انفجار الصراع على النفوذ.. من حضرموت إلى بيروت وطهران!

تنفتح سنة 2026 على مشهد فوضوي كبير في الشرق الأوسط. مصير الخطة الأميركية في غزة غير محسوم؛ التهديدات الإسرائيلية للبنان مستمرة؛ التناقض السعودي الإماراتي يُهدّد الوضع اليمني وساحات أخرى؛ الإحتجاجات الداخلية تكبر في إيران ويكبر معها التهديد الأميركي والإسرائيلي بالاستهداف العسكري. وبينما يستعصي الحل في السودان، تقتحم إسرائيل القرن الإفريقي عبر الاعتراف بـ"أرض الصومال" دولة مستقلة. ولا يزال النظام الجديد في سوريا يكافح لتثبيت حكمه على كفة الصراع المحتدم بين تركيا وإسرائيل ومطالبة الأقليات الكردية والعلوية والدرزية بنظام فيديرالي. 

من الصعب تلمس خيط واحد يربط بين الأحداث المتسارعة، لكنها بمجموعها تؤشر إلى مرحلة من الإضطرابات تجعل المنطقة، أبعد ما تكون عن الاستقرار، لا بل أكثر عرضة للمواجهات ولمنطق صراع المحاور والأحلاف، منها الجديد ومنها القديم.

باب المندب، الذي أثبتت أهميته الحرب الإسرائيلية على غزة، بعدما تمكن الحوثيون من إقفاله أمام نسبة كبيرة من التجارة العالمية، دفع إسرائيل إلى “أرض الصومال”، غير البعيدة عن اليمن. وفي الوقت نفسه، ينفجر الصراع في اليمن بين مجلس انتقالي لا يُخفي طموحاته للعودة إلى حدود دولة اليمن الجنوبي سابقاً، وبين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. هل جاء الانفجار ليعكس توتراً سعودياً-إماراتياً يشكل امتداداً لخلافات البلدين على السودان وسوريا، وفق ما كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أم أن اليمنيين الجنوبيين رأوا أن الفرصة سانحة لهم اليوم لإعلان الاستقلال، الذي خاضوا من أجله حرباً عام 1994؟

عند إمعان النظر في القرار الإسرائيلي القاضي بالاعتراف بـ”أرض الصومال” دولة مستقلة، يتبين أن غايته أيضاً ليس الاقتراب من اليمن “الحوثي” فحسب، بل تطويق النفوذ التركي في أفريقيا أيضاً. تركيا تمتلك في الصومال أكبر قاعدة عسكرية خارج الأراضي التركية. والصراع على النفوذ بين إسرائيل وتركيا، تغذى من حرب غزة وارتفع خطه البياني بعد إمساك أنقرة بـ”سوريا الجديدة” برئاسة أحمد الشرع.

وسبق لإسرائيل أن رسمت بالنار خطوطاً حمراء أمام تركيا في سوريا. وبنيامين نتنياهو كرّر أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فلوريدا قبيل ساعات من بدء السنة الجديدة، أن شرط الاتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع، يمر بدور إسرائيلي لحماية الأقليات في سوريا، وخصوصاً الدروز. أتي كلام نتنياهو بالتزامن مع اندلاع تظاهرات الساحل السوري المطالبة بالفيديرالية وارتفاع أصوات أبرزها لحكمت الهجري، أحد كبار مشايخ الطائفة الدرزية في السويداء، الذي دعا إلى إنشاء كيان درزي مستقل، وقال “إننا نرى أنفسنا جزءاً من إسرائيل”. وضم نتنياهو في خطابه الأميركي، الطوائف المسيحية في سوريا إلى لائحة الأقليات التي تريد إسرائيل حمايتها، في تناغم واضح مع إقدام ترامب على قصف مواقع في نيجيريا بذريعة حماية مسيحييها مما سماه الإضطهاد الذي يتعرضون له، بينما الغاية هي إرضاء جماعات من الإنجيليين في الولايات المتحدة.

وما يؤكد الطابع السياسي لمزاعم نتنياهو وترامب، هو تجاهلهما الأسباب التي تدفع بمسيحيي فلسطين التاريخية إلى التناقص، إلى حدود الاقتلاع!

ليست تركيا وحدها المقصودة بذهاب نتنياهو إلى “أرض الصومال”. فالأخير لا يخفي انزعاجه من استراتيجية ترامب، التي تقيم توازناً في السياسة الأميركية، بحيث لم تعد إسرائيل وحدها ركيزة هذه السياسة، بل ثمة توجه موازٍ نحو السعودية، تُرجم في اتفاقات دفاعية ومبيعات أسلحة متطورة وبرامج في الذكاء الإصطناعي، واستثمارات سعودية في أميركا بتريليون دولار. وفوق ذلك، فقد ترامب الاهتمام بضم السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية، بينما يشترط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للانضمام إلى هذه الاتفاقات “مساراً موثوقاً يوصل إلى قيام دولة فلسطينية”.

في المقابل، يضغط نتنياهو في اتجاه معاكس، عبر تنكب أدوار جديدة في المنطقة. ومنها القفز إلى “أرض الصومال”، في ترجمة فعلية لقوله إن إسرائيل “خرجت من الحرب على الجبهات السبع، أقوى دولة في المنطقة”. وتطويقه لتركيا، لا يقتصر على سوريا والقرن الإفريقي. هناك تعزيز العلاقات الإسرائيلية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً مع الدولتين الهلينيتين، اليونان وقبرص، بما يكاد يرقى إلى تحالف غير معلن.

ساعة الصفر في الشرق الأوسط

ووسط تراجع الاهتمام الدولي بالخطة الأميركية لغزة وكثافة التطورات في اليمن والقرن الإفريقي، تنفجر في إيران احتجاجات، بعضها على خلفية مطلبية وبعضها الآخر، يطالب بإسقاط النظام. وإذ بترامب يُهدّد بالتدخل إذا سقط ضحايا على أيدي قوات الأمن الإيرانية، وها هو في الساعات الأخيرة يُطالب من أسماهم “الوطنيين الإيرانيين” إلى مواصلة الاحتجاجات والسيطرة على مؤسسات البلاد إن أمكنهم ذلك، كما دعاهم إلى تسجيل “أسماء القتلة والمعتدين على الناس”، وترافق ذلك مع تسريبات عن بدء العد العكسي لتوجية ضربة أميركية جديدة لمراكز القرار والسيطرة وبعض المؤسسات والمنشآت في إيران.

ولا أحد يستطيع تجاهل البعد المطلبي في حركة الشارع الإيراني. فقد بدأت احتجاجات إيران مطلبية، على خلفية التدهور المعيشي المتواصل للناس. الريال فقد نسبة 40 في المئة من قيمته منذ الحرب الإسرائيلية-الأميركية في حزيران/يونيو 2025، إلى مستويات قياسية في مقابل الدولار الأميركي. وتُقدّر مجلة “الإيكونوميست” البريطانية أن متوسط دخل الفرد يومياً في إيران لا يتجاوز الدولارين. أضف إلى ذلك، الجفاف الذي فرض تقنيناً في الكهرباء ما يزال مستمراً.

هذا الوضع الاقتصادي الخانق، مرتبط إلى حد كبير بالجمود السياسي الذي تلا حرب حزيران/يونيو. وكتب السفير الأميركي السابق دانيال كيرتزر والمحلل في معهد كارنيغي للسلام الدولي آرون ديفيد ميلر في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، أنه “من المستحيل معرفة كيف تريد طهران، التي تركز على الحفاظ على النظام وتواجه ضغوطاً كبيرة ليس أقلها النقص الحاد في المياه، أن تلعب دورها في السنوات المقبلة”.

إقرأ على موقع 180  لبنان والجزائر.. من الفينيقيين إلى مصابيح الكهرباء والرئاسة!

وتلاحظ “الإيكونوميست” أن “حركة الاحتجاجات غير منظمة وبلا قيادة، وبأنه لا توجد علامات على انشقاقات داخل النظام. وهذا يدل على أن الاضطرابات الحالية يمكن قمعها، على نحو مشابه لما حدث في جولات سابقة”. لكن المجلة تلفت النظر إلى أنه يجب التوقف عند تحذير ترامب، من اللجوء إلى قمع المحتجين. ذلك، أنه سبق للرئيس الأميركي أن اغتال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني في ختام ولايته الأولى، وقصف المنشآت النووية الإيرانية في مطلع ولايته الثانية.

تحذير ترامب، جاء بعد قمة فلوريدا مع نتنياهو الذي سعى إلى الحصول على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي لتوجيه ضربة جديدة لإيران، بعد تقارير عن استعادتها لقدراتها الصاروخية، وحسب التسريبات التي تلت اللقاء، طلب ترامب من نتنياهو الانضباط على قاعدة أن ملف إيران هو أميركي بالدرجة الأولى. ولذلك، من غير الممكن التنبؤ بنيات ترامب، خصوصاً أن الحكومة الإيرانية لا تستجيب لدعوته إلى طاولة المفاوضات لإبرام اتفاق نووي جديد، وتصر على الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم في أي اتفاق مقبل، كما ترفض تقييد برنامجها الصاروخي بمديات محددة.

أحداث تجري بسرعة يصعب معها تبيان الخطوط الواضحة في ما بينها. صحيفة “النيويورك تايمز” الأميركية، نشرت الشهر الماضي تحقيقاً مطولاً بعنوان “إنها ساعة الصفر بالنسبة للشرق الأوسط”، وتخلص فيه إلى أنه “نظراً للكراهية الكبيرة الموجودة في أنحاء المنطقة، فإن أي حجة عقلانية يمكنها أن تستنتج بأن الفجر التاريخي للسلام، الذي أعلنه ترامب في أنحاء المنطقة، سيولد ميتاً، مثل الكثير من المحاولات لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وغيره من الصراعات”.

لكن الواضح أن خيطاً رفيعاً يجمع بين الأحداث من فنزويلا إلى طهران مروراً بعواصم الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. من محاولة تحرير نفط فنزويلا إلى تهديد النفط الذي تستحوذه الصين من إيران بأسعار زهيدة. من حسم معركة حضرموت إلى ظاهرة “أبو عمر” في بيروت. من ارتفاع النبرة التفتيتية في السويداء والساحل السوري إلى “خطاب الطمأنة” الموجه من نتنياهو إلى المسيحيين في الشرق الأوسط. من اعتبار تركيا تهديداً جدياً لإسرائيل في الإعلام ومؤسسات التفكير والأبحاث في إسرائيل إلى القمة الثلاثية التي جمعت قادة إسرائيل وقبرص واليونان مؤخراً وكان خطابها موجهاً ضد أطماع تركيا العثمانية!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  زمن التحولات الكبرى.. دور حاسم للمحور الأوراسي (3)