرب هذه الجماعات داخل العراق في أواخر يوليو/تموز.

يشكل ذلك تحولًا مهمًا؛ إذ لم تعد الرياض تكتفي بدعم الدولة العراقية أو باستخدام الأدوات الاقتصادية، بل انتقلت إلى الرد العسكري عندما أصبح التهديد مباشرًا. غير أن مطالبتها واشنطن في الوقت نفسه بعدم توسيع الضربات تكشف أنها تريد إبقاء الرد محدودًا، وتجنب تحويل العراق إلى ساحة حرب سعودية–إيرانية مفتوحة.

وبذلك يقدم العراق النموذج الأوضح لاستراتيجية التنافس المضبوط: ردع عسكري انتقائي ضد مصادر الهجوم، بالتوازي مع الضغط لعدم توسع الحرب، والاستمرار في بناء العلاقات مع الدولة العراقية.

3- اليمن: اختبار الأمن السعودي

يُمثّل اليمن الساحة الأكثر ارتباطًا مباشرة بالأمن القومي السعودي. فجماعة أنصار الله تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وتسيطر على مناطق واسعة من شمال اليمن وساحله الغربي، ما يمنحها قدرة على تهديد الحدود والمطارات ومنشآت الطاقة والملاحة في البحر الأحمر.

لم تتمكن الحرب التي قادتها السعودية منذ عام 2015 من القضاء على الجماعة أو نزع قدراتها، وهو ما دفع الرياض إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على التهدئة والحوار وتقليل الخسائر، مع استمرار دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ساعد التقارب السعودي–الإيراني بعد اتفاق بكين على حماية هذه التهدئة، لكنه لم يؤسس لتسوية نهائية. وظلت ملفات الموانئ والمطار والرواتب وتقاسم السلطة ومستقبل الجنوب والقوات المسلحة من دون حل شامل.

أعاد تصعيد 2026 إظهار هشاشة المسار. فقد هددت الجماعة المصالح السعودية، ووسعت نطاق عملياتها البحرية، وفرضت ما وصفته بالحصار على الموانئ السعودية. كما أشارت تقارير إلى تنسيق إيراني معها بشأن إغلاق طريق البحر الأحمر إذا توسعت الضربات الأميركية على البنية التحتية الإيرانية.

يشكل هذا التطور ضغطًا مباشرًا على العلاقة السعودية–الإيرانية. فمن وجهة النظر السعودية، لا تكفي البيانات الإيرانية الداعية إلى حسن الجوار إذا استمرت جماعة قريبة من طهران في تهديد المنشآت والموانئ السعودية. ومن وجهة النظر الإيرانية، تمثل أنصار الله قوة إقليمية مستقلة نسبيًا وفاعلًا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يمكن اختزالها في أداة تفاوضية.

لذلك سيظل اليمن المعيار الأكثر حساسية لصمود التهدئة. فإذا نجحت الرياض وطهران في الحد من التصعيد اليمني ودفع التسوية السياسية، يمكن أن يتحول الملف إلى دليل عملي على جدوى اتفاق بكين. أما إذا استمرت الهجمات على الأراضي والموانئ السعودية، فقد يصبح اليمن المسار الأسرع نحو انهيار الثقة.

سادسًا: من الاحتواء إلى الردع الانتقائي

تكشف الساحات الثلاث (لبنان والعراق واليمن) أن قوة حلفاء إيران أو تراجعهم لا تنتج أثرًا واحدًا في الحسابات السعودية. فقد تدفع قدرتهم على التهديد الرياض إلى تجنب المواجهة الشاملة، لكنها تدفعها في الوقت نفسه إلى تعزيز الدفاع والرد عندما تتعرض مصالحها لهجمات مباشرة.

ولهذا لا يصح القول إن استمرار قدرة هذه القوى جعل السعودية أكثر ميلًا إلى الاحتواء فقط. الأدق أنه رفع حوافز الاحتواء وحوافز الردع معًا. فكلما اتضحت كلفة الحرب متعددة الجبهات، ازدادت الحاجة إلى التواصل مع طهران؛ وكلما تكررت الهجمات على السعودية، ازدادت الحاجة إلى إثبات أن التهدئة لا تعني قبول المساس بالسيادة.

