التاريخ العسكري والسياسي مليء بأمثلة حروب حُسمت نتائجها السياسية أو الاستراتيجية مبكراً، لكن القتال استمر لفترة طويلة قبل وقف إطلاق النار. ويُبرّر مرجع خليجي عربي مختص هذه الظاهرة بالقول إن ذلك غالباً بسبب بطء القرار السياسي، أو صعوبة التواصل، أو انعدام الثقة، أو رغبة الأطراف في تحسين شروط التفاوض (قضايا حدودية أو أسرى إلخ..)، ويعطي أمثلة كثيرة على ذلك من الحربين العالميتين الأولى والثانية إلى حرب الخليج الأولى والثانية، ولعل أبرز الأمثلة حرب “العدوان الثلاثي” عام 1956م التي شّنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر.
***
انطلقتُ من هذه الفكرة للقول إن متابعة سير المعارك لم يعد مجدياً لنا. علينا رصد ماهية نهاية الحرب؛ إما أن يُقرّر الأميركيون والإسرائيليون وقفاً للنار من جانب واحد، أي بلا اتفاق مع الإيرانيين على قاعدة أن حملتهم العسكرية قد حقّقت أهدافها كاملة. وإما أن يذهبوا إلى وقف للنار بموجب اتفاق أو تسوية. في الحالة الثانية، وهي المرجحة، لن تكون التسوية مجرد وقف لإطلاق النار، وفي الوقت نفسه، لن يقول المتحاربون إنهم أرسوا خريطة سياسية وأمنية جديدة للشرق الأوسط. هذه الخريطة هي نتيجة للحرب ولا تُرسم على طاولة المفاوضات أو في الأروقة الدبلوماسية. تُرسم بالصواريخ والقنابل والمسيّرات والأنظمة الدفاعية والتوازنات الردعية. بمعنى آخر السلاح في هذه المرحلة لم يعد أداة للحسم. السلاح أصبح وسيلة لرسم خطوط التفاوض.
ويشي تاريخ الحروب أنه عندما تصل الأطراف إلى توازن ردع نسبي يُصبح السلاح ورقة تفاوض. عندها تتحول القوة العسكرية إلى عملة سياسية. وهذا ما قد نشهده الآن. الركيزة الأولى في هذه المعادلة هي القوة الصاروخية الإيرانية. خلال السنوات الماضية عملت طهران بشكل منهجي على تطوير هذه القدرة. لم يكن الهدف فقط الردع العسكري. بل خلق توازن استراتيجي يجعل أي حرب شاملة مكلفة جدًا لخصومها. اليوم، وبعد أن أثبتت هذه القوة قدرتها على الصمود في حربين متتاليتين، يُصبح السؤال: ما هي المكاسب السياسية والاقتصادية التي تريدها طهران بما يُثبّت مكانتها مقابل ذلك؟
هنا يبرز سيناريوان محتملان للتسوية:
الأول؛ يتجسد في رسم خريطة أمنية جديدة للشرق الأوسط. بحيث تؤخذ القوة الإيرانية بالاعتبار عند وضع الترتيبات الأمنية. هذا يعني أن أي اتفاق أو تفاهم مستقبلي سيكون مبنيًا على اعتراف الأطراف الأخرى بقدرة إيران على التأثير في موازين القوى.
الثاني؛ يتمثل في صياغة تسوية مرحلية تدريجية تبدأ برفع العقوبات الاقتصادية بشكل متدرج، مقابل التزام ايران بترتيبات أمنية وعسكرية محددة. هذه التسوية تتيح لكل طرف اختبار جدية الآخر. وتفتح الباب أمام بناء مناخ من الثقة بين القوى الإقليمية.
في الحالتين يبقى عنصر التفاهمات الإقليمية ضروريًا لإعادة تنظيم العلاقة بين إيران ودول الخليج بما يضمن الاستقرار ويمنع عودة التصعيد. فالتسويات الكبرى لا تتحقق إلا بتوافق جماعي يعيد توزيع الأدوار ويحدد مسارات التعاون أو التنافس مستقبلاً.
لكن ماذا يضمن أن التسوية في الخليج ستنعكس بالضرورة على مسار الحرب الواقعة بين حزب الله وإسرائيل؟
معظم التصريحات الأميركية والإسرائيلية تشي بأن أية تسوية في الخليج لن تنسحب تلقائياً على لبنان، بل ثمة قرار أميركي إسرائيلي بخوض معركة نزع سلاح حزب الله حتى النهاية ومهما كان الثمن مكلفاً بما في ذلك للبنان وسلمه واستقراره الأهلي.
