كفى خداعاً: “بناءُ الدّولة” في لبنان.. ليس بنداً واحداً!

يتخيَّل إلينا، عندما نستمع اليوم إلى بعض الحديث الدّائر لا سيّما ضمن أوساط رسميّة (أو "سياديّة") لبنانية معيّنة، كما إلى أغلب خطابها السّياسيّ المتجلّي في المرحلة الرّاهنة بشكل خاصّ: يتخيّل إلينا، إلى حدّ كبير نسبيّاً، وربّما يكون ذلك مقصوداً.. وكأنّ مشروع "بناء الدّولة" في لبنان، يتمحور حول نقطةٍ واحدةٍ فقط عمليّاً أو ضمنيّاً، ألا وهي مسألة "حصر السّلاح" كما تُسمّيها الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، أو مسألة ما يُشار إليه أحياناً "باحتكار العنف".

ولكن، أيّها الاخوة والأصدقاء والجيران في هذه البقعة من الأرض: ماذا عن الأمور الأخرى؟ حقّاً، هل بات “بناء الدّولة” عند البعض.. محصوراً، فعلاً، بمسألة “حصر السّلاح” هذه فقط؟

نعم، في أحيانٍ كثيرة ومتصاعدة التّكرار والحدّة، وإذا ما راقبنا المشهد بهدوء وبموضوعيّة وبنظرة واسعة كما يُقال: يتخيّل إلينا، إذن، وكأنّنا أمام نوعٍ من الخداع السياسيّ المُبين، أو أمام ديماغوجيا سياسيّة قد تكون مَدروسة و/أو مُقنّعة.

فكما يُعبّر بعض أهلنا في الخليج: هل “يَستوي” ويصحّ السّير في طريق يقال فيه ظاهراً أو باطناً.. إنّ “بناء الدّولة” يُختصر عمليّاً في بندٍ واحدٍ (يعني جهةً واحدةً أيضاً، من زاوية السّياسة اللّبنانيّة وللأسف)؟

ولماذا لا يجري الحديث إذن عن البنود الأخرى وبجدّيّة وبنفس الحدّة والهَيجان الفكريّ والعاطفيّ.. خصوصاً من قبل أطراف تتحدّث اليوم بتطرّف حول مسألة “احتكار حمل السّلاح”، فيما هي نفسها من بين الذين يقفون عمليّاً وواقعاً.. في وجه تطبيق بنود أخرى، قد تكون أكثر جوهريّةً وأساسيّةً في أيّ مشروع حقيقيّ لبناء أيّ “دولة”؟

لذلك، فمن الواضح أنّ علينا اعادة التّذكير بأنّ مشروع “بناء الدّولة” في لبنان لا يمكن أن يمرّ من دون نقاط أساسيّة ومفصليّة متعدّدة، ولكنّها سهلة الفهم إلّا على من لا يُريد أن يُحاور في حقيقة الأمور. وإذا وضعنا، جدلاً، مسألة “حصريّة السلاح” جانباً في هذا المقام ولو مؤقّتاً، أي من دون نقاشٍ ضروريٍّ في أحقّيّتها أو في مشروعيّتها أو في جدواها العامّة أو الخاصّة، فإنّ هناك أسئلة أخرى لا تقلّ أهميةً بل ربّما تفوقها خطورةً وجوهريّةً على الأرجح.. لا سيّما ضمن هذا العصر الذي نعيشُ فيه.

أوّلاً؛ هل يُمكن الحديث عن مشروع جدّي لبناء الدّولة من دون البدء بتنظيم انتخابات – نيابيّة خصوصاً – خارج القيد الطّائفي، كما ينصّ اتّفاق الطّائف نفسه.. أو حتّى من دون نصّ اتّفاق الطّائف نفسه؟ أيُّ “بناء دولة” هذا واقعاً، فيما لا تزال الانتخابات عندنا قائمةً على قوانين متخلّفة لا علاقة لها لا “بدولة” ولا بمفهوم مواطنة؟

حقّاً وواقعاً، لماذا نُكثر الحديث والتّنظير حول “حصر السّلاح”.. فيما نحن لم نزل نتغافل عن عن حقيقة أنّنا ننتخب – إلى اليوم – مجالس نيابيّة قد يكون تخلّف آليّات انتخابها متجذّراً في عصورٍ تشبه العصور الوسطى؟

باختصار: إلى بعض فلاسفة “حصر السّلاح”.. حقّاً وبصراحة وبأمانة، تفضّلوا أوّلاً أو بالتّوازي، ونظّموا – بجدّيّة وبلا تهرّب – انتخاباتٍ على أساس المُواطنة العصريّة ومن دون قيد طائفيّ..  وإلّا فإنّكم تقتلون أيّ جدّيّة للحديث عن مشروعٍ “بناء الدولة”.

