ترامب يفقد سحره أميركياً.. والجمهوريون أكثر جرأة 

يحسد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزعيمين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، لسبب واحد: كلا الرجلين عدلا دستوري بلديهما، بحيث يستطيعان، البقاء في منصبيهما لأكثر من ولاية، بخلاف ما هو معمول به في الولايات المتحدة من تحديد مدة الرئاسة بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتدشينه الولاية الثانية في انتخابات 2024، تطرق أكثر من مرة إلى امكان الترشح لمرة ثالثة، على رغم الموانع الدستورية. لكنه في المدة الأخيرة، صار أكثر اقتناعاً بصعوبة المسألة، إن لم يكن باستحالتها، فكف عن إثارتها وبات يطرحها من قبيل التمني، ليس إلا.

هذا لا ينزع عن ترامب التصرف بطريقة “ملوكية”. فهو يعتبر نفسه أهم رئيس عرفته الولايات المتحدة. وقد صاغ عالما السياسة أبراهام نيومان من جامعة جورجتاون، وستايسي غودارد من كلية ويليزلي، مصطلح “الملكية الجديدة” لوصف ترامب. وكتبا في مقال نشر مؤخراً بصحيفة “النيويورك تايمز” الأميركية، إن السياسة الخارجية في الولايات المتحدة “أصبحت أداة لتوجيه المال والنفوذ نحو ترامب وأقرب مساعديه.. بدلاً من التنافس مع المنافسين، فإن ترامب على استعداد للتواطؤ معهم لخدمة مصالح حاشيته الضيقة”.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، لم يتوانَ ترامب عن القول في الخطاب الذي القاه أمام منتدى دافوس في سويسرا: “يقولون عادة إنني نوع من الديكتاتور الرهيب، وأنا ديكتاتور. لكن أحياناً تحتاج إلى ديكتاتور!”. وسبق لترامب أن اقترح مرتين الغاء الانتخابات النصفية التي ستجري في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بسبب خوفه، من خسارة الجمهوريين لسيطرتهم على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ، نتيجة تزايد استياء الناخبين من ارتفاع التضخم، على خلفية حرب إيران، فضلاً عن ارتفاع سعر غالون البنزين إلى 5 دولارات وغالون الديزل إلى 6 دولارات، ليجرا معهما بقية السلع صعوداً.

في السياسة الخارجية، لم تكن إيران هي بداية التعثر لسياسة ترامب الخارجية. فهو استهل ولايته الثانية باصدار أوامر تنفيذية تتعلق بنواحي كثيرة، أبرزها زيادة حادة في الرسوم الجمركية على الحلفاء قبل الخصوم. وعندما اصطدمت حربه التجارية بالصين، ثاني أقوى اقتصاد بالعالم، تراجع خطوة إلى الخلف وأبرم على مضض هدنة تجارية مع بكين. غير أنه أرغم الاتحاد الأوروبي على ابرام اتفاق تجاري لمصلحة أميركا. وعاقب الدول الأوروبية لرفضها فكرة ضم الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند الدانماركية في القطب الشمالي، وانتقم من كندا لأنها رفضت أن تصير الولاية الأميركية الـ51. وخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهدّد بالتدخل العسكري في المكسيك ضد كارتلات المخدرات، ويقصف بشكل دوري قوارب يقول إنها لمهربي مخدرات في الكاريبي والمحيط الهادىء، ويفرض حصاراً نفطياً محكماً على كوبا، مطالباً بتغيير النظام هناك.

وفي الداخل، تبدى ولع ترامب بـ”الديكتاتورية”، بسلسلة من الإجراءات التي تضمنت شن حملات واسعة على المهاجرين غير القانونيين، وترحيلهم إلى بلدان في أميركا اللاتينية. وعمد إلى انزال الجيش في عدد من الولايات باسم مكافحة الجريمة. واختار عن قصد الولايات المعروفة بتأييدها للحزب الديموقراطي، على رغم احتجاج حكامها.

وفي 3 آذار/مارس الماضي، خرج الملايين في تظاهرات تحت شعار “لا ملوك” في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، احتجاجاً على سياسات ترامب والحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.

وتمجيد الذات لا يعرف حدوداً عند ترامب. وهذا ما جعله يستعيض عن عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة، بفعل أشياء تخلد اسمه. ومن هذا القبيل، كتب اسمه إلى جانب اسم جون كينيدي على “مركز كينيدي للفنون” في واشنطن العاصمة.

وفي سلوك يشبه سلوك الأباطرة الرومان، وفق ما كتبت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، سيعمد ترامب إلى انشاء قوس للنصر أكبر من قوس النصر في باريس، وسيقيم مباراة للمصارعة الحرة في حديقة البيت الأبيض في 14 حزيران/يونيو. وما يزال الجدل دائراً حول الجدوى من قاعة الرقص الضخمة التي قرر ترامب بناءها في البيت الأبيض، والتي يقول إنها ستشمل أيضاً بناءً أمنياً كبيراً.

