ترامب في البر الإيراني.. الإقتداء بالنموذج الأوكراني!

يتأرجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين التفاوض أو التصعيد للخروج من المأزق الإيراني. هذا ما يعنيه تمديد المهلة المعطاة لقصف محطات الكهرباء الإيرانية حتى 6 نيسان/أبريل المقبل والاعتماد على الوسيط الباكستاني هذه المرة، للتواصل مع الإيرانيين، لكن مع المضي في حشد ما يربو على 17 ألف جندي من "المارينز" في المنطقة والبحث في سيناريوات محتملة للتدخل البري.

عاد ترامب إلى الديبلوماسية مع خطة تحمل 15 بنداً، ترقى إلى شروط استسلام، ومنبثقة عن سردية الانتصار التي يكررها الرئيس الأميركي عند كل ظهور له، ويقول إن النظام الإيراني قد تغير فعلاً، بعد تدمير أميركا وإسرائيل للقدرات الإيرانية النووية والصاروخية والبحرية وتصفيتهما لكبار القادة السياسيين والعسكريين في إيران. ولذا، لا مفر أمام القيادات الجديدة في طهران إلا أن تقتدي بالنموذج الفنزويلي.

تعليقاً على هذه السردية، يستشهد المعلق في صحيفة “الفايننشال تايمز” اللندنية إدوارد لوسي بمقولة ونستون تشرشل: “في زمن الحرب، تغدو الحقيقة ثمينة إلى درجة، أن حمايتها تحتاج إلى حراس من الأكاذيب”.

الواقع، يُخالف رواية ترامب عن حرب لم تسر كما كان مخططاً لها. إيران ما تزال بعد شهر من العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، تطلق الصواريخ على إسرائيل ودول الخليج العربية، وتهدد بخنق الاقتصاد العالمي بإغلاقها مضيق هرمز، متسببة بصدمة طاقة، تفوق ثلاث صدمات شهدها العالم عامي 1973 و1979 و2022، وتدفع بالاقتصادات نحو الركود إذا تأخر وقف النار، ناهيك عن أن النظام يبقي الغموض مسيطراً على مصير 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة. هل هذه الكمية مدفونة كلها تحت المنشآت النووية الثلاث، فوردو ونطنز وأصفهان التي قصفتها أميركا في حزيران/يونيو 2025، أم أن جزءاً منها سُحبَ قبل القصف إلى أماكن سرية؟

وفوق هذا وذاك، يقبض الحرس الثوري، بعد اغتيال المرشد علي خامنئي وأمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، على مفاصل القرارين السياسي والعسكري في البلاد. وإيران الحالية، هي أكثر تشدداً مما كانت في 27 شباط/فبراير الماضي. وبحسب تحقيق لـ”رويترز” الخميس الماضي، فإنه لا توجد خطة رسمية في إيران للسعي إلى القنبلة النووية، إلا أن أصواتاً مؤثرة داخل النظام، بدأت تُشكّك في السياسة الحالية (تحريم القنبلة) وتدعو إلى مراجعتها.

ويُترجم المتشددون الإيرانيون توجهاتهم من خلال الشروط المضادة التي يرفعها النظام في مواجهة شروط ترامب. هؤلاء يطالبون باتفاق سياسي شامل يضمن عدم تجدد الهجمات الأميركية والإسرائيلية، ويدخل في نطاقه حلفاء إيران في المنطقة ولا سيما حزب الله في لبنان. يصر المتشددون أيضاً على وجوب حصول إيران على تعويضات عن الدمار الذي لحق بها، وعلى فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، على غرار قناة السويس.

تراجع شعبية ترامب

لا شك في أن مضيق هرمز غيّر شكل الحرب ضد إيران، وصار هدفاً أول لترامب، بعدما تقاعس الحلفاء عن نجدته وأبلغوه بلغة تشبه لغته أن “هذه ليست حربنا”، ليتوعدهم قائلاً “لن تنسى لكم أميركا هذا الموقف”.. وبأنها “لن تهب لنجدتكم بعد الآن”. لكن ترامب نسي أمراً أساسياً عندما خرج في “نزهته القصيرة”، أن أميركا قلما خاضت حروباً من دون حلفاء وأن أميركا لم تربح حرباً برية منذ فييتنام حتى العراق مروراً بأفغانستان.

يطلب ترامب من مساعديه الآن، السعي إلى وقف الحرب في غضون أسابيع على الأكثر، ليحتوي تداعياتها على شعبيته المتراجعة. بحسب استطلاع لـ”رويترز” ومعهد “إيبسوس” فإن نسبة التأييد للرئيس الأميركي تراجعت إلى 36 في المئة، وهي الأدنى منذ عودته إلى البيت الأبيض. وهذه النسبة مرشحة للتراجع أكثر في حال ازدادت الخسائر البشرية الأميركية أو استطالت عملية “الغضب الملحمي”.

يدخل هذا الاعتبار، في صلب استراتيجية ترامب، الذي يتحدث عن المفاوضات، بينما يُهدّد بفتح أبواب الجحيم إذا لم توافق إيران على مطالبه. هذه المطالب وصفها السفير الأميركي السابق في إسرائيل دانيال كيرتزر بأنها “غير مجدية، لأنها تتطلب من إيران بشكل أساسي التخلي عن كل شيء”. ولم يفت كيرتزر القاء اللوم على ترامب لتهميشه الديبلوماسيين المحترفين ووضع ديبلوماسيته الشرق أوسطية بين يدي صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.

وهو في ذلك، يتفق مع جيك سوليفان، الذي تولى رئاسة مجلس الأمن القومي إبان ولاية جو بايدن، الذي أكد أن ويتكوف وكوشنر لم يفهما ما طرحه عليهما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في آخر جولة تفاوض في جنيف، وسارعا إلى إبلاغ ترامب بأن طهران متمسكة بتخصيب اليورانيوم.

