“حرب اختيار” أو مقامرة أمريكية خطيرة ضد إيران

قد يحكم التاريخ في نهاية المطاف على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران ليس باعتبارها حرب ضرورة، بل "حرب اختيار". حربٌ اندلعت برغم وجود مسار دبلوماسي قائم، وبرغم المخاطر الإقليمية الهائلة، والعواقب الاقتصادية العميقة على العالم بأسره.

ما يجعل اندلاع هذا الصراع مقلقاً بشكل خاص هو أن المفاوضات كانت ما تزال جارية عندما بدأت الضربات العسكرية. فبحسب بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عمان، الذي لعبت بلاده دور الوسيط الدبلوماسي الموثوق بين طهران وواشنطن لسنوات طويلة، فإن إيران كانت قد قدمت تنازلات مهمة خلال المفاوضات التي سبقت الحرب. وقد لعبت الدبلوماسية العُمانية الهادئة تاريخياً دوراً حاسماً في بناء قنوات التواصل بين الخصوم، بما في ذلك المفاوضات التي أفضت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة(JCPOA) . وإذا كان تقييم مسقط صحيحاً، فإن الحرب لم تندلع لأن الدبلوماسية فشلت، بل لأنها أُوقفت.

التداعيات الجيوسياسية على الشرق الأوسط قد تكون بالغة الخطورة. فقد حذرت إيران مراراً من أنها قد تتحرك لإغلاق مضيق هرمز في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، وهو الممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً. وحتى مجرد التهديد الموثوق بحدوث اضطراب في هذا الممر الحيوي كان كفيلاً بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية. كما أن احتمال استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج—بما في ذلك المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية ومنشآت الغاز في قطر يضيف بعداً خطيراً جديداً إلى الصراع.

وقد بدأت التداعيات الاقتصادية بالفعل تتردد في أنحاء الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، بينما تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا خلال أيام قليلة من تصاعد الصراع. وبالنسبة لقارة تعاني أصلاً من نمو اقتصادي ضعيف وضغوط تضخمية، فإن هذه الصدمة جاءت في توقيت بالغ الحساسية. كما شهدت الأسواق المالية تقلبات عنيفة، حيث اضطرت السلطات في كوريا الجنوبية في خطوة استثنائية إلى تعليق التداول في سوق الأسهم مؤقتاً بسبب الاضطرابات الحادة. ما بدأ كعملية عسكرية إقليمية يتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية.

إلى جانب التداعيات الاقتصادية، تبرز أيضاً تساؤلات قانونية عميقة. فقد شُنت الحرب من دون تفويض من مجلس الأمن. ووفقاً لإطار القانون الدولي، فإن استخدام القوة العسكرية عبر الحدود دون وجود حالة دفاع عن النفس واضحة أو تفويض من الأمم المتحدة يثير تساؤلات جدية حول الشرعية والسيادة. وبالنسبة لدول كثيراً ما تتحدث عن الدفاع عن «النظام الدولي القائم على القواعد»، فإن العمل خارج هذا الإطار قد يقوض القواعد ذاتها التي تقول إنها تحميها.

هوية وطنية وصبر استراتيجي

ومن الناحية الاستراتيجية، قد يكمن خطأ آخر في الاعتقاد بأن الحرب ستكون قصيرة. فالعقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على الحرب غير المتكافئة والصبر الاستراتيجي. وبدلاً من السعي إلى مواجهة حاسمة سريعة، قد تختار طهران إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف تهدف إلى إنهاك خصومها. وقد تركز هذه الاستراتيجية على استنزاف أنظمة الدفاع الصاروخي التي تحمي إسرائيل والقوات الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك “القبة الحديدية” ومنظومة “آرو” الإسرائيلية، إضافة إلى منظومة صواريخ باتريوت للدفاع الجوي.

