بايدن.. لو أنّه يأخذ بنصيحة كيسنجر لنيكسون!

ما قدّمه الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، لم يُقدّمه رئيس أميركي آخر منذ تأسيس الدولة العبرية. زيارة تل أبيب في زمن الحرب والمسارعة إلى تقديم مساعدات عسكرية ومالية وحشد عسكري في شرق المتوسط والخليج، وتوجيه تحذير شديد اللهجة لإيران وحلفائها من مغبة توسيع جغرافيا الحرب.

المقارنة التي تفرض نفسها هنا، هي نجدة الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون لإسرائيل عقب حرب 1973، والجسر الجوي الذي أقامته الولايات المتحدة لتعويض الخسائر الإسرائيلية في الأيام الأولى من تلك الحرب. لكنّ نيكسون بناء على نصيحة وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي عامذاك هنري كيسنجر (توفي الأربعاء الماضي عن مئة عام)، تعمد تأخير بعض المساعدات، كي يدفع إسرائيل إلى التفاوض لفك الإشتباك على الجبهتين المصرية والسورية.

وفي ما بعد عاتبت رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتذاك غولدا مائير، كيسنجر على موقفه هذا “مع أنّه يهودي”. وحرص كيسنجر طيلة المفاوضات التي تلت الحرب، وهي التي مهّدت لاتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عهد الرئيس جيمي كارتر، على عدم إظهار تحيزه لإسرائيل إنطلاقاً من فلسفته في “السياسة الواقعية” وتقديم المصالح على العواطف.

ولم تكن هذه حال بايدن ولا وزير خارجيته أنطوني بلينكن، الذي قال في زيارته الأولى لتل أبيب بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر “جئت إلى إسرائيل كيهودي قبل صفتي كوزير للخارجية”، في خطاب غير مألوف في تاريخ الدبلوماسية الأميركية على مر العقود والعهود.

أطلق بايدن ومساعدوه يد إسرائيل في الحرب على غزة، مع تطابق في الأهداف واختلاف في الوسائل. الجانبان يريدان التخلص من “حماس” وإنشاء وضع سياسي وعسكري جديد في القطاع.. والشرق الأوسط.

تبدو المعادلة واضحة: إسرائيل تسعى إلى كسب معركة بينما “حماس” تحاول كسب الحرب

وبينما يتوسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب لتحقيق هذا الهدف، بصرف النظر عن واقعيته، يسعى بايدن إلى البحث عن خيارات أخرى مثل مناقشة امكان تشكيل قوة متعددة الجنسيات من الدول العربية والإسلامية، لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد “حماس” أو إثارة مسألة قيام السلطة الفلسطينية “المتجددة” بدور ما في القطاع. وعندما اصطدمت هذه الفكرة الأميركية برفض عربي للمجيء إلى غزة، ومع تعاظم أعداد الضحايا من المدنيين الفلسطينيين بعد تشكيك أولي بالأرقام، بات بايدن ميّالاً إلى إحداث تعديل بسيط في سياسته بحيث يُرضي المعارضة المتصاعدة في الداخل الأميركي للحرب، ولا يُغضب إسرائيل في الوقت نفسه، فكان العمل على اقناع نتنياهو بقبول الهدن الموقتة، من دون إلزامه بوقف نار دائم.

وبعد نجاح الأيام الأولى من الهدنة مُعزّزة بتبادل دفعات من الأسرى اقتصرت على النساء والقاصرين، سعى بايدن إلى استكشاف إمكانات فتح طريق أمام الديبلوماسية طريقاً للوصول إلى تسوية دائمة قائمة على حل الدولتين. المحادثات بين مسؤولي الإستخبارات الأميركية والإسرائيلية في الدوحة، جعلت البعض يتفاءل في امكان التوصل إلى هدنة دائمة.. والذهاب إلى الديبلوماسية.

لكن نتنياهو سرعان ما سدّ كل الطرق أمام هذا الاحتمال، وهو الذي تقوم كل عصبيته في الحكم على رفض حل الدولتين. وأمام التعنت الإسرائيلي تراجع البيت الأبيض إلى الحديث عن ضوابط لإدارة الحرب في جنوب غزة، مثل تجنب إيقاع إصابات بين المدنيين (وهذه استحالة في منطقة يتكدس فيها نحو مليوني نسمة)، أو إقامة “مناطق آمنة” لهم في جنوب القطاع ووسطه، فضلاً عن تزويد إسرائيل بقنابل دقيقة، والتشديد على ضرورة “التزام المعايير الدولية” في الحرب!

