ما بعد “إنتصار” طالبان.. داعش يتمسك بقتال “العدو البعيد”

سوف تريق التيارات الجهادية في شتى أنحاء العالم الكثير من الحبر، في سياق قراءاتها لمآلات التجربة الطالبانية، ولا سيما في العقدين الأخيرين، وذلك بناءً على ما التقطت راداراتها من إشارات، وصولاً إلى كيفية تعاطيها معها تحليلاً وتمحيصاً وانتقاءً.. وربما محاولة إستنساخ تجربتها.

ثمة إشارات ورسائل متضاربة ينطوى عليها المسار الذي اتبعته حركة طالبان من أجل تجديد إمارتها الإسلامية والعودة إلى حكم أفغانستان بعد ما يقارب 20 عاماً من الغزو الأميركي. المزج بين سياسة التفاوض وقوة النار كان أحد أهم هذه الإشارات، بالإضافة إلى التركيز على العدو القريب مقابل تحييد العدو البعيد.

وكما اختارت بعض الأطراف الإقليمية التركيز على واقع “الهزيمة الأميركية” مستغلة الحدث الأفغاني لتعزيز استراتيجيتها الرافضة للوجود الأميركي في المنطقة، فإن تيارات من الجهاديين وحركات الاسلام السياسي اختارت لنفسها أن تركز على ما استبطنه الحدث من إمكانية انقلاب المعادلات الداخلية والظفر بالسلطة.. ولو بعد حين.

وبرغم أن السمة العامة لارتدادات الزالزال الذي ضرب وما زال يضرب أفغانستان، هي إعطاء الحركة الجهادية جرعة معنوية كبيرة بإمكانها أن تمدها بأسباب الحياة لفترة أطول، إلا أن تنظيم داعش كانت له قراءة مختلفة للحدث الأفغاني، معتبراً أن ما جرى هو بمثابة إنهاء متعمد لمبدأ “قتال العدو البعيد” بغية حصر النشاط الجهادي في قوقعة مواجهات محلية ضد أنظمة وجيوش ليست ـ حسب وجهة نظره ـ سوى أدوات يحركها “العدو البعيد”، واشنطن وحلفاءها، من وراء الستار، ولا فائدة عملية من ضربها ما لم يجري استهداف رأس الأفعى.

برغم أن السمة العامة لارتدادات الزالزال الذي ضرب وما زال يضرب أفغانستان، هي إعطاء الحركة الجهادية جرعة معنوية كبيرة بإمكانها أن تمدها بأسباب الحياة لفترة أطول، إلا أن تنظيم داعش كانت له قراءة مختلفة للحدث الأفغاني، معتبراً أن ما جرى هو بمثابة إنهاء متعمد لمبدأ “قتال العدو البعيد”

وقد يكون الصامت الأكبر إزاء ما جرى ويجري في أفغانستان هو تنظيم القاعدة. فقد آثرت قيادة التنظيم وقيادات فروعه المختلفة ولأسباب مختلفة أن يبقى موقفها من تطورات المشهد الأفغاني وصعود حليفتها، حركة طالبان، إلى السلطة، طي صدورها من دون أن يخرج للعلن، برغم أنه سبق لها أن اصدرت بياناً شهيراً في شهر آذار/مارس 2020 اعتبرت فيه مفاوضات الدوحة والاتفاق الذي أفضت إليه بين الولايات المتحدة وحركة طالبان بمثابة “الانتصار الكبير”، وذلك خلافاً للكثير من التحليلات التي ذهبت إلى اعتبار اتفاق الدوحة بمثابة توقيع شهادة وفاة لتنظيم القاعدة من قبل حركة طالبان.

وقد يكون من الطبيعي نتيجة جدّة الحدث وسرعة حدوثه التي فاجأت الجميع، وكذلك نتيجة الغموض الذي ما يزال يغلف الكثير من جوانبه، أن يتعذر رسم خريطة واضحة للمواقف الجهادية التي تصدر رفضاً أو تأييداً. وسوف يكون من الأصعب تحديد خلفيات بعض هذه المواقف وما هي دلالاتها في ما يتعلق بتأثير الحدث الأفغاني على المشهد الجهادي بشكل عام.

وكمثال على صعوبة رصد المواقف وقراءتها على ضوء الحدث الأفغاني، يمكن الإشارة إلى أن العداوة المستجدة بين هيئة تحرير الشام في سوريا (النصرة سابقاً) وتنظيم القاعدة ممثلاً بجماعة “حراس الدين” وتنظيمات جهادية أخرى، لم تسفر عن أي اختلاف في طبيعة التوصيف الذي أسبغه الجانبان على صعود طالبان في أفغانستان باعتباره يشكل نصراً وتجربة يمكن استنساخها.

