“هآرتس”: إسرائيل “دولتان”.. برؤى متناقضة!

يقول ألون بينكاس، الديبلوماسي الإسرائيلي السابق والمستشار الديبلوماسي السابق للعديد من رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية الإسرائيليين، في مقالة له في "هآرتس"، لمناسبة الذكرى السنوية الـ76 لقيام الدولة العبرية، إن إسرائيل تبدو اليوم منقسمة إلى دولتين يهوديتين متعارضتين: إسرائيل ويهودا (الأراضي المحتلة) برؤى متناقضة لما يجب أن تكون عليه "الأمة اليهودية".

“هناك فيل في الغرفة الإسرائيلية. إنه ليس الاحتلال، برغم أن الإحتلال هو سببه/ها الرئيسي. هذا الفيل في الغرفة هو إسرائيل التي لا محال تنقسم تدريجياً إلى دولتين؛ الأولى، إسرائيل وهي دولة متطورة تكنولوجياً، علمانية، منفتحة على الخارج، صحيح أنها لا تخلو من العيوب ولكنها ليبرالية. الثانية، مملكة يهودا، وهي دولة يهودية، متعصبة، قومية، متطرفة ذات نزعات مسيانية/مسيحية مناهضة للديموقراطية وتشجع على العزلة.

هذا نفسه ما حدث بين العامين 796 ق.م. وتدمير هيكل سليمان الأول على يد البابليين في عام 586 ق.م.، ومرة ​​أخرى بين العامين 140 ق. م. و63 ق.م. خلال حكم الحشمونيين وصولاً للفتح الروماني. أما الانقسامات الأكثر حدة خلال الثورة اليهودية الأولى عام 66 م.، فقد أدت إلى تدمير هيكل سليمان الثاني في عام 70 م.، وهذا بدوره أدى إلى نفي اليهود وحرمانهم من الانتماء إلى وطن حتى العام 1948.

لقد أصبح جلياً أن الأمر لم يعد “تل أبيب في مواجهة القدس” بل أصبح على نحو متزايد “تل أبيب في مواجهة (جبل) مسعدة”، بمعنى آخر الحداثة في مواجهة طائفة السيكاري (رجال الخنجر) المسيانية الدينية المتطرفة التي ظهرت في مسعدة عام 73. حيث أنه في السنوات الأخيرة، حكمت إسرائيل نسخة حديثة من هؤلاء اليهود المتعصبين.

فالصهيونية، وهي حركة التحرير الوطنية للشعب اليهودي، والتي صُمّمت لتكون أداة سياسية لمواجهة واقع الألفي عام من انعدام الهوية والإنتماء لوطن، تحولت من خلال حركة المستوطنين والمتعصبين اليمينيين المتطرفين إلى ثقافة سياسية شبيهة بجبل مسعدة، قائمة على مفهوم إسترداد المملكة القديمة في أرض الأجداد (…).

لم يمر قط على إسرائيل خلال الأعوام الستة والسبعين من وجودها السيادي ذكرى سنوية أكثر حزنًا وكآبة وإحباطًا وقسوة من هذا العام. في هذا اليوم الذي عادة ما يُسلط فيه الضوء على الإنجازات الكبرى التي حقّقتها إسرائيل ويتم تمجيدها، ستكون البلاد عوضاً عن ذلك إنطوائية، يائسة، غاضبة ومدمرة بسبب كارثة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لكن بعيداً عن التفكير في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، هناك إدراك متزايد بأن شعارات “الوحدة”، و”المصير الواحد”، و”ليس لدينا خيار ولا دولة أخرى” أصبحت مجرد كليشيهات جوفاء لا معنى لها. وبدلاً من ذلك، يرى المزيد والمزيد من الإسرائيليين أن بلادهم منقسمة بشكل أساسي إلى كيانين متناقضين: يهودا وإسرائيل.

