طهران عندما تتكىء على قُدراتها لا على وهم.. “المظلة الشرقية”!

تتعامل القراءات السياسية مع مفهوم التحالفات الدولية بوصفه التزامًا أخلاقيًا طويل الأمد أو رابطة وجدانية متينة، فيما تثبت الوقائع المتراكمة أن العلاقات بين القوى الكبرى تُدار بمنطق المصالح الباردة والحسابات الجيوسياسية الدقيقة. في هذا السياق، يبدو الرهان على اندفاعة عسكرية من موسكو أو بكين لنجدة طهران في حال نشوب مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب نوعًا من الترف السياسي الذي يفتقر إلى الواقعية. فالمظلة الشرقية التي يجري الحديث عنها لا تتجاوز كونها إطارًا لتنسيق المصالح وتبادل المنافع، لا خندقًا مشتركًا لخوض الحروب بالنيابة عن الآخرين.

هذا الفهم الواقعي للتحالفات ينسحب مباشرة على المشهد الإيراني الراهن، حيث تدرك طهران أن شركاءها الشرقيين يتحركون وفق أولوياتهم القومية الصرفة، لا وفق منطق الالتزام الدفاعي الشامل. فروسيا، المنهمكة في استنزاف طويل على الجبهة الأوكرانية، للسنة الخامسة على التوالي، ليست في وارد فتح مواجهة كبرى مع الغرب خارج حدودها الحيوية، مهما بلغت أهمية الشراكة مع إيران. أما الصين، الصاعدة اقتصاديًا بهدوء محسوب، فتعطي الأولوية المطلقة للاستقرار العالمي وأمن طرق التجارة وإمدادات الطاقة، بعيدًا عن المغامرات العسكرية المكلفة.

ضمن هذا الإطار، تكشف المفاوضات الإيرانية–الأميركية الجارية، كما يضيء عليها الاستراتيجي البريطاني أليستر كروك، عن شبكة معقدة من الاختلالات البنيوية التي تجعل أي اختراق دبلوماسي سريع أمرًا شديد الصعوبة. فجوهر الصراع لا يتمحور حول بند نووي تقني أو برنامج صاروخي أو آلية رفع عقوبات محددة، بل حول طبيعة العلاقة السياسية والأمنية بين دولتين تتفاوضان من موقعين غير متكافئين في الرؤية والأهداف، وفي تعريف كل منهما لمعنى التفاوض وحدوده ووظيفته.

أول هذه الاختلالات يتمثل في منطق العملية التفاوضية نفسها. فإيران تدخل المسار بوصفه عملية سياسية قابلة للأخذ والرد، تقوم على التدرج وتبادل التنازلات المرحلية ضمن سقوف واضحة، بينما تتعامل الولايات المتحدة مع التفاوض كأداة ضغط تهدف إلى فرض الشروط المسبقة. هذا التناقض البنيوي ينعكس مباشرة على طبيعة الملفات المطروحة، إذ تصر طهران على حصر النقاش بالبرنامج النووي، فيما تسعى واشنطن إلى دمج النووي بالبرنامج الصاروخي والدور الإقليمي، ما يحوّل التفاوض إلى مسار مفتوح بلا نهاية سياسية محددة.

ويتعزز هذا التعثر بفعل التباين الحاد في الإيقاع الزمني. فالإيرانيون يعتمدون نفسًا تفاوضيًا طويلًا، مبنيًا على الصبر الاستراتيجي وإدارة الوقت كعنصر من عناصر القوة، بينما يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ميلًا واضحًا إلى استعجال النتائج بحثًا عن إنجازات سريعة قابلة للتوظيف الداخلي. هذا الاختلاف في التعامل مع الزمن السياسي يجعل أي جولة تفاوضية عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي، ويحوّل التفاوض من مسار تراكمي إلى سلسلة اشتباكات سياسية متقطعة.

وفي العمق، تفاوض إيران من موقع دولة ترى نفسها مستقلة وذات سيادة كاملة، وتسعى إلى تثبيت اعتراف دولي بدورها الإقليمي، بينما تنظر إليها الولايات المتحدة بوصفها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي ما زالت خارج مشروع إعادة الهندسة السياسية والأمنية للمنطقة. من هنا، لا يعود الخلاف حول النووي خلافًا تقنيًا قابلًا للحل بتسويات فنية، بل يتحول إلى صراع مفتوح على طبيعة النظام الإقليمي وحدود النفوذ ومن يرسم قواعد اللعبة فيه.

هذا المشهد يزداد تعقيدًا مع الضغط المتصاعد الذي يمارسه اللوبي الصهيوني داخل واشنطن، ومحاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف هذا النفوذ لمنع أي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران. زيارات نتنياهو المتكررة إلى البيت الأبيض لا يمكن فصلها عن هذا السياق، إذ يسعى من خلالها إلى نقل النقاش من منطق التفاوض إلى منطق “التهديد الوجودي”، ودفع الإدارة الأميركية نحو التشدد أو حتى نحو خيارات المواجهة.

ويزداد هامش الضغط على ترامب في ظل وضع داخلي حرج، حيث تلقي فضائح جيفري إبستين بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الأميركي، وتفتح الباب أمام أشكال متعددة من الابتزاز السياسي والإعلامي. في مثل هذا المناخ، يصبح الرئيس الأميركي أكثر عرضة لضغوط جماعات النفوذ، وأقل قدرة على المناورة أو اتخاذ قرارات استراتيجية قد تُستخدم ضده في الصراع الداخلي.

على مستوى أدوات الصراع، تعتمد واشنطن ما يمكن تسميته “سياسة القهر”، عبر العقوبات والتهديد والتحكم بمسارات النفط الإيراني، ليس فقط للضغط على طهران، بل أيضًا للتضييق على الصين التي تشكل ركنًا أساسيًا في الاستراتيجية الإيرانية بعيدة المدى. في المقابل، تواصل إيران انتهاج سياسة الصبر الاستراتيجي، مستندة إلى قدراتها الذاتية وشبكة حلفائها الإقليميين، وإدراك أن الزمن يعمل لمصلحتها في ظل تراجع فعالية الأدوات الأميركية التقليدية.

في هذا السياق، تدرك القيادة في طهران أن التحالفات مع موسكو وبكين تمثل عناصر دعم سياسية واقتصادية وتكنولوجية مهمة، لكنها ليست بديلًا عن الاكتفاء الذاتي أو ضمانة لحرب كبرى. فروسيا ترى في إيران عمقًا استراتيجيًا يربك الحسابات الأميركية، لكنها لا ترغب في دفع كلفة الدفاع عنها في مواجهة عالمية. والصين ترى في إيران مخزنًا آمنًا للطاقة وسوقًا واعدة، لكنها لا تقدم دماء جنودها ثمنًا لهذه الشراكة.

من هنا، تبدو المظلة الشرقية، في أفضل حالاتها، غطاءً سياسيًا في الأوقات الباردة، لكنها قد تنكمش بسرعة عند اشتداد العواصف.. وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة، تظل القوة الذاتية والجبهة الداخلية المتماسكة معيار الردع الحقيقي والوحيد، فيما يبقى الرهان على المظلات الخارجية، شرقية كانت أم غربية، رهانًا محفوفًا بالمخاطر عند أول مواجهة فعلية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  لبنان.. نقلةٌ نوعيَّةٌ في الموقِفِ الرئاسي
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  كسر الإرادات بين روسيا وأوكرانيا.. وصناعة معادلة دولية جديدة (2)