في الأيام التي تلت اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير الجاري، هناك سؤالٌ محيّرٌ لا يحظى بإجابة شافية حتى الآن: لماذا اكتفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحييد رأس النظام فقط، وأبقى على النظام نفسه؟
في الأيام التي تلت اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير الجاري، هناك سؤالٌ محيّرٌ لا يحظى بإجابة شافية حتى الآن: لماذا اكتفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحييد رأس النظام فقط، وأبقى على النظام نفسه؟
الاجتماع الديني الشيعي ـ والنظام السياسي الذي يفرزه ـ ليس مجرد انتماء مذهبي كأي انتماء ديني أو مذهبي آخر، بل هو منظومة قيمية ومعرفية وإيديولوجية وتنظيمية متكاملة، أنتجت عبر قرون من الزمن مؤسساتها ورموزها ونخبها وآليات حمايتها الذاتية. أي أن النظام في إيران معجون بهذا الاجتماع، ويستحيل الفصل بينهما، إلا إذا حصل تفكيك شامل للبنية الاجتماعية الدينية الشيعية ذاتها، وهو تفكيك لم تتمكن دول وقوى كبرى في التاريخ من تحقيقه؛ ليس أولها الدولة العباسية، وليس آخرها الولايات المتحدة الأميركية.
لم يكن خطف أو اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثًا استثنائيًا أو انزلاقًا عابرًا في الخطاب السياسي الأميركي، بل استعادة صريحة لمنطق تاريخي حكم ويحكم علاقة واشنطن بأميركا اللاتينية منذ أكثر من قرن.
في مؤتمره الصحفي الذي أعقب عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (السبت)، لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتبرير العملية من زاوية أمنية أو سياسية، بل لجأ إلى استدعاء التاريخ، معلناً ما وصفه بـتحديث ما يُعرف بــ"عقيدة مونرو"، ومطلقاً عليه تسميته الخاصة "عقيدة دونرو"(*). هذا الاستخدام للغة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل إطاراً سياسياً واستراتيجياً لعملية غير مسبوقة، أعادت طرح أسئلة قديمة-جديدة حول حدود النفوذ والهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية (وفي العالم أجمع)، والفارق بين النجاح التكتيكي السريع والكلفة الاستراتيجية طويلة الأمد.
يمهّد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لتغييرات محتملة مع تحديات سياسية وأمنية معقدة في نصف الكرة الغربي، لا سيما في فنزويلا وكوبا والبرازيل والكاريبي. فبينما يترقب العالم مدى تعاون نائبة الرئيس ديليسي رودريغيز مع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويسعى البيت الأبيض للسيطرة على النفط والهجرة غير الشرعية، يظلُّ السؤال الأكبر: هل سيقود تدخل الولايات المتحدة إلى تغييرات حقيقية في المنطقة أم سيكشف حدود قوتها ويعيد رسم موازين النفوذ بطريقة غير متوقعة، بحسب ويل فريمان (*) في "فورين أفيرز".
لم تعد التحوّلات الجارية في المنطقة تُقاس بمنطق الأزمات، بل بمنطق الدول القادرة على الصمود وإعادة التموضع. ففي مرحلة سياسية دولية تعود فيها القوّة معيارًا حاسمًا في العلاقات الدولية، بات واضحًا أن الدول التي لا تحسم خياراتها الداخلية، ولا تمتلك قرارها السيادي، تُوضع تلقائيًا على هامش المعادلة أو تتحوّل إلى ساحة للصراع على ميزان القوى.
في أيامه الأخيرة في قصر نياوران، شمالي طهران، كان الشاه يسمع شعارات معارضيه الداعية بالموت له، كان يسمعها بأذنه. "مرگ بر شاه، مرگ بر شاه!"
يستنتج المحرر السياسي والعسكري الإسرائيلي رون بن يشاي في مقالة له في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الاضطرابات والاحتجاجات المعيشية في إيران لا تهدّد النظام في هذه المرحلة الزمنية، ويُشير إلى أنه، حتى الآن، "لا تلوح في الأفق أيّ مواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة". وهذا النص الحرفي لمقالته كما ترجمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية:
جاءت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كوميضٍ عملياتي كثيف، حركة خاطفة تُدار على إيقاع ثوانٍ محسوبة، انتقالٌ سريع من الرصد إلى الإمساك، ومن الإمساك إلى الإخراج، ضمن سلسلة محكمة تُشبه سباق نقاط على شاشة رقمية.
لا يُمكن قراءة الحدث الفنزويلي المتمثل باختطاف رئيس دولة من غرفة نومه مع زوجته واقتياده إلى أحد سجون نيويورك بوصفه حدثًا محليًا ولا يُمكن قراءة الحرب في أوكرانيا بوصفها حدثًا قائمًا بذاته، ولا حتى كصراع إقليمي بين روسيا والغرب. ما يجري، في جوهره، هو مرحلة ضمن عملية إعادة ترتيب شاملة لمسرح الصراع الدولي، حيث تُغلق جبهة لتُفتح أخرى، وتُخفّض كلفة الاشتباك في ساحة، تمهيدًا لنقل الثقل إلى ساحة أخطر وأكثر حساسية.