من هنا برزت سياسة سعودية ذات أربعة أبعاد مترابطة: استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، وتنويع الشراكات الدولية، والحفاظ على الاتصال مع إيران، واستخدام القوة بصورة محدودة ضد الجهات التي تستهدف المملكة.

ولا تعكس هذه السياسة تناقضًا بقدر ما تعبر عن تكيف مع بيئة لا تستطيع فيها قوة واحدة تقديم ضمانات كاملة. فالولايات المتحدة تظل الشريك العسكري الأهم، لكنها مصدر محتمل للتوريط في صراعات لا ترغب السعودية فيها. وإيران شريك ضروري في خفض التصعيد، لكنها تظل قوة منافسة تمتلك قدرات وشبكات قادرة على تهديد المصالح السعودية. أما الصين، فتستطيع توفير رعاية سياسية ودبلوماسية، لكنها لا تقدم حتى الآن مظلة أمنية بديلة.

في المقابل، تمتلك إيران مصلحة واضحة في استمرار العلاقة مع السعودية. فبقاء الرياض خارج الحرب المباشرة يحول دون تشكل جبهة خليجية موحدة، ويصعّب استخدام المجال الجوي والأراضي السعودية في العمليات ضد إيران، كما يحافظ على منفذ سياسي مهم في بيئة إقليمية ودولية ضاغطة.

سابعًا: السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: التنافس المضبوط

يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا. ويقوم على استمرار العلاقات الدبلوماسية وقنوات الاتصال، مع بقاء الخلافات الإقليمية ووقوع ردود عسكرية محدودة ضد القوى التي تستهدف السعودية.

لا يعني هذا السيناريو عودة الهدوء الكامل، بل نشوء علاقة يمكن وصفها بالتهدئة المسلحة: تمنع الرياض وطهران الحرب الثنائية المباشرة، لكنهما لا توقفان التنافس، ولا تتخليان عن أدوات الردع.

ومن مؤشرات هذا السيناريو استمرار عمل السفارات ودورية الاجتماعات، وعدم استخدام الأراضي السعودية في عمليات مباشرة ضد إيران، وبقاء الردود السعودية محصورة في مصادر الهجمات، ومواصلة الوساطات بشأن هرمز واليمن والعراق.

السيناريو الثاني: تعاون أمني إقليمي محدود

قد تدفع كلفة الحرب الطرفين إلى تطوير تعاون عملي في ملفات محددة، مثل منع استخدام أراضي دول المنطقة في الهجمات، وإنشاء قنوات اتصال عسكرية لمنع سوء التقدير، والتوصل إلى ترتيبات للملاحة في هرمز والبحر الأحمر، ودفع التسوية اليمنية.

لا يعني ذلك شراكة استراتيجية، بل تعاونًا وظيفيًا يقوم على الاعتراف المتبادل بأن أي طرف لا يستطيع فرض نظام أمني منفرد. وقد يشمل تبادل الرسائل عند وقوع أزمات أو تنسيقًا غير مباشر عبر الصين أو عُمان أو العراق.

غير أن هذا السيناريو يحتاج إلى تقدم واضح في اليمن، وإلى وقف الهجمات على المنشآت السعودية، وإلى خفض التوتر الإيراني–الأميركي. ولذلك يبقى ممكنًا لكنه أقل ترجيحًا في المدى القريب.

السيناريو الثالث: انهيار التهدئة

يمكن أن تنهار العلاقة إذا استخدمت الأراضي أو الأجواء السعودية في ضرب إيران، أو إذا استهدفت إيران الأراضي السعودية بصورة متكررة، أو إذا تحولت هجمات أنصار الله والفصائل العراقية إلى حملة مستدامة ضد المملكة.

