ثمة شيء بالغ الأهمية يحدث للإنسان، أكبر من الذكاء الاصطناعي، وأقدم من الهاتف الذكي، وأخطر من استبدال وظيفة بشرية بآلة. إننا ندخل طورًا تاريخيًا يتغير فيه معنى أن يكون الإنسان فاعلًا.
ثمة شيء بالغ الأهمية يحدث للإنسان، أكبر من الذكاء الاصطناعي، وأقدم من الهاتف الذكي، وأخطر من استبدال وظيفة بشرية بآلة. إننا ندخل طورًا تاريخيًا يتغير فيه معنى أن يكون الإنسان فاعلًا.
لم تعد المسألة في العلاقات المصرية ـ الصينية تتعلق فقط بزيادة حجم التجارة أو عدد المشروعات التي تنفذها الشركات الصينية في مصر. فالسؤال الذي طرحته زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الأول والثاني من سبتمبر/أيلول 2026 هو أكثر عمقاً: هل تنتقل العلاقة من نموذج ظلت فيه الصين مورداً رئيسياً للسلع والمعدات، وممولاً ومنفذاً لمشروعات البنية التحتية، إلى نموذج تصبح فيه شريكاً في الإنتاج داخل مصر، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية؟
لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما فيمن يختارها، ويرتبها، ويفسرها، ويحدد ما يستحق أن نراه وما يمكن تجاهله. فمع صعود الذكاء الاصطناعي، لم تعد التكنولوجيا تكتفي بتخزين المعرفة أو تسريع الوصول إليها، بل بدأت تؤدي دور الوسيط الذي يقترح الإجابة، ويختصر النقاش، ويقدم التحليل، وأحيانًا يسبق الإنسان إلى صياغة الرأي نفسه. هذا التحول التاريخي، بكل معنى الكلمة، يفرض سؤالًا يتجاوز التقنية: هل ما نشهده مجرد تطور في أدوات المعرفة، أم أننا أمام مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين الإنسان والتفكير نفسه؟
يشهد الشرق الأوسط اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها تحديات الأمن مع متطلبات التنمية، في وقت تتأثر فيه أوضاع المنطقة بصورة متزايدة بالتوازنات بين القوى الكبرى. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية تطور العلاقات الصينية–الأميركية على الطرفين، بل تمتد آثارها إلى البيئة الدولية التي تتحرك ضمنها دول الشرق الأوسط، وما توفره من فرص للسلام والاستقرار والتنمية.
هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم في مرحلة دقيقة؛ مرحلة نودّع فيها نظامًا دوليًا بسمات معينة، ونستقبل نظامًا دوليًا آخر أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوافرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة؛ عقول درست، خلال فترة معتبرة، المتغيرات الرئيسة التي أثرت وتؤثر في سير العلاقات بين القطبين، وأهمها، وفي صدارتها كما لاحظنا، الحرص الصيني الشديد على استمرار التمسك بسياسات وقرارات تضمن التمهل في اتخاذ خطوات نحو الاندماج في نظام قطبي جديد مؤهل لقيادة العالم.
لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟
عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.
حين أُعلن في أبو ظبي أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستغادر منظمة "أوبك" بعد نحو ستة عقود من العضوية، لم يكن الخبر مجرد تطور نفطي عابر في سوق اعتاد المفاجآت، بل بدا أشبه بإعلان سياسي ثقيل، يحمل في داخله ما هو أكبر بكثير من مسألة البراميل والأسعار. كان الأمر أقرب إلى لحظة فك ارتباط تاريخية بين دولة صاعدة وطموحها المتسارع، وبين منظمة بُنيت على منطق مختلف، في زمن مختلف، وبحسابات لم تعد كلها صالحة لعصر جديد.
يمكن لأي مراقب موضوعي أن يُلاحظ أن السلوك الإيراني في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية لا يبدو عشوائياً، بل يستند إلى تصور استراتيجي واضح يضع “عامل الوقت”، أي الاستنزاف، في موقع مركزي، باعتباره أداة يمكن أن تعادل أو تحدّ من أثر التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يمكن توصيف المواجهة بوصفها تفاعلاً بين نمطين: نمط يعتمد على التفوق التكنولوجي والسعي إلى الحسم السريع، وآخر يرتكز على الصمود طويل الأمد والاستنزاف التدريجي للخصم.
سجّلت الأسواق المالية في إسرائيل، في صباح الثالث من آذار/مارس 2026، مشهداً صادماً للمنطق التقليدي؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المؤشرات العالمية الكبرى تتراجع تحت وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بلغت بورصة تل أبيب أعلى مستوى تاريخي لها. ولم يكن هذا التباين تفصيلاً عابراً، بل عكس ديناميكية متجذّرة في سلوك السوق الإسرائيلية، حيث تتحوّل الحرب – على عكس ما هو مألوف عالمياً – إلى محفّز مالي بدل أن تكون عاملاً كابحاً.