صحيح أن “حراس الدين” لم يصدر بياناً لا بمناسبة بدء المفاوضات الأميركية الطالبانية ولا بعد سيطرة طالبان، لكنه بطبيعة الحال يتبنى نفس موقف قيادته العامة الذي عبر عنه بيان “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً”. وقد يكون السبب الرئيسي وراء التحافه الصمت المطبق هو خشيته من تفسير موقفه على ضوء ما تشهده الساحة السورية من تطورات على صعيد انخراط هيئة تحرير الشام بتسهيل تنفيذ الاتفاقات الثنائية بين روسيا وتركيا، وفي هذا دلالة على أن بعض فروع القاعدة، برغم تبنيها موقف القيادة المركزية، إلا أنها تعتبر إسقاط الحدث الأفغاني وخاصة بشقّه التفاوضي على مناطق انتشارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

من جهتها، سارعت هيئة تحرير الشام إلى إصدار بيان تهنئة بالنصر الذي أحرزته حركة طالبان في أفغانستان، ولكن كان من الواضح مدى حرص الهيئة على محاولة حصر الحدث ببعده المحلي من دون الإشارة إلى ابعاده الدولية والاقليمية وهو ما بدا جلياً من خلال إغفال بيان الهيئة أي إشارة إلى الجانب الأميركي الذي انتصرت عليه طالبان. ولا يشي ذلك برغبة الهيئة في عدم التشويش على مساعيها المتواصلة لرفع اسمها من قوائم الارهاب وإعادة تلميع صورتها كجماعة معارضة معتدلة وحسب، بل يشي كذلك بنظرتها الاستراتيجية إلى المشهد السوري واعتباره حلبة للتصارع الداخلي بعيداً عن أي امتدادات خارجية، وهو ما يمكن أن يقودها بحسب ما تطمح إليه إلى امتلاك فرصة لإعادة تطبيق التجربة الطالبانية بحذافيرها في سوريا.

من غير المستبعد أن يصبح هاجس تنظيم داعش في المرحلة المقبلة هو تعزيز الصورة النمطية التي يحاول رسمها عن أعدائه باعتبارهم وقعوا في فخ المفاوضات وحصروا نشاطهم في معارك محلية ضيقة

وبرغم أن موقف هيئة تحرير الشام يتجاهل الفوارق الكثيرة بين المشهد السوري والمشهد الأفغاني، ولا سيما لجهة تعدد اللاعبين في سوريا واختلاف أهدافهم ومصالحهم، ولجهة أن اللاعب الرئيسي، أي روسيا، لن يفتح باب التفاوض مع تنظيم إرهابي كما فعلت واشنطن، إلا أن قراءتها للحدث الأفغاني تحقق لها مصالح كثيرة أهمها شد عصب جماعتها حول تجربة ناجحة يمكن استلهامها، وذر الرماد في عيون حاضنتها الشعبية من باب أن النصر الأفغاني استلزم عشرين عاماً من العمل والقتال ما يعني أن المسار في سوريا ما زال طويلاً وعلى الحاضنة أن تتسم بطول البال والصبر، وهو ما يعطي الهيئة قسطاً وافراً من الوقت لتعزيز سلطتها في مناطق انتشارها في إدلب وريف حلب.

إقرأ على موقع 180  لبنان في قلب "حرب السفن".. و"الأحضان"!

في المقابل، اعتبر تنظيم داعش ما جرى في أفغانستان أنه “انتقال الحكم من طاغوت إلى آخر” من دون أن يؤثر على ذلك محاولات القاعدة والإخوان المسلمين والسرورية (تيار سلفي من أصول إخوانية) تصوير ذلك على أنه “فتح وتمكين” من باب حرصهم على التماهي مع الجهود الأميركية والقطرية بحسب ما ورد في افتتاحية العدد الأخير من صحيفة النبأ التي تصدر عن ديوان الإعلام المركزي في داعش.

وسبق لداعش أن اعتبر في عدد سابق من الصحيفة أن تصرفات “طالبان”، ومعها صحوات الشام ومن قبلها صحوات العراق، “نسفت شعار “قتال العدو البعيد” ووضعته في ملفات النسيان”، واشارت المقالة إلى أن الهدف من هذه السياسات التصالحية التي تقودها واشنطن ما هو سوى العمل على تقريب “فصائل الردّة”، في إشارة إلى “طالبان” و”القاعدة”، من “العدو القريب” الذي يمثل الحكام والجيوش في الدول الإسلامية، وذلك من أجل تحقيق هدف واحد هو قتال “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي أشارت إليه المقالة باسم “العدو المشترك” الذي يهدد مصالح جميع الأطراف.

ومن غير المستبعد أن يصبح هاجس تنظيم داعش في المرحلة المقبلة هو تعزيز الصورة النمطية التي يحاول رسمها عن أعدائه باعتبارهم وقعوا في فخ المفاوضات وحصروا نشاطهم في معارك محلية ضيقة. وقد يدفعه ذلك إلى إبراز مدى تمسكه بالمبدأ المقابل وهو “قتال العدو البعيد” وربما يجره ذلك إلى محاولة القيام بعمليات خارجية يضرب بها مصالح بعض الدول الغربية من أجل تعزيز فرصه في اكتساب نقاط إعلامية لمصلحته وزيادة قدرته على استقطاب مجندين وأنصار جدد.

بإختصار، ثمة “جرعة تنفس” في المناخات الجهادية العالمية ربطاً بالحدث الأفغاني. النموذج الطالباني سيتحول في المرحلة المقبلة إلى وجبة رئيسية، تبعاً لحسابات كثيرة بعضها يتصل بالساحات وطبيعة الأعداء (البعيد والقريب) وهوية الحلفاء.. وحقيقة الأهداف هنا وهناك.

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  شيطنوا طرابلس.. أنتم المجرمون!