ولاية بايدن الثانية مُهدّدة.. “جبهات المساندة” في قلب جامعات أميركا!

وفّر إقرار الكونغرس للرئيس الأميركي جو بايدن حزمة مساعدات بـ95 مليار دولار، رافعة في السياسة الخارجية حيال ثلاث قضايا يعتبرها مصيرية بالنسبة للأمن القومي الأميركي: الحرب الروسية-الأوكرانية، الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ودعم تايوان في مواجهة الصين.

الفضل في إقرار الحزمة بعد جدل استمر نحو سبعة أشهر، يُعزى لرئيس مجلس النواب الأميركي عن الحزب الجمهوري، مايك جونسون، بسبب “تمرّده” على الرئيس السابق، دونالد ترامب الذي “يتجمد” في قاعة محكمة مانهاتن بنيويورك في قضية جنائية قد تنتهي بإصدار حكم عليه بالسجن وتطيح بآماله للعودة إلى البيت الأبيض.

اتكأ جونسون في قراره طرح حزمة المساعدات الخارجية، على صورة له مع ترامب قبل أسبوع في منتجع الأخير في مارالاغو بولاية فلوريدا، وعلى وعد من الديموقراطيين بدعمه عندما سيطرح زملاؤه الجمهوريون الرافضون للحزمة الثقة به، كرئيس لمجلس النواب، كي لا يلاقي مصير سلفه، كيفن ماكارثي الذي أطيح به العام الماضي، بعد ابرامه اتفاقاً مع الديموقراطيين لتفادي الإغلاق الحكومي.

لكن مهلاً؛ صحيح أن بايدن حقّق بإقرار حزمة المساعدات الخارجية، نصراً للرئيس الأميركي كان يتعطش إليه. هذا يصب في جانب الأخبار السعيدة، أما في جانب الأخبار السيئة، فإن بايدن يمر بلحظة داخلية غير مطمئنة على أبواب الانتخابات الرئاسية في 5 تشرين الثاني/نوفمبر، مع ظهور بيانات اقتصادية عن ارتفاع نسبة التضخم، واتساع الاحتجاجات الطلابية الداعية إلى الضغط على إسرائيل لوقف حربها المدمرة على غزة.

هذه الاحتجاجات، وفق ما ترى مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، تضع بايدن في لحظة مشابهة للحظة المرشح الديموقراطي، هوبرت همفري، نائب الرئيس، ليندون جونسون عام 1968. عامذاك كانت الاحتجاجات على حرب فيتنام قد بلغت ذروتها، وكان جونسون عزف عن الترشح لولاية ثانية ووقع الاختيار على همفري، المؤيد لمواصلة الحرب.

بايدن في سباق مع الزمن للتوصل إلى وقف حرب الإبادة في غزة، لأن “جبهات المساندة” تتوسع إلى الداخل الأميركي هذه المرة، وتُهدّد بقاءه في البيت الأبيض بعد تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فهل يُبادر في ربع الساعة الأخير، أم أن ما كُتب قد كُتب، ولم يعد ينتظره إلا تكرار “سيناريو همفري” إذا استمرت حرب الإبادة في قطاع غزة

هُزم همفري أمام المرشح الجمهوري، ريتشارد نيكسون بفارق ضئيل. كان نيكسون قد وعد الناخبين بأن لديه “خطة سرية” لوقف حرب فيتنام، ليتبين بعد ذلك، أنه كان يكذب وقرّر مواصلة الحرب حتى 1973. اليوم يُقدّم ترامب وعداً للناخبين الأميركيين بأن في امكانه وقف حرب أوكرانيا “في 24 ساعة”، ويعتبر أن حرب غزة قد طالت أكثر من اللازم.

سيناريو همفري قد يتكرّر مع بايدن إذا لم يوقف حرب غزة على الأقل. إلى الآن، يدفع بالمزيد من المساعدات لإسرائيل ويستبعد استخدام رافعة مبيعات الأسلحة الأميركية للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو الذي “روّعه” اعتصام طلاب جامعة كولومبيا، واعتبره “تحركاً معادياً للسامية يجب التحرك فوراً لوقفه”.. وحسناً فعل السناتور الأميركي بيرني ساندرز الذي سارع إلى سؤاله ألا يعتبر بأن قتل إسرائيل 34 ألف فلسطيني في غزة “عملاً معادياً للسامية”؟

