اتفاق مكة الثلاثي.. بداية الأفول الأميركي في الخليج؟

ليس صدفة أن يولد اتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك بين السعودية "الحرمية" (مكة والمدينة) وباكستان النووية وتركيا الأطلسية، على عتبة الإعلان عن اتفاق وشيك بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز. الحدثان مترابطان في الجوهر، ويعكسان تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في شهرها السادس، وما ستخلفه من تحولات كبرى واصطفافات جديدة في المنطقة.

على رغم أن السعودية وباكستان وتركيا، قد حرصت على تقديم الاتفاق الدفاعي على أنه بعيد كل البعد عن كونه تكتل طائفي أو مذهبي في مواجهة أي طرف ثالث، فلا يمكن النظر إليه بمعزل عن التطورات الجارية منذ أكثر من خمسة أشهر، أو حتى بعيداً عن تزايد فقدان الثقة بالولايات المتحدة كشريك أمني تاريخي للسعودية ودول الخليج الأخرى.

لم تحقق الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي شنت على إيران في 28 شباط/فبراير، أهدافها المعلنة أو المضمرة. فقد خرج النظام في إيران أقوى وأكثر تحدياً وإصراراً على تحويل نجاته من السقوط، إلى مكاسب استراتيجية، تبدأ في بسط سيطرة صريحة على مضيق هرمز، وعلى إعادة نشر القوة في الإقليم وتنشيط “المحور”، الذي لحقت به خسائر كبيرة في الحروب الإسرائيلية التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تاريخ “طوفان الأقصى”.

في الاتفاق الإيراني-العماني الذي تتبناه الولايات المتحدة، تنازل أميركي كبير، هو الثمن السياسي الباهظ الذي يدفعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعجزه عن فتح مضيق هرمز عسكرياً وعنواناً لما يصفه المفاوض الأميركي السابق في الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلر لصراع “قوّض فعلاً قدرة الولايات المتحدة على الردع وكذلك مصداقيتها، وأثار استياء حلفاء أميركا وأسعد خصومها.. وإذا ظل مضيق هرمز تحت سيطرة إيران ونفوذها، فلن يكون هذا إلا هزيمة استراتيجية” للولايات المتحدة.

إذا تسنى لإيران التسلح بورقة مضيق هرمز، وهي ميزة لم تكن تتمتع بها قبل حرب شباط/فبراير، فهذا يعني أنها تحولت مجدداً إلى قوة مؤثرة في رسم توازنات الشرق الأوسط، ولم تعد طرفاً سلبياً يقتصر دوره على تلقي الضربات والرد عليها. إيران كما تدل أحداث الأسابيع الأخيرة، كانت مُبادرة إلى توجيه ضربات إلى قواعد عسكرية أميركية (على غرار قاعدتي موفق السلطي في الأردن وعلي السالم في الكويت) وناقلات حاولت عبور المضيق من المسار العماني.

ومن الواضح أن إيران تقرأ جيداً التقارير التي تنشرها الصحافة الأميركية عن النقص في مخزون الذخائر الاعتراضية لدى الجيش الأميركي وحتى في الصواريخ الهجومية، وتقرأ أيضاً استطلاعات الرأي عن تدني التأييد للحرب وعن معاناة الأميركيين من التضخم، وتقرأ أيضاً عن امكان خسارة الجمهوريين الغالبية في الكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وعليه، تزداد تصلباً في مطالبها وترى أنها أمام فرصة تاريخية لانتزاع اتفاق من الولايات المتحدة يضمن لها السيطرة على هرمز، ويضمن عدم تعرضها لهجمات أميركية أو إسرائيلية جديدة، ورفع الحصار البحري الأميركي والإفراج عن ودائع مجمدة في دول الجوار، والذهاب إلى مفاوضات نووية، ستكون حصيلتها أفضل من “خطة العمل الشاملة المشتركة” التي وقعتها طهران عام 2015 إبان ولاية باراك أوباما، ولو ظل ترامب يزعم العكس.

هذا الوضع المريح لإيران استراتيجياً، جعل بعض الأصوات المتشددة تطالب بأن يتضمن اتفاق هرمز بنداً يمنع دخول السفن الحربية الأميركية إلى الخليج. ومع صعوبة موافقة ترامب على طرح كهذا، فإن مجرد طرحه يُعدُّ إحياءً لمطلب قديم بأن تسحب الولايات المتحدة قواتها من الخليج.