وذهب ترامب أبعد من ذلك، عندما قرر انشاء صندوق “مكافحة التسييس” برأسمال من نحو 1.8 مليار دولار، لدفع تعويضات لأنصاره الذين اقتحموا مبنى الكونغرس في 6 كانون الثاني/يناير 2021، في محاولة لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الديموقراطي جو بايدن. وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، سارع إلى اصدار عفو عن الأشخاص الذين دينوا باقتحام المبنى والتسبب في مقتل عدد من رجال الشرطة. جاء انشاء الصندوق المذكور، كجزء من صفقة أبرمتها ادارة ترامب لاسقاط دعوى قضائية بقيمة 10 مليارات دولار ضد مصلحة الضرائب الأميركية، على خلفية تسريب قراراته الضريبية. وترافق ذلك، مع اصدار وزارة العدل وثيقة تمنع بموجبها الحكومة الأميركية “إلى الأبد” من ملاحقة ترامب أو أفراد من عائلته أو شركاته.

جنوح ترامب إلى الاستبداد اصطدم بالقضاء. وقد ألغت المحكمة الفيديرالية العليا مطلع العام الجاري، الزيادات التي أقرها الرئيس على الرسوم الجمركية. وتلقى ضربة أخرى، بتجميد قاضية فيديرالية في ولاية فيرجينيا، تحرك ادارة ترامب لانشاء صندوق “مكافحة التسييس”، الذي عارضه مشرعون جمهوريون بارزون مثل ميتش ماكونيل، واعتبروه بمثابة مكافأة لأنصار ترامب ستُدفع من جيوب دافعي الضرائب. ورأى كاتب العمود في “النيويورك تايمز” توماس فريدمان، أن ترامب “فشل كقائد أعلى لأميركا ويتصرف كقائد لصوص أعلى”.

إقرأ على موقع 180  معركة مأرب.. مصير اليمن بين أصابع بلقيس

كما سبق لقضاة فيديراليين أن جمّدوا أوامر تنفيذية لترامب تتعلق بترحيل أشخاص من الولايات المتحدة. والشهر الماضي، أصدر قاض فيديرالي أمراً، بإزالة اسم ترامب من واجهة “مركز كينيدي”.

ولعل أكثر ما يقلق ترامب هو تجرؤ مشرعين جمهوريين على تحدي قراراته. وبرز ذلك، خلال تصويت مجلس النواب على قرار يحد من صلاحيات ترامب في حرب إيران. وانضم أربعة جمهوريين إلى الديموقراطيين حتى توافرت الغالبية اللازمة لاقراره. وعلى رغم رمزية القرار وانعدام فرص تحوله قانوناً حتى ولو صادق عليه مجلس الشيوخ، بسبب “الفيتو” الرئاسي المتوقع، فإن ذلك شكّل رسالة تحذير لترامب، الذي يحكم قبضته على الحزب منذ عام 2016. وسبق لمجلس الشيوخ أن مرّر الشهر الماضي تصويتاً إجرائياً يسمح بطرح مشروع قرار يحد من صلاحيات ترامب في الحرب.

ويقف سناتورات جمهوريون إلى جانب الديموقراطيين في معارضة طلب ترامب رصد مليار دولار لبناء قاعة الرقص في البيت الأبيض. ولذلك، لجأ الرئيس الأميركي إلى متبرعين لانجاز المشروع.

وأثار ترامب جدلاً واسعاً وانتقادات لاختياره أبرز داعميه السياسيين بيل بونتي مديراً مؤقتاً للاستخبارات الوطنية خلفاً لتولسي غابارد التي استقالت لتحفظاتها على حرب إيران. ويتهم الديموقراطيون بونتي بالافتقار إلى الخبرة في الاستخبارات أو الأمن القومي. وحذّر زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون قائلاً: “لسنا في حاجة إلى جهاز استخبارات مُسيّس، بل إلى محترفين”.

ما يُشجع بعض الجمهوريين على التمرد، هو تدني شعبية ترامب إلى مستويات قياسية عشية الانتخابات النصفية، في وقت تعارض الغالبية الساحقة من الأميركيين ذهاب ترامب إلى حرب إيران، التي تسببت بصدمة نفطية أدت إلى زيادة معدلات التضخم في أميركا والعالم.

وعلى رغم مصادقة مجلس الشيوخ الجمعة، على تمويل بقيمة 70 مليار دولار لدعم حملة ترامب المشدّدة ضدّ الهجرة، فإن المداولات التي سبقت المصادقة، أظهرت انقسامات عميقة داخل الحزب الجمهوري إزاء سياسات الرئيس.

ومن ملامح الانقسام، أن بعض الجمهوريين انضم إلى الديموقراطيين في اقرار مشروع يفرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا. وفي مجلس النواب أيضاً، انضم 18 نائباً جمهورياً إلى الديموقراطيين لتبني قرار بتقديم مساعدات لأوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا في وقت سابق من الأسبوع.

بعد انفضاض شخصيات مهمة في تيار “ماغا” اليميني المتطرف بسبب حرب إيران، هل بدأ ترامب يفقد سحره على الجمهوريين أيضاً؟ سؤال لن تتضح مقومات الجواب عليه قبل اختبار الانتخابات النصفية في الخريف المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  التحليل والقرار /السياسي في عالم الفوضى الذكية!