“فورين أفيرز”: أميركا تتخبط.. وترامب يخوض حرباً لا يُدرك كلفتها

الاستراتيجية، في معناها البسيط، "هي الخطة التي تُسخّر من خلالها القوة العسكرية للوصول إلى النتيجة السياسية المرجوة. وفي هذا السياق، تفتقر الحرب الأميركية على إيران إلى مثل هذه الاستراتيجية"، بحسب مقالة الكاتبين ريتشارد ك. بيتس وستيفن بيدل، في "فورين أفيرز" (*).

على خلاف حملة العلاقات العامّة القاسية التي روَّجت وتُروّج لها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية العدوان على إيران، فإن الحرب الدائرة هناك اليوم ليست فيلماً أو لعبة فيديو. فقرار إشعالها يعني، في جوهره، إزهاق أرواح بشرية حقيقية، وتدمير مُمتلكات، واستنزاف موارد كثيرة كان يُمكّن توجيهها إلى أولويات أخرى.

فقد تمثَّل الهدف المُعلن من الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس في القضاء على ما تصفه واشنطن بـ”التهديد الخطير” الذي تشكله الجمهورية الإسلامية على مصالحها. غير أن إدارة ترامب تعرضت لانتقادات واسعة بسبب الارتباك في رؤيتها الاستراتيجية، إذ طرحت حُزمة من الأهداف المتباينة لتحقيق هذا الغرض، بينها حرمان طهران من تطوير أسلحة نووية، وتدمير قدراتها الصاروخية والبحرية، وصولاً إلى إسقاط النظام.

ومع ذلك، قد يُجادل المدافعون عن إدارة ترامب بأن هذه الأهداف لا تتعارض فيما بينها، بل تتكامل ضمن مقاربة شاملة تسعى إلى تحقيقها مجتمعة، ضمن نطاق يمتد من الحد الأقصى إلى الحد الأدنى من النتائج المرجوّة. ويتمثل السيناريو الأقصى في إنهاء “مشكلة إيران” إلى حدّ كبير عبر تغيير النظام. أما السيناريو الأدنى، فيقوم على احتواء التهديد من خلال إضعاف إيران لفترة من الزمن، مع اللجوء إلى تجديد العمليات العسكرية بشكل دوري لكبح أي تهديدات قد تتجدّد بـ”السيطرة على الوضع”، أو ما يُعرف بـ”جزّ العشب”.

ويبدو أن الهدف الأقصى، المتمثّل في تغيير النظام في طهران، بترتيب أميركي، غير قابل للتحقيق. فالهجوم الأميركي-الإسرائيلي لم يُخفق فقط في إشعال انتفاضة شعبية تُطيح بالمؤسسة الدينية والحرس الثوري (كما كان مُخططاً) بل على العكس، أفضى إلى تكريس سلطة أكثر تشدداً وأكثر عداءً للولايات المتحدة مقارنةً بسابقتها.

أما على مستوى الهدف الأدنى، فحتى مع تجاوز الكلفة الأخلاقية والاقتصادية الباهظة، تبرز إشكالية جوهرية: إذ أن تدمير القدرات الإيرانية لا يكفي للحدّ من قدرتها على الإضرار بالمصالح الأميركية- ولا من دوافعها لذلك، وهي نقطة كثيراً ما يغفلها المحللون- بل إن هذا النهج يكتفي بتضخيم أثر نجاحات تكتيكية مؤقتة، في مقابل تعزيز إصرار طهران على الرد، بما يُعيد إنتاج التهديد بدلاً من احتوائه.

