ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.
ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.
أخطر ما يجري اليوم ليس الجهل بحد ذاته، بل صناعته وتوظيفه سياسيًا. فباسم التفسير أو النقد، يجري أحيانًا تسويق سرديات مبسّطة تختزل تعقيدات التاريخ والحضارة في مقولات جاهزة، من بينها تصوير اليهود بوصفهم أصل الحضارة الغربية أو مركزها المهيمن. هذا الطرح، على جاذبيته الشعبوية، لا يصمد أمام أي تدقيق علمي، بل يعكس اختزالًا معرفيًا يعيد إنتاج أنماط تفكير إقصائية طالما ادّعى معارضتها.
في الحروب غير المتكافئة، يتبدّل تعريف القوة من كمٍّ صلب إلى قدرةٍ مرنة على إدارة الممكن. هنا تتقدّم المقاومة بوصفها بنية دفاعية تُصاغ على قياس الضرورة، حيث لا تملك فائض العتاد، ولا وفرة العدد، إنما تمتلك ما يكفي لصياغة أثرٍ مؤثّر داخل معادلة أكبر منها. هذا النمط من الفعل يجد جذوره في أدبيات الدراسات الإستراتيجية التي تتناول الحروب اللامتناظرة، حيث يُعاد تعريف النجاح عبر الاستنزاف، التعطيل، وإرباك الإيقاع العملياتي للخصم، بدل السعي إلى حسمٍ شامل.
يقول العالم الكيميائي والفيلسوف الفرنسي لافوازييه (1743-1794): "لا شيء يضيع، ولا شيء يُكتَسَب".. بمعنى آخر، لا شيء يذهب هباءً!
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نصّ اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، إثر الاجتماع الثلاثي الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي في وزارة الخارجية في واشنطن، كان بمثابة بداية تحوّل أساسي في تاريخ النزاع بين بيروت وتل أبيب. تحوّلٌ يُفترض أن يؤسس أو يطلق المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي بمواكبة واشنطن ورعايتها و«احتضانها». غير أنّ النقطة التي أثارت تحفظًا أو اعتراضًا لدى كثيرين، من دون أن يعني ذلك تعليق المفاوضات بسببها، تتعلق بما يمكن وصفه بغياب التوازن في الالتزامات بين الطرفين، لجهة الحقوق والقيود.
قال المحلل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار أيخنر إن قاعدة بنيامين نتنياهو الجماهيرية لا تحب وقف الحرب مع لبنان، ويتقاطع ذلك مع استطلاعات رأي أظهرت أن غالبية الجمهور الإسرائيلي يريد العودة للقتال على الجبهة اللبنانية و"حسم المعركة مع حزب الله"، على حد تعبير أيخنر.
لم يعد السؤال في لبنان إلى متى يصمد هدنة وقف إطلاق النار، بل ماذا سيليها. فالتجارب السابقة تُظهر أن الحروب هنا لا تنتهي مع الهدنة، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة رسم التوازنات وقواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، لا يقتصر البحث الجاري، سواء في إسلام آباد أو واشنطن، على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى دخول لبنان مرحلة سياسية جديدة، ستبقى مرتبطة بمآلات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
في كل مرة يفاجئنا اللبنانيون؛ فمنذ سنين وهم يعيشون لحظة الوقوف بين نفسٍ وآخر، وكأنهم يقولون: لنعش الآن لأننا لا نعرف إن كنا سنكون هنا بعد قليل. هكذا قال الأخوَان، وهما واقفان على أنقاض البناية التي كانت يومًا بيتهما، حيث تحدثا مع والدتهما بالصوت والصورة، وردت عليهما ككل الأمهات اللاتي يطمئنَّ أبناءهن: «أنا بخير.. إحنا بخير، ما تعتلوا هم». بعد لحظات جاءت الأخبار، ومعها الصور، ومن بينها بيتهم في ذلك المبنى، بل إنهم رأوا ما تبقى من بعض قطعه متدلية من الشرفة.
يقول كارل فون كلاوزفيتز، أحد أهم المفكرين الاستراتيجيين عبر التاريخ، في كتابه «عن الحرب»: يمكنك خلق الفوضى وزيادة وتيرتها في الحرب، لكنك لا تستطيع بالتأكيد التحكم في إيقاعها أو في ارتداداتها عليك؛ فكلما رفعت مستوى الفوضى، زدت منسوب عدم اليقين.
لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.