ماذا تبقى من مبررات السعودية للتطبيع؟

أصبح مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل بحكم المُجمّد، منذ عملية "طوفان الأقصى" البطولية التي نفذتها حركة "حماس" في غلاف غزة المحتل، في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

هذا ليس مجرد استنتاج بل إعلان أفضى به “مصدر سعودي” في 14 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بقوله إن بلاده “قرّرت تعليق المحادثات الخاصة بهذا الأمر وأبلغت الوسطاء الأميركيين بذلك”. وجاء انعقاد القمة المشتركة، العربية والإسلامية، في الرياض ليرفع أكثر فأكثر سقف المملكة، وهو الأمر الذي جاهر به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أكثر من كلمة ألقاها مؤخرا، حيث ندّد بالجرائم الإسرائيلية وأكد على “موقف المملكة الثابت والراسخ بأنه لا سبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في فلسطين إلا من خلال تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحل الدولتين، لتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”.

ويلتقي الخطاب الرسمي السعودي في هذه المرحلة مع خطاب الإدارة الأميركية الحالية التي تنادي بحل الدولتين وتعتبر أن فرصة التطبيع يُمكن أن تشكل عنصراً ضاغطاً على اليمين الإسرائيلي من أجل القبول بفكرة حل الدولتين. كما أن المسار السعودي ـ الإيراني، وخصوصاً مع اللقاء الثلاثي الأخير الذي أكد المضي في مسار التطبيع بين الرياض وطهران، برعاية بكين، يُشكل عنصر كبح، في ظل ما أفرزه “طوفان الأقصى” من معادلات، وأولها لجهة جعل القضية الفلسطينية بنداً رئيسياً في جدول الأعمال العالمي، بعدما كان يُراد طمسها وتصفيتها قبيل السابع من تشرين الأول/أكتوبر المنصرم.

ولأن السعودية كانت مُتردّدة نسبياً، واشترطت إحداث “تغييرٍ إيجابيٍّ” على حياة الفلسطينيين، وعلى واقع قضيتهم للمضي في التطبيع، فإن الحرب الإسرائيلية على غزة، وخطط التهجير المُبيَّتة، جعلت تلك الشروط بلا قيمة، ما قد يعطي للتردد السعودي جرعةً قابلة للزيادة وليس للنقصان في المرحلة المقبلة..

ثمة ملفات إسرائيلية كانت تنتظر لحظة التدشين الرسمي للعلاقات بين الطرفين. وإذ لم ينتظر الإسرائيليون تلك اللحظة ليعلنوا عن مطالبهم الكثيرة من المملكة، ومنها ما يسمى “التعويضات” التي تبيّن أن أحدها يعود إلى حقبة الرسول الكريم (حسب زعمهم المبطن بالوقاحة)، من غير المعلوم ما إذا كانت مطالب المملكة في المرحلة المقبلة، ستكون أكثر مغالاة وتشدداً في ضوء ما اصاب إسرائيل من جهة وما تقوم به من عدوان غير مسبوق من جهة ثانية..

وسواء أفضى مسار محادثات التطبيع، الذي توقف مؤخراً، إلى إقامة علاقات ديبلوماسية أم لا، بسبب رفض الإسرائيليين تقديم تنازلات، من المحتمل أن من بين أسباب التردد السعودي هي التعويضات التي كان الإسرائيليون يتحضرون للمطالبة بها، ذلك أنهم كانوا وما زالوا ينظرون للمملكة باعتبارها الصيد الثمين الذي يعادل، وربما يتجاوز، صيدهم المحقق حتى تلك اللحظة. وبغض النظر عما للمملكة من أهمية إقليمية ودولية من النواحي الاقتصادية والسياسية والأمنية، لا تحتاج أهميتها الرمزية لكثيرٍ من الدلائل للتأكيد عليها؛ إذ تكفي تلك الدلالة المعنوية المتمثلة بوجود أهم مقدسات المسلمين في هذه البلاد، حتى يكون ذلك دافعاً فريداً بقوته لقادة الاحتلال لكي يركزوا جهودهم على هذا المسار، لما للتطبيع مع زعيمة العالم الإسلامي السني (أي المملكة) من أهمية في كسر ذلك المحرَّم في علاقة الإسرائيليين مع دول عربية وإسلامية أخرى في شتى أنحاء المعمورة.

