شغل هذا التناقض قائد الحزب الشيوعي في إيطاليا، أنطونيو غرامشي، فقضى سنين في سجون موسوليني يُحلّله. واستشفّ أن السلطة لا تمارس هيمنة إكراهية مادية وعنفية فحسب، بل أيضًا هيمنة ثقافية. فهي تصوغ وتعمم منظومة من القيم والمعتقدات تصوّر الواقع على أنه منطقي وبديهي. ومتى ما اعتبر المجتمع أن لا مفرّ من الواقع، ارتضاه. فإذا أدركنا أن أصحاب مصالح فرضوا نظامًا لاستغلالنا، أدركنا أن الحل هو مواجهتهم لفرض نظام آخر. أما إذا اعتبرنا أن ما يحصل محتوم، فلمَ نهدر طاقاتنا في سعي عقيم؟
إن مجتمعات بلاد الشام، إن لم نقل العالم، أسيرة هيمنة “الحتميات” الثقافية. فإسرائيل برهنت تفوقها وها هي تتمدد. ولبنان “طول عمره هيك”. وسوريا ذهبت “من سيئ إلى أسوأ”. وإيران لم تستطع إيقاف الإبادة، أو لم تحاول. والصين وروسيا، حالها حال الولايات المتحدة وأوروبا، تسعى إلى مصالحها الخاصة. والتطبيع “ماشي”، والمجتمع طائفي، والقرار خارجي. هيمنة حتميات، فأي أمل؟
لكن الأمل، أيضًا، جزء من هيمنة الحتميات. “فلا يصحّ إلا الصحيح”، ولا شيء يقف أمام إرادة أصحاب الأرض، والعدو غبي وينهار يومًا بعد يوم، ولا بد للحق أن ينتصر. وكأن أفريقيا لم تُستعبَد، وأميركا لم تُبَد، وفلسطين لم تُغتَصَب!
يبحث رواد حتمية النصر عما يطمئنهم، في الدين فيتلون آيات عن نصر المؤمنين، وفي إيمانيات أخرى فيتكلمون عن “لعنة العقد الثامن”، وفي الإعلام العبري فيبحثون عن صوت صهيوني يائس ويتكمشون به، وفي أفيون الأناشيد والطقوس المغمورة (والغامرة) بالمطلقات فينتشون. لكن الأمل يتشارك مع اليأس في أنه يأسر المرء في اللا-فعل. فإن كان لا بد لفلسطين أن تُحتلّ، أو أن تتحرّر —لاحظوا الفعل: “تتحرّر”، وكأن التحرير يحدث من تلقاء نفسه!— فلمَ نخصص الوقت والجهد لتحريرها؟ هيمنة حتميات، فأي عمل؟
لكن معاينة الواقع تكشف أمرًا مختلفًا تمامًا، وهو أنه ما من حتميات على الإطلاق. يدرك ذلك تمامًا أصحاب القرار إذ يحملون قلق حسم الخيارات في عالم خالٍ من أي حتمية. هم يدركون أن الأنظمة التي تُصوَّر للناس على أنها كتلة صلبة ومتماسكة هي نتاج تفاوضي لتناقضات كتل مصالح عدة، رأسمالية وهوياتية وعمالية وغيرها. ويدركون أن موازين القوى بين هذه الكتل المتناقضة في تبدّل دائم. ويدركون بالتالي أن كل خيار هو رهان مبني على حسابات واستشعارات وتقديرات لموازين القوى وتبدلها. نعم، إن من يعاينون الواقع هم أبعد ما يكون عن المطلقات، ولو أوحوا بغير ذلك، تحصينًا لشرعيتهم ومكانتهم.
