بكلام آخر، أراد ترامب أن يُقدم على عمل تردد سبعة من أسلافه في الإقدام عليه، أي شن حرب داخل إيران نفسها، بصرف النظر عما إذا كان سيؤدي ذلك إلى تغيير النظام أم لا. وهذا ما يُقلّل من سردية البعض بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هو الذي أقنع الرئيس الأميركي بالذهاب إلى الحرب بهدف رئيسي وهو اسقاط النظام، خلال اللقاء الشهير في البيت الأبيض في11 شباط/فبراير، بالاعتماد على خطة قوامها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد والأحزاب الكردية المعارضة المسلحة.
ومع دخولها الشهر السابع، فرضت الحرب على الولايات المتحدة تحديات استراتيجية، ليس بالهين القفز فوقها. لا يملك ترامب استراتيجية واضحة للخروج من الطريق المسدود، وهو عالق في “حرب أبدية” أخرى، من صنعه هذه المرة، بعدما كان يتهم الرؤساء الأميركيين الآخرين بتوريط أميركا في هذا النوع من الحروب. الآن، يواجه ترامب نسخته الخاصة. ويواجه حقيقة مرة أخرى وهي أن الغارات الجوية وحدها قلما نجحت في التاريخ بقلب الأنظمة، في وقت لم يكن وارداً بالنسبة إليه اللجوء إلى خيار بري على غرار الغزو الأميركي للعراق في 2003، لأنه يدرك تبعات الغوص في رمال الصحراء الإيرانية. وهذه إحدى أبرز نقاط القوة لدى النظام في إيران.
وهكذا أدت حرب ترامب إلى تآكل قوة الردع الأميركية، مع العجز عن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، وكذلك العجز عن حماية حلفائه في الخليج، مما جعل هؤلاء يتطلعون إلى شراكات وتحالفات أمنية إقليمية جديدة، بسبب تناقص الثقة بأميركا، وقد يجد بعضهم نفسه مضطراً إلى ابرام اتفاقات مع إيران نفسها، بحكم الجغرافيا ونتيجة توصلهم إلى اقتناع بأن النظام هناك، لا يبدو أنه آيل للسقوط.
وحده هيغسيث!
قبل الحرب بأيام، استدعى ترامب مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة تولسي غابارد (التي استقالت في حزيران/يونيو الماضي) ليسألها عن تقدير مجمع الاستخبارات لما يُمكن أن يحدث إذا بادرت أميركا إلى الخيار العسكري. وتنقل صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية عن أشخاص إطلعوا على محتوى اللقاء، أن غابارد قالت للرئيس ترامب، إن اغتيال المرشد السابق آية الله علي خامنئي، سيؤدي على الأرجح إلى نظام أكثر تشدداً يكون منفتحاً على حيازة الأسلحة النووية. وأضافت أن إيران ستسارع إلى اغلاق مضيق هرمز، بما يزعزع أسواق الطاقة العالمية، وبأنها ستستهدف القوات الأميركية وشركاء واشنطن في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيقود إلى زرع الشك بمدى عزم الولايات المتحدة وصدقيتها.
كذلك، تلقى ترامب تحذيرات مشابهة من مسؤولين آخرين. فالقادة العسكريون حذّروا من أن الحرب ستوقع إصابات في صفوف الجيش الأميركي، وأبدوا قلقهم إزاء مخزونات الصواريخ ومدى الجاهزية لدى القوات المنتشرة على مساحات واسعة. وحده وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يدين بالولاء الكامل للرئيس الأميركي، أعطى صورة مختلفة، بتأكيده أن الجيش الأميركي قادر على التعامل مع أي ظروف قد تطرأ خلال الحرب. جدير بالذكر أن هيغسيث خرج من الجيش برتبة رائد قبل أن يعمل مذيعاً على شبكة “فوكس نيوز”، وينال اعجاب ترامب بسبب آرائه اليمينية المتطرفة.
