لنحاول بداية أن نستعيد القراءة الإسرائيلية الأميركية التي تدور حول “محور المقاومة” الإقليمي. هنا نرى أن تل أبيب لا تنظر إلى هجوم السابع من أكتوبر بوصفه حادثاً معزولاً، بل تعبيراً عن وظيفة “محور المقاومة” الذي تقوده طهران ولها فيه شركاء مثل حركة حماس الفلسطينية، و”حزب الله” اللبناني، وحركة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن، فضلاً عن فصائل عراقية موالية لإيران. واستناداً إلى التفكير المعلن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن “إيران وشركاءها يريدون تدمير دولة إسرائيل.. ونحن سنزيل حماس ونتغلب كذلك بالدرجة الأولى على النظام الإيراني”.
ومن الجانب الأميركي، يسود الاعتقاد أن إيران تتحمل المسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر كونها تمد حركة “حماس” بالسلاح والمال والتدريب. وفي سياق هذا التصوّر الأميركي، تندرج حرب حزيران/يونيو 2025 ضد المواقع النووية الإيرانية، ثم حرب 28 شباط/فبراير 2026 والتي شملت اغتيال الصف الأول من القيادة الإيرانية العليا، في إطار خطة إسرائيلية اقتنع بها على ما يبدو الرئيس دونالد ترامب وكانت تفترض سقوط النظام الإيراني عقب “قطع الرأس بعد اليدين”.
وتأكيداً للتواصل المباشر بين السابع من أكتوبر واستهداف إيران، يقول مسؤول إسرائيلي إن الهجوم الفلسطيني الذي كشف هشاشة نظام الردع الإسرائيلي “أعاد تأجيج الخوف من الإبادة.. وهناك تهديدات إيرانية كنا نأخذها دائماً بصورة جدية، ومن باب أولى منذ السابع من أكتوبر”.
وثمة قراءة نقدية إيرانية بشأن الموقف من هجوم 7 أكتوبر الفلسطيني، ترى أن طهران حاولت أن تتجنب الالتصاق بالأجندة الفلسطينية التي حكمت قرار الهجوم وتوقيته، لكي لا تتحمل المسؤولية عن عملية لم تشارك في التخطيط الدقيق لها، وإن كانت أشادت بها لا بل أعلنت مباركتها لها. وهنا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن النظام الإيراني ربما كان يراهن على عدم إيصال الحرب إلى قلب “القلعة الإيرانية”. في المقابل، يذهب محللون إيرانيون إلى القول إن الاستجابة الإيرانية لهجوم السابع من أكتوبر “تجلت في ذروة الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، عندما أظهر المعتدون إرادتهم بإبادة إيران”، وبالتالي يكون التواصل هنا معكوساً، بمعنى أن الحرب على الجمهورية الإسلامية تنساق في امتداد حرب الإبادة التي استهدفت الشعب الفلسطيني عقب “طوفان الأقصى” والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
***
وإذ نتجاوز حقل السرديات المتناقضة يواجهنا الأمر الواقع: قبل السابع من أكتوبر، كانت إيران تساند حركة المقاومة الفلسطينية وفي مقدمها حركة “حماس” بالسلاح والتدريب والتمويل الذي تقدره مصادر أمنية إسرائيلية بنحو ملياري دولار سنوياً خلال الفترة 2020/2023، لكن علاقة التضامن الفعّال هذه كانت تجري تحت سقف “حرب الظلال”.
لكن بعد السابع من أكتوبر، انتقلت إسرائيل من “حرب الظلال” إلى الحرب المفتوحة باعتبار إيران هي العقبة الوحيدة في المنطقة أمام تحقيق مشروع إسرائيل الذي يراوح بين “إسرائيل الكبرى” و”السلام الإسرائيلي” برعاية أميركية، ونجحت في دفع رئيس أميركي للمرة الأولى إلى الانضمام إليها لشنّ عمليات مشتركة ضد إيران في حزيران/يونيو 2025 بعدما تبيّن أن المحور الإقليمي الذي تقوده إيران تمكّن من تعطيل المشروع الإسرائيلي.