وبغض النظر عما كانت ستجنيه المملكة من التطبيع أميركياً، ولا سيما لجهة تحقيق أربعة أمور أساسية: ضمان المُلك (محمد بن سلمان ملكاً)؛ معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة؛ الحصول على الأسلحة الأميركية النوعية التي ترغب بها وتؤمن لها ردعاً مكيناً؛ السماح لها بتأسيس برنامج نووي سلمي. إلا أن المملكة، وحسب ما تداولته مقالات نُشرت في صحفها خلال فترة المباحثات بين الجانبين السعودي والأميركي، أبرزت أنها تريد التزامات غربية وإسرائيلية أكثر تجاه ضمان حقوق الشعب الفلسطيني (تحسين حياة الشعب الفلسطيني).. ومن تلك الضمانات وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتعهد الإسرائيليين بعدم ضم الضفة، كونها مرشحة لأن تكون نواة دولة فلسطينية مستقبلاً. وإذ لم تُكثر السعودية من الحاحها على هذا المطلب، إلا أن خطوة تعيين أول سفير لها لدى دولة فلسطين، في 12 أغسطس/آب الماضي، كانت كافية وحدها لتؤكد للوسطاء الأميركيين والإسرائيليين أنها جادة في مطالبها الفلسطينية. لكن توحش الإسرائيليين ضد أهل غزة، وتهديد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، بأن سلاح الجو الإسرائيلي يستطيع الوصول إلى أي مكان في الشرق الأوسط، علاوة على مشروع التطهير العرقي الجاري تنفيذه وخطة تهجير الفلسطينيين (الترانسفير) إلى كل من الأردن ومصر، كلها معطيات ساهمت أكثر فأكثر في تجميد مسار التطبيع.

سواء أفضى مسار محادثات التطبيع، الذي توقف مؤخراً، إلى إقامة علاقات ديبلوماسية أم لا، بسبب رفض الإسرائيليين تقديم تنازلات، من المحتمل أن من بين أسباب التردد السعودي هي التعويضات التي كان الإسرائيليون يتحضرون للمطالبة بها، ذلك أنهم كانوا وما زالوا ينظرون للمملكة باعتبارها الصيد الثمين الذي يعادل، وربما يتجاوز، صيدهم المحقق حتى تلك اللحظة

وليس سراً أن ائتلاف حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ويضم وزراء متطرفين يُعدّون الاستيطان أمراً وجودياً يحدد مصير كيانهم، لم يكن ليقدم أي تنازلات للمملكة مقابل التطبيع. فالتطبيع بالنسبة لهؤلاء هو سلامٌ مقابل السلام، وليس كما كان متداولاً سابقاً؛ الأرض مقابل السلام، أو حتى ما طرحته المبادرة العربية سنة 2002؛ اعترافٌ بإسرائيل مقابل السماح بإقامة دولة فلسطينية. بل إن الأمر يتعدى كل ذلك؛ إذ لدى الإسرائيليين مطالب من السعودية تفوق ما يطالب به المسؤولون السعوديون وربما يعجزون عن الإيفاء به، ومنها ملف تعويضات اليهود عن أملاكهم في المملكة.

إقرأ على موقع 180  المتاهة: أسرار العلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية

فدولة الاحتلال التي جعلت من نفسها ناطقاً رسمياً بلسان جميع يهود العالم، سواء الأحياء أو من مات منهم قبل مئات السنين، لا تنظر إلى يهود الدول العربية على أنهم مواطنون عرباً، بل رعايا إسرائيليين، أعطت لنفسها حق المطالبة بحقوقهم. ونتيجة لهذا الأمر، وبسبب تسليم أغلب دول العالم به تحت ضغط الشعور بالذنب تجاه ضحايا “الهولوكوست”، خصوصاً دول الغرب ومنظماته الرسمية والأهلية، لم ترَ وزارة خارجية الاحتلال حرجاً في طرح مشروع قانون يقضي بإلزام الحكومة الإسرائيلية بالعمل على مطالبة إيران وسبع دول عربية، هي مصر والمغرب وسوريا وليبيا وتونس والعراق واليمن، بدفع تعويضات تصل إلى 250 مليار دولار، عن أملاك اليهود التي خلفوها وراءهم يوم رحلوا إلى الأراضي الفلسطينية التي احتلها الإسرائيليون بعد نكبة 1948 وإقامة دولة الاحتلال هناك.