الحرب-الكارثة
يواجه ترامب اليوم منطقة رمادية من اللاحرب واللاسلم. ومن الواضح أنه يتردد في استئناف العمليات القتالية برغم تهديداته الرنّانة، فضلاً عن أنه غير قادر على إنهاء الحرب بشروط ترضيه وتسكت لوم المنتقدين، حتى من صفوف قاعدته الانتخابية. ويوماً بعد يوم يقل تأثير اللغة الانتصارية التي يتحدث بها ترامب في تغريداته على غرار زعمه أن إيران لم يعد لديها قدرات عسكرية ولا اقتصادية وبأنه قضى على قادتها، وبأن من تبقى منهم يتوسلون إبرام صفقة معه. ولا تملك هذه التغريدات أي تأثير على كبح التضخم في أميركا أو خفض سعر غالون البنزين إلى ما دون الـ4 دولارات، قبل شهرين من الانتخابات النصفية التي تشهد انتخاباتها التمهيدية في صفوف الجمهوريين، صعوداً متزايداً لمرشحين لا يحظون بدعم ترامب. وهذه سابقة بحد ذاتها نظراً إلى الهيمنة المطلقة التي فرضها الرئيس الأميركي على الحزب الجمهوري منذ 2016.
وفي رأي مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية إبان ولاية جورج بوش الإبن، ريتشارد هاس، أنّ حرب إيران كانت “عبارة عن كارثة.. فلا يوجد ما يشير إلى أننا اصبحنا في وضع أفضل، وأن الحرب كانت تستحق ذلك العناء”.
ومعارك مع الصين وكندا
وأمام واقع لا يسمح لترامب بالعودة إلى الضربات العسكرية، اختار تصعيد الحرب الاقتصادية، بديلاً. وتستند عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي أطلقتها واشنطن الإثنين الماضي، على فرض عقوبات جديدة على نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة، فضلاً عن خمسة قطاعات من الاقتصاد الإيراني، بدءاً من الأصول الرقمية وصولاً إلى الشحن “بهدف دفع النظام إلى الانهيار”، على حد تعبير وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي يتقدم دوره هذه الأيام على دوري وزيري الخارجية ماركو روبيو والحرب بيت هيغسيث.
غير أن الضغط الأقوى، هو ذاك الذي يمكن أن يتأتى عن العقوبات الثانوية، التي تطاول الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران. وثمة شكوك في أن تضع أميركا هذه العقوبات موضع التنفيذ، كونها ستؤدي إلى الاصطدام بالصين التي تستورد 80 في المئة من النفط الإيراني بأسعار مخفضة. وقالت بكين بوضوح أنها “ستدافع عن مصالحها” في حال فرضت واشنطن عقوبات عليها. وعلاوة على ذلك، فإن أي اصطدام مع الصين، سيؤدي إلى زعزعة النظام المالي العالمي، باعتراف بيسنت نفسه.
يعني ذلك أن ذهاب أميركا إلى حد تخيير الصين بين الدولار والنفط الإيراني، قد يُفجّر مجدداً حرباً تجارية أميركية-صينية، في وقت غير ملائم لترامب، الذي ينشغل بـ”إنزال” اقتصادي على كندا في هذه الأيام، بينما ترد أوتاوا بقوة على “محاولة النيل من سيادتها”، وفق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.
تثوير الإيرانيين
ومن دون العقوبات الثانوية، يصعب أن يصادف ما يطلق عليه ترامب “الإنزال الاقتصادي” تيمناً بمصطلح “دي. داي” الذي يشير إلى الإنزال العسكري الذي نفذه الحلفاء على شواطىء النورماندي، وشكّل نقطة مفصلية في الحرب العالمية الثانية أدت في النهاية إلى استسلام ألمانيا النازية. وتشير تقديرات المحللين والمختصين في أميركا والغرب عموماً، إلى أن النظام الإيراني الذي تعود التكيف مع العقوبات على مدى 47 عاماً، سيكون قادراً على التكيف مع الموجة الجديدة من العقوبات، لكنها ستزيد من معاناة المواطن الإيراني العادي، وليس النظام.