إذاً، هناك ترابط عملياتي واضح وانقطاع يشيران إلى أن دينامية السابع من أكتوبر كسرت الحاجز الذي كان يحول دون المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، وذلك برغم امتناع طهران عن التورط في الأعمال القتالية استجابة لدعوة قيادة حركة “حماس” في غزة والتي كانت تراهن على انتفاضة فلسطينية وعلى انخراط إيراني مباشر في الحرب.
***
ثمة ما يدفعنا إلى الحفر أعمق في انقطاعات ما بعد أكتوبر والتدمير الشامل لقطاع غزة وانفلات حركة الاستيطان اليهودية في الضفة الغربية تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، وهو الأمر الذي أفرغ القانون الدولي الإنساني من مضمونه، مثلما أفقد المشروع الصهيوني مبرر وجوده بصفته علاجاً للإبادة اليهودية على أيدي النازيين الأوروبيين. وإن الرسالة الموجهة إلى كتلة الجنوب العالمي في هذا المقام تبدو صادمة: محكمة العدل الدولية يمكنها أن تواصل إصدار البيانات وأن ترفق بياناتها هذه بالقرارات، فإذا كانت معك دولة تملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، فإنك تستطيع مواصلة سياسة الإبادة من دون توقف أو محاسبة! النتيجة أن دول عالم الجنوب مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وأندونيسيا تعيد النظر في المعايير الأخلاقية وبالتالي تتوقف عن النظر إلى النظام الغربي باعتباره حكماً للمواثيق الدولية بل طرفاً منحازاً.
وعندما نأتي إلى “المحظور” النووي، فإن أحداث حزيران/يونيو 2025 ثم شباط/فبراير 2026 سجّلت للمرة الأولى أن الولايات المتحدة وإسرائيل أقدمتا على قصف مواقع نطنز وفوردو وأصفهان التي تعتبر قلب البرنامج النووي الإيراني، وهذا يعني تجاوز عمليات التخريب السرية السابقة للبرنامج، إلى الاستهداف المباشر لبُنية تحتية نووية تحظى بضمانة وكالة الطاقة الذرية الدولية وذلك بذريعة إجبار إيران على التراجع عن “العتبة النووية”.
وهنا تفيد الإشارة الموجهة إلى الآخرين، بأنه إذا لم يكن لديك السلاح النووي مثل إيران التي لم تتجاوز خط السقف العسكري حسب الاستخبارات الأميركية، يمكن أن تتعرض للضرب بناء على مفهوم الوقاية المسبقة. أما إذا كان لديك هذا السلاح مثل كوريا الشمالية وإسرائيل، لن تُمس بأذى. والدرس الذي يمكن أن تستخلصه قيادات الأركان العسكرية في العالم في هذا الوقت هو الحصول سريعاً على “القنبلة” أو الاستسلام والخضوع. وهذا يعني احتضار الفلسفة التي قامت عليها معاهدة عدم الانتشار النووي.
ومن شأن الانقطاعين القانوني والنووي أن يُولّدا معاً انقلاباً سيستامياً في العالم بحيث يصبح النفط هو السلاح المطلق ويدفع إيران إلى السيطرة على مضيق هرمز، فيما تلجأ الولايات المتحدة إلى الرد بمناورات عسكرية محدودة وحصار اقتصادي، ويتلاشى “مفهوم النصر” لكون حماس لا تتوقف عن محاولة إعادة البناء برغم الدمار الهائل في قطاع غزة، فيما تظهر الدولة الإيرانية قدرة كبيرة على استعادة التوازن وفرض “الفشل الاستراتيجي” على إدارة الرئيس ترامب وإن لم تتجرأ هذه على الاعتراف بذلك في انتظار ميزان الانتخابات النصفية للكونغرس قريباً.