ثانياً؛ ماذا عن الوظائف العامّة مثلاً، وبشكل عامّ، لا سيّما وظائف الفئة الأولى كما يُردّد عادةً في هذا البلد؟ أيُّ “بناء دولة” هذا الذي يخصّص مواقع كهذه، أو حتّى كغيرها، لطوائف بعينها؟

حقّاً، هل نحن مع البعض ضمن مشروع “دولة” عصريّة.. أم ضمن مشروع “مجلس عشائر” في الجاهليّة الأولى؟

هل يُمكن لأحدٍ منّا أن يتحدّث عن “دولة” حديثة.. فيما تُوزَّع الوظائف العامّة التي يُفترض أن تقوم على الجدارة والكفاءة والأمانة والخبرة.. على أساسٍ طائفيّ ومذهبيّ مُتخلّف؟

لماذا لا يجري الحديث بجدّية عن هذه النّقطة، وهي أيضاً واردة بشكل أو بآخر في اتّفاق الطائف؟ لماذا يجري الهروب منها إلى اليوم.. فيما لا ننفكّ “نصرع” رأس فريقٍ مُعيّنٍ بنقطة “حصر السّلاح”؟

قد يقول أحدهم عند هذا الحدّ: وما لك تتحدّث، أنت، بمنطق يُشبه منطق العشائر؟ وجوابي واضح وصريح واقعاً: وهل شكل هذه “الدّولة” الذي ما زلتم تدافعون عنه ظاهراً أو باطناً.. إلّا شكل دولة قبائل وعشائر؟ وإلّا: لماذا لا نُطبّق ما سبق بأمانة ولا نوقف اللّفّ والدّوران والخداع؟

ثالثاً؛ ماذا عن الامتيازات الاقتصاديّة والتّجاريّة والماليّة التي لم تزل تُمنح، بشكلٍ واضحٍ أو ضمنيّ، لطوائف أو لعائلات أو لشبكات نفوذ معيّنة؟ هل نبني “دولةً” حديثةً فيما لا تزال بعض أو أكثر مفاصل الاقتصاد تُدار، عمليّاً، بعقليّة الامتيازات والمحاصصة والانتماء القبليّة-الطّائفيّة؟

رابعاً؛ كيف يمكن “بناء دولة” فيما لا نؤسّس أصلاً لقانون أحزاب يكون عصريّاً ونافذاً بشكل جدّيّ أيضاً: يدفع أيّ حزب، بشكل عمليّ وملموس، نحو الخروج من عقليّة ومن عمليّة الاستقطاب الطّائفي.. ونحو الدّخول إلى المجال الوطنيّ – المُواطِنيّ – الأوسع؟

باختصار: كيف نتحدّث عن مشروع “بناء دولة”.. من دون العمل الجدّيّ والملموس على انتاج حياة سياسيّة وطنيّة فعليّة وعلى أرض الواقع؟ أم سنبقى، كما البعض، نتحجّج بمسألة “سلاح المقاومة” أو “سلاح حزب الله”؟

إمّا أن نكون صادقين فنتحدّث حول جميع النّقاط.. أو لا يُمكننا بتاتاً أن نعتبر أنّنا في طور حوارٍ جدّيّ وفعّال في هذا البلد.

إقرأ على موقع 180  معركة إدلب المرتقبة: الحدود والأبعاد

خامساً؛ ماذا عن سياسة تسليح الجيش الوطنيّ نفسه؟ هل من المقبول أن نتحدّث عن “بناء دولة”.. فيما يُربَط تسليح الجيش اللبنانيّ عمليّاً بإرادة وبرحمة جهة دوليّة واحدة دون غيرها؟ هنا أيضاً، أيُّ “بناء دولة” هذا، فيما قرار تسليح الجيش لم يزل، إلى حدٍّ بعيد، خاضعاً للإرادة الأميركيّة بالذّات، أي لإرادة الحليف الامبراطوريّ التّوسّعيّ.. غير المشروط لـ”إسرائيل”؟

وهل يمكن أصلاً الحديث عن “سيادةٍ” مكتملة فيما سياسة – وربّما إدارة – أحد أهمّ أعمدة السّيادة.. تبقيان مرهونَتَين بهذا الشّكل؟

في الخلاصة، إذا كان لا بدّ من الحديث عن “بناء الدّولة” بيننا ــ وهذا أمرٌ ايجابيّ ومطلوب بالتّأكيد، وفي المبدأ ــ فلنوقفْ هذا الخداعَ القائمَ حاليّاً، أو الذي كان قائماً في السّابق أيضاً (عن قصد أو عن غير قصد).

ولنُقِرّ بوضوح وبموضوعيّة بأنّ بناء الدّولة لا يُمكن إلّا أن يكون.. سلّة متكاملة. قد تشمل هذه السّلّة مسألة سياسة “حصر السّلاح”، نعم، ولكنّها تشمل بالتّأكيد أيضاً سياسات بناء المواطنة، وبناء المؤسّسات، وبناء دولة القانون الجدّيّة.. وصولاً، بالطّبع وفي نفس الاطار، إلى الخروج الجدّيّ ولو بالتّدرّج من الطّائفية السّياسيّة والاداريّة، ومن سياسات المُحاصَصة، ومن الذّهنيّة العشائريّة-المذهبيّة التي ما تزال تتحكّم بكل مفاصل “الدّولة” هذه.

إن كنّا جدّيّين حقّاً: فلنتحدّث إذن، من الآن فصاعداً، عن سلّةٍ متكاملة لبناء الدّولة (عبر “الطّائف” أو عبر غيره إن شاء الذين يشاؤون في هذا البلد). أمّا أيّ حديثٍ يتجاهل هذه العناصر الأساسيّة، فلا يمكن اعتباره حديثاً جدّيّاً أبداً.. هذا إن لم نقلْ إنّه سيّئ النّيّة أساساً.. وللأسف.

 

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  طلال سلمان بادر، أنتج.. ونجح