في هذه الحالة قد توسع الرياض تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، وقد تنتقل من الضربات المحدودة إلى استراتيجية أوسع ضد الشبكات المتحالفة مع إيران. وستصبح الساحات العراقية واليمنية وربما اللبنانية أكثر ارتباطًا بالمواجهة الثنائية.

ولا يزال هذا السيناريو أقل ترجيحًا من التنافس المضبوط، لأن الطرفين أظهرا حتى الآن مصلحة في إبقاء باب الاتصال مفتوحًا. إلا أنه ليس احتمالًا نظريًا، خصوصًا إذا عجزت طهران عن ضبط مستوى التصعيد الإقليمي أو إذا قررت واشنطن توسيع الحرب باستخدام البنية العسكرية الموجودة في الخليج.

خاتمة

أثبتت حرب 2026 أن اتفاق بكين لم يؤسس لتحالف سعودي–إيراني، لكنه لم يكن مجرد مصالحة رمزية. فقد وفر بنية دبلوماسية ساعدت على إبقاء العلاقة قائمة في ظل حرب إقليمية، ومنعت حتى الآن انتقال التنافس إلى قطيعة شاملة أو مواجهة مباشرة بين الدولتين. كما حافظت الصين على قيمة اتفاق بكين بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا، لكن الحرب اختبرت حدود قدرتها على تحويل الرعاية السياسية إلى ضمان أمني.

ومع ذلك، تغيرت وظيفة الاتفاق. فقبل الحرب كان إطارًا لخفض التصعيد وإعادة بناء الثقة، أما بعدها فأصبح بصورة أوضح آلية لإدارة تنافس يترافق مع تهديدات وعمليات عسكرية غير مباشرة وردود انتقائية.

أظهرت السعودية أنها لا تريد إسقاط النظام الإيراني ولا تحويل أراضيها إلى قاعدة لحرب مفتوحة، لكنها لا تريد للحرب أن تجعل إيران أقوى مما كانت قبلها، كما أظهرت الوقائع أن المملكة مستعدة لاستخدام القوة ضد الجماعات التي تستهدف مصالحها. وفي المقابل، تحتاج إيران إلى بقاء العلاقات مع الرياض لمنع تشكل جبهة خليجية موحدة ضدها وتقليل قدرة الولايات المتحدة على استخدام البنية الإقليمية في الحرب.

وكشفت الأزمة أن أمن السعودية لا يتحدد في مضيق هرمز وحده، بل في ترابط هرمز وباب المندب والعراق واليمن وسوريا ولبنان، وأن البدائل الجغرافية التي تمنحها مرونة في مواجهة خطر قد تعرضها لخطر آخر. كما بينت أن الوجود الأميركي يؤدي وظيفة حماية وردع، لكنه يحمل في الوقت نفسه احتمال التوريط.

لذلك، يبدو مستقبل العلاقات السعودية–الإيرانية مرشحًا لأن يستقر، في المدى القريب، عند صيغة التنافس المضبوط: تعاون انتقائي في منع الحرب وحماية المصالح المشتركة، بالتوازي مع استمرار الخلاف بشأن الوجود الأميركي، وشبكة الحلفاء الإيرانيين، ومستقبل الدولة والسلاح في لبنان والعراق واليمن.

ولن يكون المعيار الحقيقي لصمود اتفاق بكين استمرار السفارات وحده، بل قدرة الطرفين على منع خلافاتهما الإقليمية من التحول إلى استهداف مباشر، وعلى تحويل قنوات الاتصال من وسيلة لاحتواء النتائج بعد وقوعها إلى آلية تمنع التصعيد قبل حدوثه. فإذا تحقق ذلك، يمكن للاتفاق أن يتطور من هدنة دبلوماسية إلى قاعدة لنظام إقليمي أكثر استقرارًا. أما إذا استمرت الهجمات المتبادلة عبر الساحات المحيطة، فسيبقى الاتفاق أداة لإدارة الأزمات، لا مدخلًا إلى مصالحة استراتيجية.

 

Print Friendly, PDF & Email
محمد حنّاوي

كاتب، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  خبرتي الطبية في غزة.. يومَ مارستُها في لندن!