***
تقترح النظرية النقدية لانطونيو غرامشي مجموعة من المفاهيم قد تساعد في فهم جدلية الترابط والانقطاع بين زلزال السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة، ثم انتقال الحرب إلى إيران بدفع إسرائيلي-أميركي.
هناك أولاً مفهوم “الأزمة العضوية” التي تنشأ عندما تصبح الطبقة الحاكمة عاجزة عن القيادة، مثلما كانت تفعل سابقاً، ويرفض المحكومون أن يُفرَض عليهم الحكم، كما كان الأمر سائداً في السابق، وهنا تتصدع منظومة الهيمنة.
إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، تغرق في أزمة عضوية نتيجة انهيار العقد الاجتماعي القائم على مبدأ “الجيش يحميكم في كل مكان”، ولكي تُرمّم هيمنتها الداخلية، يتعين على الطبقة الحاكمة في إسرائيل أن تنتقل إلى الهجوم المتواصل، وهو الأمر الذي يعني تجاوز إدارة الأزمة إلى اعتماد القوة المفرطة لإحياء فكرة “نحنُ غير قابلين للكسر”، عبر الحرب على غزة، ثم على لبنان وبعده على إيران.
أما المفهوم الثاني، فهو يتعلق بـ”الحرب المتحركة” في مقابل “حرب المواقع”. فقد كانت حركة “حماس” و”حزب الله” وإيران يمارسون “حرب مواقع” ضد إسرائيل من خلال الاستنزاف والصواريخ والأنفاق والسرديات المناسبة، ما يقود، حسب نظرية غرامشي، إلى قضم الهيمنة من دون مواجهة رأسية مباشرة.
هجوم السابع من أكتوبر أطلق إشارة التحول من “حرب المواقع” إلى “الحرب المتحركة”، مُسجلاً اختراقاً عسكرياً صاعقاً لدفع إسرائيل إلى تغيير سياستها الفلسطينية. ولكي تستوعب الصدمة، ردّت إسرائيل بالطريقة إياها، لكن على المستوى الاقليمي، وعملت على نقل “الحرب المتحركة” إلى داخل إيران. ولذلك لا نرى المواجهة تتوقف بعد تخلي الطرفين عن “حرب المواقع” أو عبر الجمع بين الطريقتين (المواقع والمتحركة) وصولاً إلى حرب هجينة.
ونأتي أخيراً إلى المفهوم الثالث الذي يتناول “فترة الفراغ” بين عهدين وذلك وسط الصورة المنسوبة إلى غرامشي: “العالم القديم يحتضر والجديد يتأخر في الظهور”. وهذا ينطبق تماماً على الفترة 2023 و2026 عندما كان العالم القديم، يعني اتفاقات أوسلو، والاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، وسياسة الاحتواء الأميركية. أما العالم الجديد الذي لن يتأخر في الظهور على ما يبدو من مؤشرات عدة، فإنه يشهد تصدع الهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط في سياق تراجع الامبراطورية الأميركية، ودخول إيران والقوى الإقليمية الأخرى، فضلاً عن الصين وروسيا في عملية بناء شرق أوسط متوازن ومتعدد الأقطاب.
نعم، إن الاضطراب الناتج من زلزال السابع من أكتوبر، وحرب الإبادة على غزة، ثم استهداف البرنامج النووي الايراني والمحاولة الفاشلة لتغيير النظام الديني في إيران، كُلها تنطوي على محاولة من قوة مهيمنة إقليمية (إسرائيل + العرّاب الأميركي) لانقاذ نظام للهيمنة يُعاني من أزمة عضوية في مواجهة قوى مضادة للهيمنة حقّقت نجاحات في حرب المواقع. ويخلص غرامشي إلى أن القوة الصلبة يمكنها أن تُدمّر لكنها تبقى عاجزة عن بناء هيمنة مستدامة تتطلب بدورها الاقتناع والقبول.
