الانتخابات إذا أخافت نتنياهو.. هل تكون الفوضى السياسية هي البديل؟

بعد آخر استطلاع لصحيفة «معاريف»، يوم الخميس الفائت، وعلى بُعد بضعة أشهر من انتخابات الكنيست المقررة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تبيّن لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن عدد النواب الذي ستحصل عليه قائمة حزب «الليكود»، وفقًا للاستطلاع المذكور ولاستطلاعات سابقة، لا يُمكّنه من توفير ائتلاف قادر على تشكيل الحكومة المقبلة، وهذا يعني أن خوض الانتخابات على هذا النحو لا يخدم طموحه في البقاء على رأس الحكومة المقبلة.

لا يقتصر هذا الأمر على رئيس الحكومة وحده، بل ينسحب أيضًا على الأحزاب الدينية، مثل حزب «عوتسما يهوديت» (قوة يهودية) برئاسة الوزير إيتمار بن غفير، وحزب «الصهيونية الدينية» برئاسة الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي تشير أغلب استطلاعات الرأي إلى عدم قدرته على تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%. وينسحب الأمر كذلك على الأحزاب الحريدية، إذ تعتبر هذه القوى أن فرصة العودة إلى الحكومة غير ممكنة إلا مع نتنياهو، ولا سيما بعد ابتعادها كثيرًا عن أحزاب المعارضة، حتى تلك المتموضعة في أقصى اليمين، مثل حزب «بينت 2026» بقيادة رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينت.

وثمة من يتوقع أن ترفض هذه الأحزاب المتطرفة نتائج الانتخابات إذا لم تأتِ في مصلحتها، وهؤلاء أنفسهم لا يعترفون اليوم بالمحكمة العليا، ولا برئيس المحكمة، ولا بالمستشارة القضائية للحكومة وتوصياتها، ويعملون منذ الأيام الأولى لتشكيل الحكومة الحالية عام 2022 على تنفيذ انقلاب قضائي يهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا لمصلحة السلطة التنفيذية؛ وبالتالي، فإن احتمال إقدام هؤلاء على اجتياح الكنيست، على غرار ما فعله أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إثر خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2021 باجتياحهم مبنى الكابيتول في واشنطن، بات واردًا بقوة، ولا سيما بعد تجاوز الحكومة الإسرائيلية الكثير من القواعد والأعراف الدستورية خلال السنتين الأخيرتين.

قد يجد «بيبي» ضالته في الحروب أو في استجلاب مزيد من المهاجرين، غير أن المؤشرات تدل على أن الشارع الإسرائيلي قد يلفظه هذه المرة وإلى الأبد. كما أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على احتواء مغامراته، في وقت تسعى فيه إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط ضمن معركتها الاستراتيجية مع الصين، وهي غير مضطرة للغرق مجددًا في وحل حروب خبرتها سابقًا في أفغانستان والعراق

وقد أشار استطلاع «معاريف» إلى أن قائمة «الليكود» تحتل المرتبة الأولى بين القوائم المنافسة بـ27 مقعدًا، تليها قائمة نفتالي بينت بـ22 مقعدًا، غير أن الأولى لن تحظى بائتلاف يتجاوز 50 عضو كنيست، أي أنها ما زالت بحاجة إلى عشرة نواب لنيل الأغلبية المطلقة (61 نائبًا) من أصل 120 عضوًا. وفي المقابل، لا يستطيع بينت أيضًا تأمين ائتلاف يتجاوز 57 عضوًا، لكنه يحتاج إلى أربعة نواب فقط لتجاوز العدد المطلوب لتشكيل الحكومة المقبلة، ما يعني أن حظوظه في الوصول إلى رئاسة الحكومة تفوق حظوظ نتنياهو.