إلا أن اللافت للإنتباه هو وجود مشروع مخصص للسعودية وحدها، وقد طرحته وزارة الخارجية الإسرائيلية سنة 2011، وهو يختلف في حيثياته عن المشروع الخاص بالدول المذكورة، لأنه يتضمن بنداً يقضي بمطالبة السعودية بتعويضات مالية تصل إلى 100 مليار دولار عن أملاك اليهود في المملكة، منذ عهد الرسول الكريم حتى الآن. إلا أنه ومع ازدياد اهتمام الإسرائيليين، من مسؤولين وإعلام ومحللين سياسيين بالأخبار التي تتحدث عن جولات مفاوضات التطبيع مع السعودية، وصل الأمر بالبعض حد المطالبة بحقه بالعودة إلى ما يدعيه منازل أجداده في بعض المدن السعودية واستعادتها. وفي هذا السياق، وخلال فترة المباحثات بين الجانبين، خرج أستاذ جامعي إسرائيلي علينا بتغريدة على موقع “إكس”، يدعي فيها مُلكاً لعائلته في مدينة خيبر يُريد أن يعود إليه، وقد وضع صورة لخرائب حدّدَ فيها منزلاً وكتب إن جدته ما زالت تحتفظ بمفتاحه، مقلداً بذلك ما درج اللاجئون الفلسطينيون على إعلانه منذ فجر النكبة. وهي فكرة جيدة للابتزاز، ربما ستغرق السعودية بمطالب كثيرة مماثلة إن هي أقامت علاقات مع دولة الاحتلال.

ومن المعلوم أن تطبيع المملكة مع “إسرائيل” والاعتراف بوجودها دولة مستقلة ذات سيادة، سيؤدي إلى فرض التزامات عليها تجبرها على تنفيذ ما يطالب به الإسرائيليون من تعويضات تحت ضغط القانون الدولي، خصوصاً إذا ما ارتقى هذا المشروع وصار قانوناً له اعتباره في المنظمات الأممية.

وإذا علمنا أن الكنيست الإسرائيلي قد أقر سنة 2010 قانوناً يلزم الحكومة الإسرائيلية تضمين مفاوضات السلام مع الدول العربية مناقشة بند تعويض اليهود العرب عن الأملاك التي تركوها وراءهم بعد نكبة 1948 والتحاقهم بدولة الكيان، فإننا نفترض بالضرورة أن هذا البند قد طُرح للنقاش مع وفود سعودية، ولكن لا ندري ماذا كان رد فعل الدولة السعودية. غير أن المؤكد أن ما كانت تسعى إليه السعودية من وراء التطبيع، قد جعله الإسرائيليون يذهب أدراج الرياح في ضوء حرب إسرائيل المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، خصوصاً بعد عودتها السافرة إلى مشروع طرد الفلسطينيين بالقوة والمجازر والحصار والاقتلاع بالجرافات، وتوطينهم في سيناء والأردن رغماً عن إرادة البلدين. عندها لن يبقى لمبررات السعودية للتطبيع والقائلة بتحسين حياة الفلسطينيين وجود، لأن الإسرائيليين لا يرفضون تحسين حياة الفلسطينيين على أرضهم فحسب، بل يرفضون إبقاء الفلسطينيين على قيد الحياة على هذه الأرض.. وربما في كل أرض.

Print Friendly, PDF & Email
مالك ونّوس

كاتب ومترجم سوري

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  حادثة التنف.. لا أحد يخوض معارك أميركا بعد اليوم!