يبقى أن تحقيق الهدف المباشر للحرب، وبتكلفة يمكن قبولها، هو أيضاً محل شك كبير. وحتى إذا جرى تجاهل، أو تجاوز التساؤل حول جدوى الثمن المدفوع- المتمثل في قتل آلاف المدنيين وما لا يقل عن 13 جندياً أميركياً (حتى الآن)، وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية- فإن الإشكالية الأساسية لا تزال قائمة: إلى أي حد مطلوب إضعاف القدرات الإيرانية؛ عبر العمليات العسكرية؛ بحيث يمكن القول إنه تم القضاء على تهديدات إيران النووية والصاروخية، وضمان أن هذه العمليات لم تدفعها إلى مزيد من التصعيد؟

من الناحية النظرية، قد يحقق اتفاق قابل للتنفيذ هذا الهدف، إذا ما رأت طهران أن شروطه مفيدة بما يكفي. غير أن السعي إلى مثل هذا الاتفاق يتطلب من واشنطن مقاربة تفاوضية متماسكة وذات مصداقية، لا أن تتراجع وتغدر وتُنفذ هجمات عسكرية أثناء سير المفاوضات (كما فعل ترامب في حزيران (يونيو) العام الماضي والآن).

وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإن الخيار البديل القائم على القوة الصرفة يستلزم غزواً واحتلالاً يضمنان منع إيران من الاحتفاظ بمكونات تخصيب اليورانيوم أو إعادة بناء قواتها التقليدية. وهذا الخيار (الغزو والاحتلال) يبدو غير قابل للتطبيق من الناحية العملية، نظراً لكبر مساحة إيران وتعدادها السكاني. كما أن الكلفة السياسية والعسكرية الكبيرة تجعل تكرار تعقيدات تجارب سابقة (مثل غزو العراق) أمراً غير مرغوب به حتى لدى أكثر الداعين للتصعيد، ومنهم ترامب نفسه الذي لا يريد تكرار خطأ غزو العراق.

ومن بين البدائل المحتملة، هناك خيار تجديد العمليات العسكرية بين فينة وأخرى لضرب القدرات الإيرانية أو خيار التسوية التفاوضية. الخيار الأول غير عملي، والثاني مُستبعد، ما يترك واشنطن أمام خيارات محدودة في حرب متصاعدة وخصم لدود لديه الكثير من المبرّرات والأسباب للانتقام.

مخاطرة عالية بلا جدوى

ربما تكون الفائدة من تكرار العمليات العسكرية؛ بين فينة وأخرى؛ هي التمكن من إضعاف قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية. غير أنه في غياب آليات تفتيش ميدانية واسعة وموثوقة، يبقى التساؤل قائماً حول مدى فعّالية هذا الكبح وحدوده. وقد برز هذا الإشكال بوضوح عندما أعلن ترامب، في حزيران/يونيو 2025، أن البرنامج النووي الإيراني قد “دُمّر بالكامل”، قبل أن تعود إدارته بعد 8 أشهر فقط لتؤكد الحاجة إلى استهدافه مجدداً. ومن غير المُستبعد أن يتكرّر المشهد ذاته بعد انقضاء الجولة الحالية، بما يعكس محدودية جدوى الحروب الوقائية في تحقيق أهدافها على المدى الطويل.

في المحصلة، تبدو استراتيجية إبقاء التهديد الإيراني تحت السيطرة مقاربة مفتوحة زمنياً. إذ تتقاطع دوافع طهران للإبقاء على خيار نووي- تراه ذا طابع وجودي، خصوصاً في ظل حديث عن تغيير النظام وعمليات استهداف لقياداتها- مع سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إغلاق هذا المسار نهائياً. وهنا يبرز السؤال الحاسم: أيّ طرف لديه دوافع أكبر لتحمل تكاليف صراع متكرّر ومُمتد إلى أجل غير محدد؟

تعتمد كل جولة من الجولات العسكرية على امتلاك معلومات دقيقة وموثوقة بشأن مواقع البنية التحتية النووية، ومنشآت إنتاج الأسلحة، وسائر مكونات القدرات الهجومية الإيرانية، إضافة إلى تقدير درجة هشاشتها. وبرغم أن النجاحات الاستخباراتية (الأميركية والإسرائيلية) التي أتاحت اغتيال عدد من القادة والعلماء الإيرانيين؛ في حزيران/يونيو 2025 وآذار/مارس 2026 توحي بإمكانية تحقيق ذلك، فإن افتراض توافر معرفة شاملة ومُستدامة في المستقبل يظلُّ أمراً محفوفاً بالشكوك.