وفي ظل هذه الأرقام التي لم تتغير كثيرًا على مدار العام الماضي، والتي لا تطمئن حزب «الليكود»، يقول ران أدليست في «معاريف»: «قبل بضعة أشهر، قرّرت الحكومة تخصيص نحو 100 مليون شيكل لجلب قرابة 1200 شخص من أبناء طائفة بني منشيه الهندية (وهي طائفة يهودية موجودة في الهند وبنغلاديش وميانمار)». ويضيف: «كانت الهجرة إلى إسرائيل وما زالت مصدر دعم لليهود، وخصوصًا في مثل هذه الأيام، ومن المفترض أيضًا أن تشكّل إضافة مهمة إلى حاجات دولة نامية، ولا سيما دولة توقّف تطورها، وهي بحاجة إلى كوادر بشرية في القطاعات المدنية والعسكرية. غير أن المبادرة الحالية تهدف، من بين أمور أخرى، إلى دعم البنية الانتخابية للحكومة عبر جلب مهاجرين، وفق نموذج الماضي، على غرار ما فعلته حكومة حزب الماباي (السلف التاريخي لحزب العمل) عندما جلبت اليهود المغاربة».

وهنا يُطرح السؤال: ماذا سيفعل نتنياهو إذا بقيت أرقام الاستطلاعات على حالها؟ هل سيلجأ إلى إشعال حرب جديدة على إحدى الجبهات التي لا تزال مشرّعة أمام طموحاته، أم يعمل على تعطيل استحقاق الانتخابات؟

لو تُرك الأمر لزعيم «الليكود»، لما تأخر يومًا واحدًا عن شن حرب على هذه الجبهة أو تلك، علمًا أنه لا يزال متمسكًا بمبدأ «حرية الحركة» أو «السماء المفتوحة»، المعروف أيضًا بـ«التعقّب الساخن»، في كل من لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية. وباتت «كريات غات» (مقر تنسيق القيادة المركزية الأميركية – سنتكوم – المكلّفة الإشراف على تنفيذ اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة) شبيهة بلجنة «الميكانيزم» التي تتولى المهمة نفسها في لبنان، من دون قدرة فعلية على وقف الاعتداءات الإسرائيلية. وقد تجاوز عدد الشهداء في غزة منذ اعلان الاتفاق حتى اليوم أكثر من 600 شهيد خلال أقل من 115 يومًا، أي بمعدل يتراوح بين خمسة وستة شهداء يوميًا.

وربما تكون الجبهة الأكثر ترجيحًا اليوم لدى نتنياهو لتنفيذ مآربه هي إيران أو لبنان. لذلك، تسعى حكومته إلى عرقلة أي عودة إلى التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يدعو فيه معظم دول العالم واشنطن إلى التفاوض مع طهران وعدم خوض حرب غير مضمونة النتائج، قد تهدد المنطقة بحرب إقليمية.

وثمة من يرى داخل الكيان أن نتنياهو قد يلجأ إلى شن حرب واسعة على لبنان، في ظل رفض «حزب الله» نزع سلاحه من شمال نهر الليطاني، وإصراره على أن قرار مجلس الأمن 1701، واتفاق وقف الاعتداءات الإسرائيلية المعلن في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لا ينصّان على نزع السلاح شمال النهر. ويُعزّز هذه الفرضية صدور توصيات عن مركز أبحاث وازن في القدس، هو «معهد القدس للاستراتيجية والأمن»، تدعو إلى إضعاف الحزب عبر شن حرب واسعة على لبنان.

إقرأ على موقع 180  "محور الشر التكنولوجي".. شريك إسرائيل في مذبحة غزة

في الختام، قد يجد «بيبي» ضالته في الحروب أو في استجلاب مزيد من المهاجرين، غير أن المؤشرات تدل على أن الشارع الإسرائيلي قد يلفظه هذه المرة وإلى الأبد. كما أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على احتواء مغامراته، في وقت تسعى فيه إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط ضمن معركتها الاستراتيجية مع الصين، وهي غير مضطرة للغرق مجددًا في وحل حروب خبرتها سابقًا في أفغانستان والعراق.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الزر النووي لفلسطين.. غزة!