قد يبدو الحديث عن التفكك إلى دولتين أو هيكل فيدرالي ما ضرباً من الجنون. إلا أن حقيقة عدم إمكانية الخوض في هكذا حديث لا يُغيّر الواقع، فالفجوة حقيقية وتتسع وبات من الصعب تجسيرها. الخلافات السياسية والثقافية والاقتصادية المصحوبة بالانتقادات اللاذعة السامة التي تتنكر في شكل خطاب سياسي آخذة في الاتساع

منظومة قيم لا تقبل المساومة

في عام 1814، كتب الكاتب الروسي إيفان أندريفيتش كريلوف مقالًا من صفحة واحدة بعنوان “الرجل الفضولي”. يصف فيه رجلاً يخبر صديقه أنه قضى ساعات في متحف التاريخ الطبيعي ويروي بإنبهار عن جميع فصائل الحيوانات التي رآها للتو عن قرب. “بالتأكيد”، يقول الصديق، “رأيت وأذهلت بالفيل وحجمه الشبيه بالجبل”. إلا أن الرجل قال معترفاً، “أنني لم ألاحظ الفيل”!

وهكذا، أصبحت حكاية كريلوف مثلًا شائعًا لوصف الناس الذين يتجاهلون، يتجنبون أو يرفضون الخوض في قضية عادة ما يكون الحديث عنها غير مريح، أو مثيراً للجدل ومن المحتمل أن يثير نزاعاً بمجرد مناقشته (…).

إسرائيل لا تحتل الأراضي فحسب، بل ما يقرب من 5 ملايين فلسطيني أيضاً. في الواقع، تعيش إسرائيل منذ 57 عاماً في حلقة متكررة من اليوم السابع من حرب الأيام الستة. هذه الحقيقة التي أطلق عليها في السبعينيات الماضية تعبير “المؤقتة.. الطويلة الامد”، والتي باتت سمة دائمة لنظام إسرائيل البيئي السياسي والجيوسياسي.

وعلى الرغم من ميل الإسرائيليين إلى تجنب الحديث عنه أو محاولة معالجة الخلل بشكل جدي، إلا أن الإحتلال ليس الفيل في الغرفة/المشكلة الحقيقية. وعوضا عن ذلك، أثّر هذا الواقع على إسرائيل، بل وساهم بثلويثها وإضمحلالها لدرجة أن إسرائيل في الواقع بدأت بالإنقسام إلى دولتين متعارضتين.

من المؤكد أن النظام القانوني، الجيش، البيروقراطية، الخصائص الثقافية العامة والسماات الوطنية ما تزال سليمة ظاهرياً. لكن في الجوهر، هناك حرب أهلية مشتعلة في إسرائيل. لم تصل هذه الحرب إلى مستويات جيتيسبيرغ (واحدة من أهم المعارك الأمريكية التاريخية فاصلة)، لكن الانقسام العميق والواسع أصبح جليا بشكل فاضح.

ومن الواضح أن التوفيق بين منظومتي القيم السياسية المتعارضين لهاتين الدولتين صار أمراً مستحيلاً. أما شعار “نحن نقاتل العرب (أو إيران) من أجل وجودنا” – القاسم المشترك الوحيد بينهما – فقد بدأ يضعف. وهذا ما هو إلا تعريف سلبي للهوية الوطنية، فالبرغم من أن التهديد الذي نتعرض له هو تهديد مشترك كما عدونا مشترك، إلا أن ما يُوحدنا صار قليلاً إن كان من حيث نوع المجتمع أو البلد الذي نريد أن نكون على صورته.

إقرأ على موقع 180  الإقتصاد المصري.. ولعنة الدم الفلسطيني

هنا تجدر الإشارة إلى إن التاريخ حافل بالعديد من الحروب الأهلية التي غيرت مسار مجتمعاتها ودولها بشكل مؤقت أو دائم. على سبيل المثال، أدّت الحروب الأهلية الإنجليزية بين عامي (1642-1651) إلى إطاحة النظام الملكي مؤقتًا. كما أنهت الحرب الأهلية الأمريكية بين عامي (1861-1865) الكونفدرالية، ولاحقا، العبودية. أما ثورة تايبينغ الصينية بين عامي (1850-1864) فقد كانت من أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ، حيث ذهب ضحيتها ما يقدر بنحو 30 مليون شخص. الحرب الأهلية الصينية بين عامي (1927-1949) أدّت إلى سيطرة الشيوعيين على أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. أما بالنسبة للحرب الأهلية الروسية بين عامي (1917-1922) فقد عزّزت الثورة البلشفية. ولا يمكن أن ننسى الحرب الأهلية الكورية بين عامي (1950-1953) والتي إنتهت بتقسيم البلاد الدائم إلى دولتين معاديتين. أيضا وأيضا هناك الحرب الأهلية السورية التي بدأت في عام 2011 والحروب الأهلية التي شهدها السودان عام 1956. وطبعا كانت هناك العديد من الحروب الداخلية الأصغر في أماكن أخرى.

