لبنان ما بين صناديق الاقتراع.. وخرائط ما بعد اليونيفيل

أسابيع قليلة تفصل الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر عن الانتخابات النصفية الاميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، لكن المنطقة دخلت منذ الآن مرحلة انتظار سياسي مفتوحة على احتمالات متعددة. إسرائيل ترتب حساباتها قبل صناديق الاقتراع، وواشنطن تدير أكثر من جبهة في آن واحد، وفرنسا تحاول تثبيت موقعها في لبنان، فيما يتحول اليمن إلى عقدة استراتيجية عند باب المندب. الجميع يتحرك ويتفاوض ويعيد ترتيب أوراقه، بينما تتجه القرارات الكبرى إلى ما بعد اتضاح صورة السلطة في إسرائيل واتجاه السياسة الاميركية بعد الانتخابات النصفية.

لا شيء يتوقف في هذا الوقت الفاصل. الحركة تكاد تكون في ذروتها: اتصالات، مفاوضات، ترتيبات عسكرية، إعادة توزيع للأدوار، ومحاولات لتثبيت وقائع جديدة قبل أن تتغير البيئة السياسية. فالوقت هنا ليس ضائعاً، بل هو المساحة التي يجري فيها إعداد المرحلة التالية.

في لبنان، ظهرت هذه المعادلة خلال زيارة الرئيس جوزاف عون إلى باريس تحضيراً لمرتمر تسليح الجيش اللبناني. لم تنتج الزيارة اختراقاً كبيراً، لأن فرنسا لا تستطيع تجاوز السقفين الأميركي والإسرائيلي، ولذلك بقيت النتائج في إطار الوعود. لكنها وضعت لبنان في قلب نقاش دولي حول شكل المرحلة المقبلة: دعم الجيش، ومستقبل الجنوب، ونهاية مهمة اليونيفيل في ظل اتفاق إطاري لم يُستكمل تنفيذه.

تريد باريس أن تكون حاضرة في هذه المرحلة، فيما تمسك واشنطن بالمسار الأساسي للتفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي. ويُفترض أن تُعقد الجولة الموسعة المقبلة في روما خلال تشرين الأول/أكتوبر، بينما تستمر الاتصالات بين الطرفين عبر القناة الاميركية، في ظل مسعى تقوم بهد قيادة “سنتكوم” لعقد اجتماع عسكري لبناني إسرائيلي في الشهر المقبل في الولايات المتحدة.. وفي الخلفية، تتحرك الأمم المتحدة والأوروبيون للبحث في كيفية منع الفراغ الذي قد ينشأ مع انتهاء مهمة اليونيفيل في نهاية العام الحالي.

لكن المسألة تتجاوز مجرد استبدال قوة دولية بقوة أخرى.

فإسرائيل تريد أن يكون أي ترتيب أمني جديد مرتبطاً بشروطها الأمنية، فيما ترفض استمرار صيغة دولية تحد من حرية حركتها في الجنوب. في المقابل، تبحث فرنسا وإيطاليا وعدد من الدول الأوروبية عن صيغة تسمح باستمرار حضور دولي يساعد الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، مع طرح خيارات تشمل قوة دولية أو أوروبية جديدة، أو صيغة تجمع بين حضور أممي وائتلاف دولي. وتشترط معظم الدول الأوروبية ولا سيما إسبانيا وإيطاليا موافقة حزب الله على القوة الجديدة قبل إرسال جندي واحد.

واختلاف هذه الصيغ يحدد الجهة التي ستدير الجنوب، وحدود مهمتها ومرجعيتها. وهكذا انتقلت قضية اليونيفيل من ملف تقني يتعلق ببعثة دولية إلى جزء من التفاوض على مستقبل الجنوب نفسه.

ويقع الجيش اللبناني في مركز هذه المعادلة. فلبنان يريد أن يتولى مسؤوليات أكبر، والدول الغربية والعربية تتحدث عن دعمه وتجهيزه وتدريبه، فيما تبقى قدرته على ملء المواقع التي ستخليها اليونيفيل مرتبطة بالعديد والتمويل والتجهيز، وكذلك بالمناطق التي لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يسيطر عليها في الجنوب.