إقرأ على موقع 180  من "العيون الخمس" إلى "أوكوس".. أميركا تقرر هوية "العدو"!

في الوقت نفسه، فإن إضعاف قدرات إيران بنجاح لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع رغبتها في المواجهة، بل يدفعها إلى تحسين دفاعاتها ويغذّي الدوافع الوطنية للانتقام. فالجمع بين قدرات متضائلة ولكن لا تزال موجودة، وبين دافع متصاعد لاستخدام هذه القدرات، لا يشكل نجاحاً حقيقياً في الاستراتيجية الأميركية.

على المدى القصير، تُشجع العمليات الأميركية على تصاعد الإرهاب. فقد يُحاول النظام الإيراني الإنتقام لقيادته العُليا التي خسرها في الهجمات الأميركية والإسرائيلية، عبر استهداف مسؤولين حكوميين أميركيين من الرتب العُليا والمتوسطة في أوقات وأماكن تختارها إيران. ومن شأن هذا الانتقام أن يُثير غضب الرأي العام الأميركي، وربما يدفع الولايات المتحدة إلى تصعيد الحرب إلى مستويات أكثر ضراوة.

أما على المدى الطويل، فإن سياسة “جزّ العشب” ستُعزّز قدرة إيران على التكيّف مع الهجمات، من خلال تحسين أساليب إخفاء أصولها الهجومية وإعادة نشرها بفعّالية أكبر. وبشكلٍ عام، قد يُؤدي هذا التصعيد الدوري إلى مواجهة كُبرى تُشبه هجمات حركة “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

قد ينجح نهج “تقليص القدرات” في منع إيران من إعادة إنتاج وتطوير أسلحة نووية، لكنه لا يضمن بالضرورة الحفاظ على مكونات بعض الأسلحة النووية البدائية وإخفائها. وبرغم أن مثل هذه الأسلحة لن تمثل استثماراً جذاباً لطهران في الظروف العادية، فإنها قد تصبح أكثر إغراءً لـ”نظام يائس” تعرض للغدر مراراً وتكراراً.

بالنسبة لإسرائيل، قد تكون الفوائد المحدودة والتكاليف الباهظة لسياسة “جزّ العشب” جديرة بالاهتمام إذا كانت إيران تُشكل تهديداً حقيقياً لوجودها. أما الولايات المتحدة، فالمسألة ليست بهذه الخطورة ولا الأهمية. فالتركيز المستمر على إيران يصرف انتباه واشنطن عن تهديدات مُحتملة ذات أهمية أكبر: مثل الغزو الروسي لأوكرانيا، أو الغزو الصيني لتايوان، أو مغامرات كوريا الشمالية.

ويُعدّ التعليق المفاجئ الذي أعلنه ترامب للعقوبات المفروضة على روسيا بهدف زيادة إمدادات النفط إلى السوق العالمية خير دليل على هذا الانحراف في الأولويات. كما أن استمرار الانشغال الأميركي بإيران قد يدفع الصين إلى التفكير في استغلال أي فرصة سانحة ضدَّ تايوان، بينما نظام بيونغ يانغ يمتلك بالفعل أسلحة نووية.

وإذا كانت الفوائد المرجوة من صراع طويل الأمد مع إيران ضئيلة، فينبغي أن تكون تكلفته محدودة أيضاً. لكنها ليست كذلك. فالواقع يُثبتُ العكس. ففي أسابيعها الأولى فقط، كلّفت الحرب مليارات الدولارات من النفقات المباشرة، وتسببت في خفض الدعم المخصص لأوكرانيا، وتعرضت مخزونات الأسلحة الأميركية الحديثة لضغوط خطيرة، كما أحدثت الحرب صدمة ملموسة في الاقتصاد العالمي.