الثابت أن بايدن لن يضغط أكثر على نتنياهو، حتى لا يرتد ذلك سلباً على الرئيس الأميركي في الداخل

التراجع الأميركي، شجّع نتنياهو في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين في الأيام الأخيرة على إعادة إحياء “خيار بيروت 1982″، أي انسحاب مقاتلي “حماس” من غزة على غرار خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في صيف العام 1982. وهو يرى أن الضغط العسكري لا بد أن يقنع “حماس” بالاستسلام للأمر الواقع والقبول بالخروج من غزة؟ لكن إلى أين؟

بلينكن تحدث في ختام زيارته الأخيرة لتل أبيب عن اقتراح مشابه من أجل تجنب توسع الحرب إلى الجنوب، يقضي بأن يُلقي مقاتلو “حماس” السلاح، وبأن يُسلّم المسؤولون عن عملية “طوفان الأقصى” أنفسهم. أي أن بلينكن يستبدل النفي بالذهاب إلى المعتقلات الإسرائيلية.

ومن المؤكد أن نتنياهو يستغل السنة الانتخابية في الولايات المتحدة كي يُحيّد أي ضغط داخلي أميركي محتمل. ويجد في الجمهوريين حليفاً مهماً بدأوا منذ الآن التصويب على بايدن واتهامه بخذلان إسرائيل من طريق الدعوة إلى الهدن الموقتة أو الحديث عن حل الدولتين. وفي مقدم هؤلاء السناتور الجمهوري عن ولاية تكساس توم كوتون الذي غرّد على حسابه في منصة “أكس” قائلاً: “لقد استغرق بايدن بضعة أسابيع بعد أسوأ مجزرة ترتكب بحق اليهود بعد الهولوكوست، كي ينقلب على إسرائيل ويُشبّه أفعالها بالإرهاب”.

كان توم كونوت يرد بذلك على تغريدة لجو بايدن أثارت لغطاً وإرباكاً في البيت الابيض الذي سارع إلى سحبها لاحقاً، وجاء فيها “أن حماس شنّت هجوماً إرهابياً لأنها لا تخشى شيئاً، أكثر من أن يعيش الإسرائيليون والفلسطينيون جنباً إلى جنب بسلام. إن المضي في مسار الإرهاب والعنف والقتل والحرب هو بمثابة منح حماس ما تسعى إليه. لا يمكننا أن نفعل ذلك”.

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": حزب الله يجعل "كاريش" غلاف غزة جديد؟

اعتبر البعض أن بايدن حاول فعلاً إقامة نوع من التوازن بين دعمه المطلق لإسرائيل وحملة القصف الإسرائيلي غير المسبوق في غزة، في مسعى تكتيكي لتهدئة موجات المعارضة داخل الإدارة وخارجها والتي وصلت إلى حد مطالبة سناتورات ديموقراطيين نافذين بوضع شروط على تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل. وهذا احتمال يدأب المسؤولون الأميركيون على تكرار نفيه.

الثابت أن بايدن لن يضغط أكثر على نتنياهو، حتى لا يرتد ذلك سلباً على الرئيس الأميركي في الداخل، علماً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر وصل إلى مرحلة من الانهيار أسوأ بكثير مما كانت عليه غولدا مائير بعد 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973. توافرت لبايدن فرصة مثالية ليفتح الطريق إلى حلول سياسية، لكنه رفض استغلالها برغم أنه يُقدّم نفسه أنه الأكثر خبرة في الولايات المتحدة في مجال السياسة الخارجية، كونه أمضى عقوداً رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.

إطالة أمد الحرب ليس دليلاً على نجاحها، بل يزيد فقط من احتمالات توسع نيرانها إلى حد تجد أميركا نفسها في تورط مباشر بنزاع شرق أوسطي جديد

اليوم، يُحارب نتنياهو من أجل بقائه السياسي بقدر ما يصر على مواصلة حربه في غزة، حتى الخروج بصورة نصر تقيه الذهاب إلى المنزل أو إلى السجن في اليوم التالي لوقف إطلاق النار.

هنا تطرح علامات استفهام كثيرة حول مآلات هذه الحرب بعد انتقالها إلى جنوب غزة، في وقت تبدو المعادلة واضحة: إسرائيل تسعى إلى كسب معركة بينما “حماس” تحاول كسب الحرب.

وأمام ديبلوماسية أميركية عاجزة عن توفير مخرج من أخطر هزة تتعرض لها إدارة بايدن منذ وصولها إلى البيت الأبيض قبل نحو ثلاثة أعوام، فإن إطالة أمد الحرب ليس دليلاً على نجاحها، بل يزيد فقط من احتمالات توسع نيرانها إلى حد تجد أميركا نفسها في تورط مباشر بنزاع شرق أوسطي جديد.

في روايته “وداعاً أيها السلاح”، يقول الكاتب والروائي الأميركي أرنست همنغواي “لا يوجد أكبر من الهزيمة إلا النصر الذي يمكن أن يكون أسوأ في بعض الحالات”!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "إتفاق القاهرة" لماذا لا يكون بين اللبنانيين أيضاً؟