لذلك يصعب فصل مسألة الجيش عن مسألة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة. فالاتفاق الذي ترعاه واشنطن يربط بين انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله من جهة، وبين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جهة أخرى، فيما لا تزال هذه العناصر تواجه عقبات ميدانية وسياسية بفعل الشروط الإسرائيلية التعجيزية.

وجاءت زيارة عون إلى باريس في هذه اللحظة الدقيقة: لبنان يحاول تثبيت الدولة والجيش عنواناً للمرحلة المقبلة، وفرنسا تحاول الحفاظ على دورها، والولايات المتحدة تدير المسار التفاوضي، وإسرائيل تسعى إلى فرض شروطها على أي ترتيبات أمنية جديدة.

ويضغط العامل الانتخابي على هذه الحسابات كلها. فإسرائيل تتجه إلى الانتخابات في 27 تشرين الأول/أكتوبر، والولايات المتحدة إلى الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وبين الموعدين أسبوع واحد فقط. وتجعل هذه المساحة الزمنية الضيقة تحقيق اختراق كبير في الملف اللبناني قبل الانتخابات الإسرائيلية أمراً صعباً.

وتدخل واشنطن بدورها مرحلة حسابات انتخابية، في وقت تراوح فيه حربها ضد إيران مكانها، ويظل مضيق هرمز مقفلاً أمام الملاحة، فيما تتفاقم أزمة الطاقة ويضاف إليها الصداع اليمني المستجد مع إمساك الحوثيين بباب المندب. لذلك قد ترتبط الأسابيع المقبلة بتثبيت مواقع وشروط تفاوضية أكثر مما ترتبط بإنتاج تسويات نهائية. وما يجري الآن يمكن أن يرسم حدود الحركة السياسية بعد الانتخابات، حتى إذا تأجلت القرارات الكبرى إلى ما بعدها.

وهكذا تتحرك المنطقة كلها داخل المرحلة نفسها: في لبنان يجري ترتيب مرحلة ما بعد اليونيفيل، وفي واشنطن وروما يستمر مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، وفي باريس تحاول فرنسا الحفاظ على موقعها، وفي اليمن يبقى باب المندب ورقة في صراع أوسع على الممرات والنفوذ وفي مضيق هرمز تستمر طهران ممسكة بهذه الورقة التي تخنق الإقتصاد العالمي، بينما تقترب الانتخابات الإسرائيلية والأميركية التي ستعيد رسم البيئة السياسية خلال أسابيع قليلة.

أما لبنان، فيتحرك داخل هذه التحولات خالي الوفاض تقريباً.

فقد أظهرت زيارة عون إلى باريس محاولة لتثبيت الجيش مرجعية للأمن، والدولة مرجعية للقرار، والحصول على دعم دولي طويل الأمد، وربط استقرار الجنوب بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من المناطق المحتلة ووقف اعتداءاته. لكنها أظهرت أيضاً أن مستقبل الجنوب أصبح جزءاً من شبكة حسابات دولية تتقاطع فيها واشنطن وباريس وتل أبيب والعواصم الأوروبية والأمم المتحدة.

إقرأ على موقع 180  أمريكا و"قصة الرئيسين".. الإمبراطورية الغاربة

والأهم في هذه المرحلة ليس فقط ما يجري ترتيبه للبنان، بل ما يستطيع لبنان أن يرتبه بنفسه قبل انتهاء الانتخابات الإسرائيلية والاميركية وبدء التعامل مع الوقائع السياسية الجديدة.

فما يُترك للآخرين كي يقرروا بشأنه اليوم قد يتحول، بعد تشرين الثاني/نوفمبر، إلى واقع سياسي وأمني جديد، يُفرض على لبنان التعامل معه باعتباره أمراً قائماً من دون أن يكون شريكاً في صناعته.

العالم كله يتحرك في هذا الوقت الفاصل. إنه ليس فراغاً معلقاً بين مرحلتين، بل مساحة تُصاغ فيها الوقائع التي ستحدد شكل المرحلة التالية.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إسرائيل و"جبهة الشمال".. حرب استنزاف مردوعة!