مُنهكة لكنها لم تُهزم

من حيث المبدأ، قد يشكّل التوصل إلى اتفاق تفاوضي مخرجاً من حرب مفتوحة مع إيران. و”تفاوضي” يعني اتفاقاً حقيقياً يتضمن تنازلات متبادلة، لا مجرد فرض شروط على خصم مُنهك. غير أن الأمل في التوصل إلى مثل هذا الاتفاق الواقعي يظلُّ ضعيفاً للغاية. فقد سبق أن وُقّع اتفاق؛ وهو خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015؛ والتزمت به إيران حتى ألغاه ترامب عام 2018 (…). كما أن الولايات المتحدة شنّت هجومين غادرين على إيران أثناء سير المفاوضات. وطالت الاغتيالات المُتعمدة المرشد الأعلى آية الله السيد علي خامنئي وعدد كبير من كبار القادة الإيرانيين. وهذه السوابق لا تمنح طهران أي سبب لأخذ الدبلوماسية الأميركية على محمل الجدّ.

في مواجهة النتائج الجزئية للحرب حتى الآن، يمكن لترامب، ببساطة، إعلان النصر والانسحاب، وترك خيار “جزّ العشب” مطروحاً على الطاولة. غير أن الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها الولايات المتحدة تفوق بكثير فوائد الحرب.

قد يصح القول إنه تمَّ تقليص التهديد الإيراني، سواء كان حقيقياً أم مُبالغاً فيه، لكنه لم يُلغَ (…) وعلى الأرجح ازداد احتمال حدوثه، وفي الوقت نفسه تعزّزت دوافع إيران لاستخدام قواتها المتبقية، وإن كانت أضعف، لكنها لا تزال تشكل خطراً للرد والانتقام.

كان قرار شنّ حرب استباقية خاطئاً منذ البداية. لقد قوّض ما تبقى من مزاعم القيادة الأخلاقية للولايات المتحدة في العالم في عهد ترامب. كما أظهر للدول الأخرى أن الاعتماد على القوة الأميركية في مواجهة مغامرات واشنطن يعرّضها لاضطرابات اقتصادية شديدة. لقد ربط هذا القرار المصالح الوطنية الأميركية بمصالح إسرائيل، وترك الشعب الإيراني يتحمّل العواقب بعد أن تبيّن أنّ وعود ترامب بأن “المساعدة في الطريق” كانت مجرد كلام فارغ.

لا تُقرّ إدارة ترامب بأنها تُدرك هذه التكاليف أو تُبالي بها. ومع ذلك، فإن الحرب لم تُحقق الهدف الذي وضعته (…). وقد تفاخر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مراراً وتكراراً بالقوة التكتيكية الساحقة للجيش الأميركي، مُتجاهلاً التأثير المُحتمل على نوايا إيران وقدراتها المتبقية. أما ترامب نفسه، فقد تحدث باستخفاف عن إمكانية الإطاحة بالنظام دون أي إشارة إلى أنه قد درس الاستراتيجية التي يُمكن أن تُحقق ذلك. وفي ظل التكاليف البشرية والاقتصادية الضخمة للحرب، والاستراتيجية الساذجة سواء لتحقيق أهدافها القُصوى أو الدُنيا، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام احتمال إدارة وضع ما بعد الحرب، وهو وضعٌ قد يكون مُعقداً ومُربكاً بقدر ما كان الوضع قبله.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

ريتشارد ك. بيتس، أستاذ فخري في دراسات الحرب والسلام (جامعة كولومبيا)، ومساعد في دراسات الأمن القومي (مجلس العلاقات الخارجية).

ستيفن بيدل، أستاذ في الشؤون الدولية والعامة (جامعة كولومبيا)، ومساعد في سياسة الدفاع (مجلس العلاقات الخارجية).

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  لا خوف على الدين الإسلامي إلا من أصحابه