الاقتصاد الكامن وراء هذه المواجهة غير متكافئ بشكل واضح. فالمسيّرات الإيرانية المستخدمة في الهجمات المكثفة قد لا تتجاوز كلفة الواحدة منها نحو 35 ألف دولار. في المقابل، يتطلب اعتراضها إطلاق صواريخ دفاعية قد تتراوح كلفتها بين 400 ألف دولار وقد تصل إلى 5 ملايين دولار للصاروخ الواحد. ومع مرور الوقت تصبح المعادلة غير مستدامة. فالهجمات المستمرة بطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة قد تجبر المدافعين على استهلاك صواريخ باهظة الثمن مع استنزاف مخزونهم المحدود تدريجياً. وتشير تقارير إلى أن مخزونات الولايات المتحدة من بعض هذه الصواريخ الدفاعية قد تراجعت بشكل ملحوظ بالفعل. كما أن إعادة إنتاج هذه الأنظمة المعقدة ليست أمراً سريعاً، إذ تحتاج إلى خطوط تصنيع متخصصة وفترات إنتاج طويلة، ما يجعل القدرة الصناعية عاملاً حاسماً في أي حرب طويلة الأمد.

كما يبدو أن هناك خطأً كبيراً آخر في الحسابات السياسية. فاغتيال المرشد الأعلى لإيران الإمام السيد علي خامنئي إلى جانب عشرات من كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية ربما استند إلى افتراض أن ضربة “قطع الرأس” هذه ستؤدي سريعاً إلى انهيار النظام. وقد اعتقد بعض صناع القرار أن ذلك قد يشعل احتجاجات شعبية واسعة تفضي إلى سقوط النظام.

لكن هذه الفرضية تبدو حتى الآن بعيدة عن فهم طبيعة المجتمع الإيراني. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التهديد الخارجي غالباً ما يعزز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه، ناهيك عن حالة التعبئة التي ولّدتها رمزية الاغتيال. فإيران ليست مجرد دولة حديثة، بل وريثة واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، تمتد جذورها آلاف السنين إلى الإمبراطوريات الفارسية القديمة. وقد ساهم هذا الإرث الحضاري الطويل في تشكيل هوية وطنية تقوم على الصمود والصبر الاستراتيجي والشعور العميق بالفخر الثقافي. وقد أثبت الإيرانيون مراراً قدرتهم على تحمل الصعوبات في سبيل تحقيق أهداف وطنية بعيدة المدى. التقليل من شأن هذا الإرث قد يكون أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية في هذه الحرب.

لقد شهد التاريخ مراراً حروباً ظن قادتها أنها ستكون سريعة وحاسمة ومفيدة سياسياً. لكن الكثير منها لم يكن كذلك. وما كان يُفترض أن يكون حملة عسكرية محدودة ضد إيران قد يتحول إلى مواجهة إقليمية طويلة ذات عواقب اقتصادية وسياسية واستراتيجية عميقة. وإذا حدث ذلك، فقد لا تكون مأساة هذه الحرب فقط في حجم الدمار الذي ستخلفه، بل في الإدراك المتزايد بأنها ربما لم تكن ضرورية منذ البداية

أما بالنسبة للعالم العربي، فإن الصراع يضعه أمام معضلة خطيرة. فقد أمضت العديد من حكومات المنطقة سنوات في محاولة خفض التوترات والتركيز على التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل. لكنها اليوم تجد نفسها أمام احتمال التحول إلى ساحة غير مباشرة لحرب لم تبدأها ولم ترغب فيها.