البعض قد يتساءل هنا عن ماهية الحرب الأهلية. ببساطة الحرب الأهلية هي حرب تدور رحاها بين مجموعتين (أو أكثر) منظمتين سياسيًا داخل نفس المجتمع أو هيكل الدولة. وهي بطبيعة الحال تختلف من حيث السياق والأسباب: الأيديولوجية، السياسة، الاقتصاد، ومنظومة القيم الثقافية المتناقضة.

الانقسام حقيقي

قد يبدو الحديث عن التفكك إلى دولتين أو هيكل فيدرالي ما ضرباً من الجنون. إلا أن حقيقة عدم إمكانية الخوض في هكذا حديث لا يُغيّر الواقع، فالفجوة حقيقية وتتسع وبات من الصعب تجسيرها. الفجوات والخلافات السياسية والثقافية والاقتصادية المصحوبة بالانتقادات اللاذعة السامة التي تتنكر في شكل خطاب سياسي آخذة في الاتساع. حتى أن إعلان الإستقلال-القاسم المشترك الأكثر جوهرية بين هذين النظامين المتعارضين- بات الآن موضع تساؤل، حيث أصبحت بعض أركانه الأساسية ومبادئه التوجيهية مصدراً للخلاف السياسي.

بات واضحا أن إسرائيل ويهودا لا تتبادلان تصورا أو فكرة مشتركة عن الدولة اليهودية. بالرغم من أن اليهود الذين نجح نتنياهو في دمجهم في كتلة تصويتية تتألف من اليمين، اليمين المتطرف، الأرثوذكس المتدينين المتشددين وأتباعه ليسوا أغلبية إلا أنهم يمسكون بالسلطة ويزعمون أن “تل أبيب ما هي إلا فقاعة”، وغرفة صدى منفصلة عن “إسرائيل الحقيقية”. فإذا كانت “يهودا” تقول عن نفسها أنها “إسرائيل الحقيقية”، فهذا يعني أنها لم تعد إسرائيل التي أنشأتها المؤسسة الصهيونية قبل 76 عاماً.

أما بالنسبة لادعاء الفقاعة، فهم على حق، لكن نيويورك أيضا فقاعة، وباريس ولندن فقاعتان كذلك. ومع ذلك فإن تل أبيب، نيويورك، باريس ولندن تمثل أغلب الناتج المحلي الإجمالي والابتكار في بلدانها.

إن التقاء كارثة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) والذكرى السادسة والسبعين لقيام إسرائيل قد يُخفّف من حدة السجال السياسي لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع إخفاء الحقيقة، حقيقة وجود دولتين برؤى متناقضة لمستقبل الأمة وجوهرها.

لدى كل من إسرائيل والإسرائيليين الكثير ليفخروا به. لكن هذا لا يعني أن يؤخذ وجود إسرائيل المادي وديمقراطيتها كأمر مفروغ منه. الفجوة بين تفوق إسرائيل في العلوم، الابتكار، التكنولوجيا العالية، الطب والفنون وعدم الكفاءة السياسية، القيادة المذلة والافتقار إلى الرؤية باتت واضحة جدا.

طبعاً من الممكن إصلاح هذا الانقسام من دون استبعاد أحد عنصريه، إلا أنه وفق المسار الحالي يأخذنا إلى مرحلة التفكك/الانحلال”.

(*) ترجمة بتصرف عن “هآرتس

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  "فلسطين تنتصر"، تجديد الخطاب الإعلامي