***
هذا الواقع يعني أن أي وقف لإطلاق النار سيكون هشاً. فالتجارب السابقة أثبتت أن وقف النار في ساحة واحدة يصبح هشاً إذا بقيت الساحات الأخرى مشتعلة. لذلك يبدو واضحاً أن التسوية المقبلة، إن حدثت، يجب أن تشمل معظم جبهات الشرق الأوسط في آن واحد. بمعنى أن المنطقة قد تشهد وقفاً واسعاً لإطلاق النار يمتد من غزة إلى لبنان ومن العراق إلى اليمن.
وعندما يصل الصراع إلى هكذا نقطة تبدأ ما يمكن تسميتها مرحلة تحويل القوة إلى مكاسب سياسية. وهذا يعني أن الأطراف ستبدأ في اختبار إمكانيات التسويات. لكن المشكلة أن التسويات في الشرق الأوسط نادرًا ما تكون بسيطة. كل اتفاق في مكان يفتح تناقضات في أماكن أخرى. المنطقة تشبه شبكة معقدة من التوازنات الهشة. إذا تحرك خيط واحد تتحرك الخيوط كلها. لهذا السبب فإن الثمن السياسي الذي قد يُدفع مقابل القوة الصاروخية الإيرانية والقوة البرية لمحورها في جنوب لبنان لن يبقى محصورًا في ساحة واحدة، بل سينعكس على عدة ملفات في المنطقة، إلا إذا أرادت القوى المقررة ترك بعض البؤر على شكل حروب أهلية، أو صراعات مذهبية، أو نزاعات داخلية طويلة الأمد؛ وظيفتها تنفيس الاحتقانات، وهذا ليس أمراً جديداً في تاريخ الشرق الأوسط حيث غالباً ما تتحول بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة عندما تتجه القوى الكبرى نحو التسويات في أماكن أخرى.
لكن إذا كان هناك اتفاق شامل فإن انعكاساته ستظهر في ساحات عديدة. حكومات العراق ولبنان الآتية. دولة بلاد الشام. والمقصود هنا ليس بالضرورة دولة جديدة، بل إعادة تعريف موقع ودور الدولة السورية وحدود نفوذ القوى المختلفة عليها وفيها.. القضية الكردية تبقى واحدة من أكثر الملفات حساسية. أي تغيير في التوازنات الإقليمية قد يعيد طرحها بقوة.. كيفية التعامل مع فلول “داعش”. كيفية تنفيس التوترات الطائفية بوصفها أحد أخطر أدوات تفجير المنطقة. وإذا لم يتم احتواء التناقضات فقد يعود هذا العامل إلى الواجهة.
***
كل هذا التحليل يفترض شيئًا واحدًا: عدم حدوث مفاجآت كبرى. لكن السياسة الدولية نادرًا ما تسير وفق السيناريوهات المتوقعة. المفاجأة قد تأتي من عدة أماكن. قد تأتي من أوكرانيا. إذا حدث تحول كبير في مسار الحرب هناك. فهذه الحرب أصبحت جزءًا من توازن عالمي أكبر بين روسيا والغرب. وقد تأتي من إيران نفسها. سواء عبر تصعيد غير متوقع أو عبر قرار استراتيجي كبير. أو قد تأتي من مكان آخر تمامًا. لأن الشرق الأوسط يضج تاريخيًا بالمفاجآت.
إذا انتقلت المنطقة من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التوازنات المدارة فقد يشهد الشرق الأوسط مرحلة أكثر استقراراً خلال العقود المقبلة. أما إذا فشلت هذه العملية فقد تعود المنطقة سريعاً إلى دوامة الصراعات التي لم تخرج منها منذ أكثر من عقدين. المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة تقوم على الاعتراف بالواقع الجغرافي والسياسي للمنطقة وبناء توازنات واقعية بدلاً من الرهان على تغييرات جذرية سريعة. فالقوة الحقيقية في السياسة الإقليمية لا تأتي فقط من الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية. هي تأتي من القدرة على فهم طبيعة النظام الإقليمي المتشكل والتعامل معه بمرونة وواقعية.
في الختام، نحن أمام مرحلة لن يكون فيها السلاح وحده هو العامل الحاسم. القدرة على تحويل القوة إلى سياسة هي كلمة السر للمرحلة الجديدة. وفي انتظار ذلك يبقى السؤال مفتوحًا: ما هو الثمن الذي ستدفعه المنطقة مقابل هذا التوازن الجديد؟
(*) بالتزامن مع “الشروق“