وقد يدفع هذا الواقع دول الخليج إلى إعادة تقييم عميقة لحساباتها الاستراتيجية. فلعقود طويلة اعتُبرت القواعد العسكرية الأمريكية في دول مثل قطر والبحرين والكويت الضمانة الأساسية للأمن الإقليمي. غير أن الحرب الحالية ومن أطلق شرارتها قد تُغيّر هذا التصور. فإذا بدا أن الولايات المتحدة تركز في المقام الأول على حماية إسرائيل بينما تواجه دول الخليج مخاطر الردود الانتقامية على أراضيها وبنيتها التحتية للطاقة، فقد تبدأ هذه القواعد في أن تُرى ليس “كدرع حماية”، بل “كعامل جذب للمخاطر“، برغم ما تم صرفه من بلايين الدولارات على مدى عقود طلبًا للأمان.

مآسي الحرب.. وضرورتها!

إقرأ على موقع 180  كم تبقى لنا على هذا الكوكب؟

وفي الداخل الأمريكي نفسه، يتصاعد الجدل السياسي حول الحرب. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن نحو 71% من الأمريكيين يعارضون هذا الصراع، وهو ما يعكس حالة إرهاق عميقة من الحروب الطويلة في الشرق الأوسط. ومع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر، قد تتحول هذه الحرب إلى قضية سياسية محورية داخل الولايات المتحدة.

وخارج وسائل الإعلام التقليدية، يبدو النقد أكثر حدة. فقد شكّك عدد من المعلقين والشخصيات السياسية البارزة عبر الطيف الأيديولوجي، (تاكر كارلسون وكانديس أوينز ومارجوري تايلور غرين ومات غايتز وسينك أويغور وأليكس جونز إلخ..) في الدوافع الحقيقية وراء هذه الحرب. ويرى كثيرون أن جماعات الضغط القوية في واشنطن، خصوصاً تلك المرتبطة بـ”أيباك” (AIPAC) ، تمارس تأثيراً هائلاً على السياسة الخارجية الأمريكية. كما يشير آخرون إلى التبرعات السياسية الضخمة التي تقدمها المليارديرة ميريام أديلسون باعتبارها مثالاً على حجم النفوذ المالي في تشكيل النقاش واتخاذ القرار السياسي. وفي بعض النقاشات الأكثر إثارة للجدل على الإنترنت، ظهرت أيضاً تكهنات بأن جهاز “الموساد” الإسرائيلي قد يمتلك معلومات حسّاسة مرتبطة بالممول الراحل جيفري إبستاين يمكن أن تمنح نفوذاً سياسياً على بعض الشخصيات. ورغم أن هذه الادعاءات لم تثبت، فإن انتشارها الواسع يعكس تراجع الثقة الشعبية في الروايات الرسمية للحرب.

كما يطرح الصراع سؤالاً أساسياً حول كيفية تعريف النصر. فإذا تمكنت الحكومة في إيران من الصمود وإلحاق أضرار كبيرة بخصومها، فقد تتمكن من إعلان نوع من الانتصار الاستراتيجي. في المقابل، فإن قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أشاروا إلى أن إضعاف النظام الإيراني أو تغييره كان أحد أهداف الحملة. وفي الحروب غالباً ما يُقاس النجاح ليس فقط بنتائج المعارك، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية. وإذا بقيت الدولة الإيرانية على قيد الحياة بعد امتصاص الضربة بينما لم يتحقق هدف تغيير النظام، فقد تتمكن طهران من تحويل مجرد الصمود إلى رواية نصر قوية.

لقد شهد التاريخ مراراً حروباً ظن قادتها أنها ستكون سريعة وحاسمة ومفيدة سياسياً. لكن الكثير منها لم يكن كذلك. وما كان يُفترض أن يكون حملة عسكرية محدودة ضد إيران قد يتحول إلى مواجهة إقليمية طويلة ذات عواقب اقتصادية وسياسية واستراتيجية عميقة. وإذا حدث ذلك، فقد لا تكون مأساة هذه الحرب فقط في حجم الدمار الذي ستخلفه، بل في الإدراك المتزايد بأنها ربما لم تكن ضرورية منذ البداية.

Print Friendly, PDF & Email
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  بارولين كان ينوي زيارة جنوب لبنان.. لماذا تغيّر برنامجه؟