فاز جو بايدن في انتخابات العام 2020 بولاية ميشيغن فقط بهامش 120 ألف صوت. والناخبون الأميركيون من أصول عربية ومسلمة يبلغ عددهم 200 ألف صوت الآن. وإذا ما صوّتت غالبية من هؤلاء لترامب أو لمرشح ثالث، فإن بايدن قد يخسر الولاية، وتالياً تضيع منه الولاية الثانية. وأظهرت الانتخابات التمهيدية في الولاية أن 100 ألف ناخب صوّتوا في خانة “غير ملتزم” في رسالة تحذير لبايدن. في 2020، كان عدد من صوّتوا بـ”غير ملتزم” لا يتجاوز العشرة آلاف. ووفق استطلاعات الرأي، يتقدم ترامب على بايدن في ميشيغن بنسبة تتراوح بين 2 و4 في المئة. وكذا الحال في الولايات المتأرجحة الأخرى.

من المؤكد أن بايدن ليس غافلاً عن أن الغضب في أوساط الشباب الأميركي الذي يُترجم في الاعتصامات الجامعية التي تكبر مثل كرة الثلج، قد يُهدّد فرصه بالفوز بولاية ثانية، في حين أن الجمهوريين يُريدون دفعه إلى الوقوع في كمين قمع التظاهرات بالقوة في تكرار لمشهد عام 1970، عندما أطلق الحرس الوطني الرصاص على طلاب عُزّل كانوا يحتجون على حرب فيتنام.

وهذا مايك جونسون “منقذ” بايدن في حزمة المساعدات، يقف قبل أيام في حرم جامعة كولومبيا ليصف الطلاب المعتصمين بـ”الرعاع” ويُهدّدهم بالحرس الوطني إن لم يضعوا حداً لتحركهم، وليُصوّر مطالبتهم بوقف النار في غزة على أنه “عمل معادٍ للسامية”.

ومنذ تحمل الولايات المتحدة العبء الأساسي في صد الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية عن إسرائيل ليل 13 ـ 14 نيسان/أبريل، وإدارة بايدن، تملك سلطة أكبر على حكومة الحرب الإسرائيلية. وهجوم رفح ليس كما يقول نتنياهو أن ما من قوة في العالم تستطيع الحؤول دونه، بما فيها أميركا.

تستطيع أميركا، لو أرادت، منع الهجوم والدفع نحو اتفاق لوقف النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية بالكميات الكافية لدرء المجاعة عن سكان غزة. وحزمة الدعم الأخيرة هي ذاتها يمكن أن تُشكّل أداة ضغط على نتنياهو.

إقرأ على موقع 180  ما الذي يعنيه الإنسحاب الأميركي من أفغانستان؟

ويمكن لبايدن أن يبني على مرونة حركة “حماس” التي عبّر عنها نائب رئيس الحركة في قطاع غزة خليل الحية في مقابلة مع وكالة “الأسوشيتدبرس” الأميركية، الخميس الماضي، عندما تحدث للمرة الأولى عن امكان تحول “حماس” إلى حزب سياسي إذا ما قامت دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعن هدنة السنوات الخمس.

بعد كلام الحية، صدرت مناشدة من الولايات المتحدة و17 دولة، تدعو “حماس” إلى المبادرة لاطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين المرضى والكبار في السن، كتمهيد يساعد على تهيئة الأجواء للحديث عن وقف نار مستدام. تزامن ذلك مع إعلان مصر تجديد وساطتها إثر زيارة لرئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هليفي ورئيس جهاز “الشاباك” رونين بار إلى القاهرة ومن ثم زيارة وفد أمني مصري إلى إسرائيل. ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن في بكين يطلب من الرئيس الصيني شي جين بينغ دوراً في ممارسة النفوذ على إيران لخفض “التوترات” في الشرق الأوسط.

بايدن في سباق مع الزمن للتوصل إلى وقف حرب الإبادة في غزة، لأن “جبهات المساندة” تتوسع إلى الداخل الأميركي هذه المرة، وتُهدّد بقاءه في البيت الأبيض بعد تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فهل يُبادر في ربع الساعة الأخير، أم أن ما كُتب قد كُتب، ولم يعد ينتظره إلا تكرار “سيناريو همفري” إذا استمرت حرب الإبادة في قطاع غزة شهراً ثامناً وتاسعاً وعاشراً وحادي عشر وثاني عشر على التوالي.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أميركا وتحديات الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة