بين العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا التي خطفت رئيسها نيكولاس مادورو وثروتها النفطية وحقّقت حلم ترامب بالحصول على جائزة نوبل، ولو مواربة من زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، وبين تصعيد غير مسبوق للحصول على جزيرة غرينلاند من الدانمارك، سلماً أو حرباً، ولو حساب تفكك حلف شمال الأطلسي “الناتو”، طوّر الرئيس الأميركي فكرة “مجلس السلام” الذي نصت عليه خطته لغزة في أيلول/سبتمبر الماضي، لتكون نواة نادٍ عالمي برئاسته، كهيئة موازية أو بديلة، لا فرق، للتعامل مع كل النزاعات العالمية، وفق ما جاء في ميثاق المجلس الذي كشف عنه الأسبوع الماضي. والمفارقة الكبرى أن المجلس المكون من ثلاث فروع، لا يضم أي فلسطيني، وعلى الأرجح سيحرف اهتمامات العالم عن غزة.
فصّل ترامب “مجلس السلام” الآنف الذكر على مقاسه. هو الذي يُوجّه الدعوات إلى من يشاء من قادة العالم للانضمام إليه. وحدّد شرط العضوية الدائمة بمليار دولار، بينما العضوية المؤقتة المحددة بثلاث سنوات فإن قرار تجديدها عائد له وحده. لا شريك له في حق “الفيتو” على أي قرار، ويحتاج التغلب على “الفيتو” الأميركي إلى تصويت ثلثي الأعضاء.
الهاجس الذي يؤرق الأوروبيين الآن، هو أن يحيل ترامب النزاع الروسي-الأوكراني إلى “مجلس السلام” الذي لم يستثنِ بوتين من الدعوة للإنضمام إليه، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقاسم أوروبا بين أميركا وروسيا
لم تقل صدمة الأوروبيين بالمهام الجديدة لـ”مجلس السلام”، عن صدمات أخرى تلقوها منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبل سنة، من الخلاف على تودده مجاناً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتنازل عن شرق أوكرانيا في مقابل انهاء الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الزيادات الهائلة في التعريفات الجمركية، إلى التحذير الذي ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي نصّت بفجاجة على أن “أوروبا مهددة بالمحو” بسبب سياسات الهجرة، وبأنها لن تعود حليفاً مجدياً في المستقبل.
ويذهب ترامب أبعد في الاستفزاز، عندما يُشكّك في قدرة الدانمارك أو أعضاء آخرين في حلف شمال الأطلسي، على التصدي للنفوذ الصيني في القطب الشمالي. وهو يأخذ في الاعتبار أن ذوبان الجليد المستمر في المنطقة مستقبلاً، سيجعلها مفتوحة أمام الملاحة الدولية. وعلى سبيل المثال، وصلت ناقلة حاويات صينية للمرة الأولى إلى ميناء فيليكستو البريطاني في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من طريق خط عابر للقطب الشمالي، في مدة 20 يوماً فقط، بينما الرحلات التجارية الجنوبية بين آسيا وأوروبا، تحتاج إلى ضعف هذه المدة.
غرينلاند، التي يخلط ترامب أحياناً بينها وبين آيسلندا، ليست سوى رأس جبل الجليد في الخلافات المتمادية بين الولايات المتحدة وأوروبا. وجاء “مجلس السلام” ليباعد أكثر بين ضفتي “الأطلسي”. وعلى افتراض أن المفاوضات الجارية مع الدانمارك وحكومة غرينلاند و”الناتو”، قد توصلت إلى صيغة ترضي شغف ترامب بالجزيرة، التي يدعي بغير وجه حق بأنها كانت تابعة لأميركا في الماضي، فإن إصلاح ذات البين مع أوروبا بات أكثر صعوبة، وفرض على الأوروبيين أكثر من أي وقت مضى التفكير الجدي، بأن الوقت قد حان للطلاق مع أميركا على رغم الكلفة الباهظة لهذا الطلاق.
هنا، تصل مجلة “الإيكونوميست” البريطانية إلى خلاصة مفادها، أن نظرة ترامب “الضيقة والمتشائمة للعالم واستعداده لإعادة كتابة التاريخ، قد أديا إلى تآكل الثقة التي كانت تدعم تحالفات أميركا”.
وفي المرات النادرة التي وقف الأوروبيون صفاً واحداً في مواجهة ترامب، كان يضطر إلى التراجع، على غرار ما حصل في الرسوم الجمركية. وعلى رغم أن أميركا تقوم بأعباء نحو 40 في المئة من نفقات حلف الأطلسي، ويمننها وزير الخزانة سكوت بيسينت بانفاق أميركا 22 تريليون دولار على الدفاع منذ 1980، فإن الإدارة الأميركية تتجاهل ما قدّمته أوروبا لأميركا أيضاً. وتفيد الإحصاءات بأن عدد القتلى من الجنود الدانماركيين في أفغانستان، فاق عدد القتلى الأميركيين، قياساً على عدد سكان البلدين. كما أن دور أوروبا كان رئيسياً إبان الحرب الباردة، ولم تتخلَ عن الخدمة الإلزامية وتخفض الانفاق العسكري إلا بعد انتهاء هذه الحرب التي توّجت الولايات المتحدة زعيمة وحيدة للعالم.
هذا الحذر الأوروبي انعكس على دعوة ترامب إلى تشكيل ما أسماه “مجلس السلام”، لذا كان موقف العواصم الأوروبية يتراوح بين الترحيب الحذر والرفض المحسوب مخافة أن يؤدي المجلس إلى تفكيك العمل الجماعي الأوروبي وحتى الأمم المتحدة، لا بل إعادة هندسة النظام الدولي على مقاس الرؤية الترامبية الأحادية.
و”مجلس السلام” المُعلن، يعد ثمرة من ثمار الزعامة الأميركية للعالم. ويريد ترامب استثمار هذه الزعامة حتى الثمالة. ولم يعد المجلس محصوراً بالإشراف على إعادة إعمار غزة، بل “سيضطلع بالكثير من العمل الذي كان يتعين على الأمم المتحدة أن تقوم به”، على حد وصف ترامب.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية عن دبلوماسي بريطاني سابق قوله إن هذا عبارة عن “منتجع مارالاغو عالمي.. هذا هو بالضبط نوع العالم الذي يريده ترامب، حيث يأتي الجميع إلى ناديه للحصول على بعض الفتات من طاولة الرجل العظيم”. واتفقت مجلة “الأتلانتيك” الأميركية مع هذا الرأي عندما وصفت المجلس بأنه أشبه بـ”نادي الغولف” الذي يمارس فيه ترامب رياضته مع نخبة من رجال الأعمال الذين يتعامل معهم.
وحدهما، رئيس الوزراء السلوفيني روبرت غولوب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من بين القادة الأجانب، اللذان أعلن رفضاً صريحاً لدعوة ترامب للانضمام إلى المجلس، لأنه “يتدخل بشكل خطير في النظام الدولي الأوسع”. وباستثناء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، صديق ترامب، فإن أياً من قادة أوروبا الرئيسيين، لم يعلن موقفاً واضحاً. وعندما تساءل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن جدوى المجلس، هدّده ترامب بفرض زيادة 200 في المئة على صادرات فرنسا من النبيذ والشمبانيا إلى الولايات المتحدة.
والهاجس الذي يؤرق الأوروبيين الآن، هو أن يحيل ترامب النزاع الروسي-الأوكراني إلى “مجلس السلام” الذي لم يستثنِ بوتين من الدعوة للإنضمام إليه، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقاسم أوروبا بين أميركا وروسيا.
في الخلاصة، يتصرف ترامب على قاعدة أن نظاماً دولياً أنتجته الحربان الأولى والثانية قد انتهى بكل هياكله ومؤسساته وأهدافه وما على العالم إلا أن يُحدّد موعد دفنه.. وبالتالي ثمة نظام جديد قيد الولادة تطمح الولايات المتحدة لأن تكون وحدها من يُقرّر وجهته وتوازناته.. وفق قاعدة “السلام بالقوة” التي يُردّدها ترامب دائماً.