كل ذلك، يجعل دول الجوار تقرأ أيضاً نتائج الحرب بكثير من التمعن والتروي. باكستان، مثلاً فضّلت أن تضطلع بدور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران. تركيا، دعمت الحوار وندّدت بالحرب واعتبرتها غير شرعية، ولعبت دوراً حاسماً في عدم أخذ ترامب بنصيحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الزج بأحزاب كردية إيرانية معارضة في الحرب. أما السعودية، فقد تضاعفت خيبتها من الولايات المتحدة، بعدما ربط ترامب التوقيع على الاتفاق النووي معها بالتطبيع مع إسرائيل أولاً.

لا ينفي ذلك كله أن ثمة حذراً باكستانياً وتركياً، من توسع الدور الإيراني في المنطقة، على حساب الحضورين الباكستاني والتركي، وخصوصاً على ساحة الخليج. واتفاق مكة الذي بُني على اتفاق سعودي-باكستاني دفاعي أبرم في أيلول/سبتمبر 2025، يشي بوجود رغبة لدى أنقرة وإسلام آباد في عدم تغيير التوازنات القائمة في الخليج. والجدير بالذكر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقعوا على اتفاق مكة، على وقع تصعيد في الهجمات الحوثية ضد السعودية، ووسط تقارير تشير إلى استعداد فصائل عراقية موالية لإيران لشن هجمات جديدة ضد الأراضي السعودية.

وكان أردوغان قد بحث مع قائد الجيش الباكستاني الماريشال عاصم منير الذي زار أنقرة الشهر الماضي، في انشاء “هيكل أمني إقليمي جديد” والتعاون في مجال صد الضربات الحوثية على السعودية وفي البحر الأحمر. وتطمح أنقرة إلى زيادة صادراتها الدفاعية إلى الخليج، في وقت من شأن الاتفاق الثلاثي أن يعزز من توظيف الأموال السعودية في الصناعات الدفاعية لكل من تركيا وباكستان.

إقرأ على موقع 180  صاروخ ديمونا.. وقابلية المنطقة للإنفجار!

وبحسب الديبلوماسي التركي السابق سينان أوليجن، فإن “الدول الثلاث تنظر إلى الفوضى في المنطقة، من منظور واحد يتصل بكل من إسرائيل وإيران”.

والدور العسكري الباكستاني في السعودية ليس بجديد. ففي نيسان/أبريل الماضي، نشرت باكستان سرباً من مقاتلاتها في السعودية وأنظمة للدفاع الجوي صينية الصنع من طراز “إتش. كيو-9” لمساعدة السعودية في التصدي للهجمات الإيرانية.

ولم تتأخر إيران في ابداء القلق من اتفاق مكة. إذ انتقد عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم رضائي الاتفاق، مؤكداً أنه “لن يشكل صمام أمان للرياض.. تماماً كما أن سنوات الاستضافة الآحادية للأميركيين لم توفر لها ذلك”.

ليس الهاجس الإيراني وحده كان الباعث على التوقيع على اتفاق مكة. هناك قلق متنامٍ من الحروب الإسرائيلية المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، من غزة إلى إيران مروراً بالضفة الغربية ولبنان وسوريا، من دون أن يوفر قطر، على غرار ما حصل من استهداف للدوحة في العام الماضي. وتعتبر إسرائيل أن دور تركيا في سوريا غير بناء، ورسمت خطاً أحمر أمام توسع هذا النفوذ ليشمل مناطق جنوب دمشق.

وقد يكون الحرص المصري على عدم إثارة التوتر مع إسرائيل، هو أحد أسباب تراجع القاهرة عن الانضمام إلى اتفاق مكة، علماً بأنها شاركت في المفاوضات الأولية التي أفضت إلى الاتفاق المذكور.

ومهما يكن من أمر، يعتبر الاتفاق الثلاثي انعكاساً مباشراً لنتائج حرب لم يعرف ترامب كيف ينتصر فيها أو كيف ينهيها. فهل يكون اتفاق هرمز والعودة إلى مذكرة التفاهم، بداية الأفول الأميركي في الخليج وبداية نشوء توازنات جديدة؟

وبالمثال غير البعيد زمنياً، انتهى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى تعميق الصراع السني-الشيعي واستغلال التنظمات الجهادية هذا الصراع كي توسع نفوذها الذي بلغ ذروته مع “داعش” عام 2014. ويخشى اليوم أن تقود الحرب الأميركية على إيران إلى نتائج مماثلة في وقت يؤكد التاريخ أن الولايات المتحدة محكومة بتكرار أخطائها.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  صاروخ ديمونا.. وقابلية المنطقة للإنفجار!