في هذا الصدد، من المفيد الإشارة إلى تأكيد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الذي كان وسيطاً بين الطرفين في تلك الجولة من المفاوضات، بأن ما حمله عراقجي من اقتراحات إلى جنيف، كان يلبي إلى حد كبير الشرط الأميركي الأساسي وهو التعهد بعدم سعي إيران إلى صنع القنبلة. وهذا ما يفسر خيبة الأمل الكبيرة لدى البوسعيدي الذي علق على إعلان الحرب قائلاً: “يجب على العالم أن يساعد أميركا، لأنها فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”، غامزاً بذلك من قناة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بدأت أصوات كثيرة داخل الولايات المتحدة، تتحدث همساً أو علناً عن أنه جرّ ترامب إلى المستنقع الإيراني. وهذا ما أكد عليه رئيس مكتب مكافحة الإرهاب جو كينت في كتاب استقالته، وما يُركز عليه الإعلامي الأميركي المشهور تاكر كارلسون.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": ما بعد وقف الحرب.. كيف سيتصرف ترامب مع نتنياهو؟

وبرغم الشكوك التي بدأت تحيط بتسرع ويتكوف وكوشنر في الحكم على المقترحات الإيرانية في جنيف، فإنهما ما يزالان يحظيان بثقة ترامب. وعندما أصرت إيران على أن يكون نائب الرئيس جي. دي. فانس، هو المحاور في المفاوضات المقبلة المحتملة، لجأ ترامب إلى إضافة فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف عنه أنه من “صقور إيران” في البيت الأبيض، إلى عداد المسؤولين الذين يعملون على الملف الإيراني. لكن ضم فانس إلى المعنيين بالملف الإيراني، يواجه بتحفظ إسرائيلي، لأنه لم يكن يوماً من مؤيدي الخيار العسكري.

حسابات الخيار البري

من الواضح أن ترامب لا يتكل على الديبلوماسية وحدها، بل يُلوّح للإيرانيين بخيارات قصوى تشمل كما بات معروفاً، احتلال جزيرة خرج، التي يُصدّر منها 90 في المئة من النفط الإيراني، وذلك للضغط على النظام كي يفتح مضيق هرمز. التصعيد الأميركي البري قد يتضمن احتلال الجز المتنازع عليها بين إيران والامارات وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وذلك في محاولة لاستدراج الخليجيين إلى العمل البري، كما يُمكن أن يشمل احتلال مواقع إيرانية أخرى بينها إقامة رأس جسر في بندر عباس الذي يُعتبر من أكبر موانىء إيران، أو السيطرة على الشواطىء المُطلة على المضيق، أو حتى تنفيذ إنزال للسيطرة على كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة. ويُزيّن السيناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام لترامب، بأن الإنزال في جزيرة خرج، سيكون مشابهاً للإنزال الأميركي في جزيرة فيوجيما اليابانية الاستراتيجية، إبّان الحرب العالمية الثانية، والتي كانت فاتحة لسلسلة هزائم للجيش الياباني. لكن القوات الأميركية تكبّدت ستة آلاف قتيل للاستيلاء على فيوجيما.

إن اللجوء إلى الخيار البري، قد يشكل بداية لتورط في نزاع يستمر سنوات، ولن يلبث ترامب أن يجد نفسه في موقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اعتقد أن الحرب على أوكرانيا لن تستمر أكثر من ثلاثة أيام، فإذا بها تستهلك أربعة أعوام ونيف وتتحول إلى حرب استنزاف. ولطالما، انتقد ترامب سلفه جيمي كارتر على مغامرة 1980 البرية، فإذا به على وشك تكرارها.

لا شيء يمنع تحول الحرب على إيران إلى “النموذج الأوكراني”، بعد سقوط “النموذج الفنزويلي”. ويقول الأستاذ في جامعة جنوب كاليفورنيا غريغوري تريفرتون لمجلة “نيوزويك” الأميركية، إن الإيرانيين “يُسيطرون حقاً على الحرب. وهذه حربهم التي يجب أن تنتهي عندما يريدون ذلك، وليست حربنا التي يجب أن ننتصر فيها عندما نريد”. وتنقل المجلة عن الأستاذ في جامعة ياسوج بطهران علي باقري دولت آبادي: “يبدو أن القضاء على القيادة والقادة الرئيسيين شجّع الجهات الفاعلة الرئيسية، وخصوصاً الحرس الثوري الإيراني، على الثبات بدلاً من الاستسلام”. ويتساءل المدير السابق لملف إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي نيت سوانسون: “لا أرى كيف ستُغير جزيرة خرج أو عملية مماثلة الحسابات الإيرانية أو مسار الحرب”. وحذّر من أن “رد الفعل الأرجح سيكون انتقاماً إيرانياً كبيراً آخر”. وفعلاً، تُهدّد إيران برد يشمل تحريك جبهة “أنصار الله” في اليمن بهدف إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة، مما يُشدّد الخناق أكثر فأكثر على الاقتصاد العالمي.

ذهب ترامب إلى إيران على أساس قدرته على إحداث تغيير في إيران في غضون 72 ساعة. والواضح، أنه لم يكن يملك خطة “ب”. وسواء نفذ المناورة البرية أو اعتمد الخيار الديبلوماسي، فإنه من غير المضمون أن يتمكن من الخروج باتفاق مع إيران أفضل مما كان معروضاً عليه قبل الحرب المستمرة.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": ما بعد وقف الحرب.. كيف سيتصرف ترامب مع نتنياهو؟