وإذا كانت استراتيجية ترامب الجديدة، هي أن يضغط على الناس كي يتحركوا ضد النظام، فإن تلك فرضية تستند إلى الاستنتاج وليس إلى التحليل، وكذلك تعد تمريناً نظرياً يشبه تمارين عديدة أقدم عليها ترامب في نحو عامين من ولايته بإزاء إيران.
صحيح أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، يعربان علناً عن ضرورة عدم قطع التفاوض بالمرة مع أميركا أو مع الوسطاء، آخذين في الاعتبار تردي الوضع المعيشي للسكان وما خلفته الحرب من خسائر، لكن القرار الأخير هو في يد “الحرس القديم”، الذي لا يبدو مستعجلاً لإبرام صفقة مع أميركا، إلا إذا كانت تضمن سيطرة إيرانية نهائية على مضيق هرمز، والحصول على تعويضات عن الحرب، ورفع العقوبات والإفراج عن الأصول ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وغزة، والانسحاب من المنطقة. وجاء كلام المرشد مجتبى خامنئي، يوم الجمعة الماضي، داعماً لهذا التوجه ومحذراً من أي تحرك يضر بالوحدة الوطنية.
ويذهب “الحرس القديم” إلى التمييز بين التوصل إلى اتفاق مع مسقط على ممر ملاحي جديد، وبين قرار فتح المعبر الذي سيظل معلقاً على تلبية الشروط الإيرانية الأخرى.
هذا الموقف الذي تتخذه إيران يُعمّق أزمة ترامب، ويجعله يبحث عن النصر المفقود تارة في الرسوم الانتقامية ضد كندا، أو في ما يصفه بـ”أكبر صفقة نفط في العالم” مع فنزويلا، بينما يتعثر في طريق الخروج من إيران.
من يلجأ إلى التصعيد أولاً؟
في واشنطن، يُحيل المفاوض الأميركي السابق إبان ولاية باراك أوباما، آلان آير، ترامب على مقولة الأديب الأميركي الساخر مارك توين: “إذا كانت مهمتك هي أكل ضفدع، فمن الأفضل أن تفعل ذلك أول شيء في الصباح، وإذا كانت مهمتك هي أكل ضفدعين، فمن الأفضل أن تأكل الأكبر أولاً”.
لكنّ شن الحرب الاقتصادية، يعني أن ترامب ما يزال يتجنب أكل الضفدع. ويحذر مدير برنامج إيران لدى مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ، من أن “الاستراتيجية الأميركية الجديدة تنطوي على مخاطرتين، وذلك بالنظر إلى أن القادة الإيرانيين يعتبرون مساعي خنق بلادهم شكلاً آخر من أشكال الحرب، ففي حال فشل هذه الاستراتيجية، لن يتبقى سوى خيار العودة إلى التصعيد العسكري، أما في حال نجاحها، فقد تدفع إيران إلى التصعيد بهدف كسر الحصار البحري الأميركي”.
ويحذّر الكاتبان ريد بولي وماثيو سيبول في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية عدد 16 تموز/يوليو الماضي، من التأثيرات بعيدة المدى لسياسة ترامب نحو إيران وغيرها من القضايا المتعلقة بكندا وغرينلاند وبناما وحرب الرسوم الجمركية، قائلين: “مساعي ترامب القسرية -التي تأتي بنتائج عكسية- تقوّض قوة الإكراه الحقيقية التي تمتلكها أميركا. وما لم تبادر الإدارات المستقبلية والكونغرس إلى تدارك هذا الضرر، فإن المفارقة تكمن في أن رئيساً مولعاً بأسلوب الإكراه، سيكون قد أضعف قدرة الولايات المتحدة على استخدامه بفعالية لسنوات قادمة”.