لنعاين إذن الواقع نحن أيضًا. لنأخذ على سبيل المثال أقوى فاعل سياسي على الكوكب اليوم، الولايات المتحدة. فهي انتصرت على ألمانيا واليابان ثم على الاتحاد السوفييتي، وتفرض اليوم لغتها وعملتها وقواعدها على الكوكب، فتقصف ما تشاء وتأسر من تشاء. هي آلة فرض هائلة، نعم. لكن ثمة فرق بين الضخامة والصلابة. فمن الناحية الاقتصادية، لم تنتج الولايات المتحدة القيمة التي تحتاج إليها لتجتاح العالم، بل استدانتها. وربع دينها (الذي يساوي أكثر من كامل إنتاجها القومي) مستحق لدول أخرى. وقيمة عملتها لا ترتكز على الإنتاج بل على قبول عالمي بها، وهو قبول عملت على مرّ العقود على فرضه، لكنه يتلاشى اليوم. فنظام “بريكس”، على سبيل المثال، قائم على التجارة بالعملات المحلية لا الدولار. وقد لوحت إيران باستخدام هذا السلاح في آذار/مارس 2026 حين اشترطت شراء النفط بعملة اليوان مقابل السماح به عبر مضيق هرمز. كما أن قصفها منشآت الخليج أحدث شرخًا بين عائلاته الحاكمة ورأسمالييه، مما دفع هذه الأنظمة إلى النظر في سحب استثماراتها في الولايات المتحدة، التي تُعد بآلاف المليارات. وهو أمر كانت السعودية قد بدأت بالنظر فيه خلال السنين الماضية. فقيمة الدولار، كاليأس والأمل، متخيلة.
أما من الناحية العسكرية، فيمكن لِتفوّق تكنولوجي صغير، أو حتى تقدم تكنولوجي واحد، أن يغير المعادلة لصالح أعداء الولايات المتحدة أو خصومها. كما أن مجتمعها يشهد تفككًا محتدمًا. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع عام 2022 أن ما يقارب نصف المقترعين يعتقدون أنه حان وقت انقسام الولايات المتحدة إلى دولتين على أساس النظرة إلى الإجهاض — “حل دولتين” على قياسها. فمنطق الهويات الذي وظفه الاستعمار لتفكيك المجتمعات التي استهدفها يعود ليفكك المجتمعات التي أسسها. ويظهر عدد متزايد من الدراسات أن الدولة الأميركية تفقد شرعيتها، أي مبرر وجودها، بعين مجتمعها المفكك، بحيث يصبح الخطاب الانفصالي خطابًا شائعًا. يُضاف إلى كل ذلك فشل الولايات المتحدة في مواجهة الصين كما أقرته في وثيقة “الأمن الاستراتيجي” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والمخاطر العدة المتعلقة بالتحول الجذري في سياستها الخارجية التي أعلنته في الوثيقة ذاتها. فكما سقط العملاق السوفييتي على نحو غرة، يمكن للعملاق الأميركي أن يسقط هو أيضًا.
ليس ذلك، إطلاقًا، مدعاة للأمل. فهشاشة الولايات الواحدة، كمثال على هشاشة الأنظمة القائمة حول العالم، هي حجة لمخاصمة حتمية الانهزام، لا للخنوع لحتمية الانتصار. كما أن “السياسة تكره الفراغ”، فلا تتلاشى علاقات قوة دون أن يحلّ تلقائيًا محلّها علاقات قوة أخرى. وعليه، إن إدراك هشاشة الأنظمة القائمة هي مدعاة للعمل — وتحديدًا للعمل المنظم. فلم يكن بإمكان يحيى السنوار ومحمد الضيف إطلاق الطوفان دون حماس، ولا بنيامين نتنياهو القيام بإبادة وتوسع دون الليكود، ولا أحمد الشرع إحراز السلطة دون هيئة تحرير الشام، ولا زعماء طوائف لبنان تزعمها دون أحزابهم الطائفية، ولا، ولا. الواقع، إذن، ليس محتومًا، بل هو نتاج موازين قوى الذين انتظموا لفرض مشاريعهم. وأمامنا الخيار بين مشاهدتهم يقررون مصيرنا وبين الانتظام لانتزاع دور في تقرير مصيرنا. فلا نستسلم لليأس والأمل، بل ننتظم ونعمل.
