“لسنوات طويلة، واجهت إيران توازن قوى في الشرق الأوسط يميل ضدها؛ إذ كانت المنطقة واقعة تحت هيمنة قوة عظمى أميركية معادية، وإسرائيل المتفوقة عسكرياً والمسلحة نووياً، إلى جانب قوى إقليمية بارزة، مثل مصر والسعودية والإمارات، ارتبطت بالولايات المتحدة بتحالفات استراتيجية واقتصادية وثيقة.
أما اليوم، فتجد إيران نفسها في ظروف مختلفة تماماً. فقد خاضت مواجهة مباشرة مع القوة العظمى وإسرائيل، وصمدت أمام ضربات موجعة بأحدث أسلحتهما، بل تجاوزت مجرد البقاء إلى ما هو أبعد من ذلك. ونتيجة هذه المواجهة، تمكنت إيران ـ وبمساعدة أميركية، للمفارقة ـ من إعادة تشكيل بنية القوة في الشرق الأوسط والخليج العربي بصورة جذرية. القوة المهيمنة في المنطقة مستقبلاً ستكون إيران، لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل. وقد بدأت الدول المجاورة بالفعل التكيف مع هذا الواقع الجديد، وستلحق بها القوى الأبعد. طوال سنوات، تعامل العالم مع إيران مكبّلة ومقيّدة؛ أما الآن، فسيكتشف كيف تبدو «إيران بلا قيود».
لا تحتاج إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. فقد ثبت خطأ الاعتقاد الشائع بأن إيران الضعيفة والمفتقرة إلى الموارد ستضطر في نهاية المطاف إلى التكيف مع القوة الأميركية، وفتح مضيق هرمز، والانصراف إلى معالجة اقتصادها المتضرر بشدة. ونادراً ما بدت الجمهورية الإسلامية أكثر ضعفاً أو هشاشة مما كانت عليه خلال العامين الماضيين. ففي فبراير/شباط 2025، أعاد ترامب إطلاق حملة «الضغط الأقصى» والعقوبات، ملحقاً أضراراً بالغة باقتصاد إيران الضعيف أصلاً، وحارماً خزينة الدولة مليارات الدولارات من الإيرادات. ثم شنت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران من العام نفسه بهدف تدمير المنشآت النووية الإيرانية. وألحقت تلك الحرب أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي، وكشفت مدى هشاشة البلاد أمام الضربات الإسرائيلية والأميركية.
وفي فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الأخيرة، التي بدأت باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وغالبية كبار المسؤولين في النظام، وأعقبتها أكثر من خمسة أسابيع من الهجمات المتواصلة على القدرات العسكرية الإيرانية. وبرغم كل ذلك، صمد النظام ولم يقدم أي تنازل. بل على العكس، كشفت إيران عن كعب أخيل الأميركي: هشاشة جيران إيران.
جاءت نقطة التحول الرئيسية في منتصف مارس/آذار، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز «بارس الجنوبي» الإيراني، فردت إيران باستهداف مجمع «رأس لفان» في قطر، أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم. وأظهر الهجوم أنه، وإن كانت إيران عاجزة بوضوح عن هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، فإن صواريخها وطائراتها المسيّرة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للنفط والغاز في الخليج، بما يكفي لإغراق العالم في أزمة اقتصادية طويلة.
أدركت دول الخليج ذلك فوراً، وكذلك ترامب. فأوقف الهجمات على أهداف الطاقة الإيرانية، وأمر إسرائيل المتملصة بأن تفعل الشيء نفسه، ثم سرعان ما أوقف الحملة الكبرى بأكملها من دون إضعاف موقف إيران أو انتزاع تنازل واحد منها. ومنذ ذلك الحين، وبرغم تهديداته المتكررة، لم يأمر ترامب ولو مرة واحدة بشن ضربة جديدة على البنية التحتية للطاقة الإيرانية.
كان ذلك وحده كفيلاً بتغيير ميزان القوى والنفوذ بين إيران والولايات المتحدة. فمن أبريل/نيسان حتى يوليو/تموز، هدد ترامب مراراً بشن هجوم ضخم جديد على إيران. وفي كل مرة كانت طهران تهدد بالرد وتحذر دول الخليج من العواقب، ليتراجع ترامب في النهاية. وبعد المرة الثالثة أو الرابعة، بات لدى طهران سبب كافٍ للاعتقاد بأن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في مجاراتها صعوداً على سلم التصعيد.
وأوضح ترامب ذلك بنفسه عندما أشار، في منتصف يونيو/حزيران، إلى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى «كارثة اقتصادية»، وربما حتى إلى «كساد كبير»، وأنه لا يريد أن يصبح مثل هربرت هوفر. ومنذ ذلك الحين، بدا ترامب حريصاً بشدة على إنهاء الصراع.
عكست مذكرة التفاهم التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران هذا الواقع. وعلى الرغم من صياغتها بطريقة تحفظ ماء وجه الولايات المتحدة قدر الإمكان، فإنها مثلت انتصاراً واضحاً لإيران. فقد نصت المذكرة على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ دون غيرها من الدول ـ هي التي ستضع «الترتيبات» اللازمة لـ«المرور الآمن للسفن التجارية» عبر مضيق هرمز. ومن خلال حوار مع سلطنة عُمان، ومن دون وسطاء أو أطراف أخرى، ستحدد إيران إدارة المضيق «بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المطلة عليه».
لم تدعُ مذكرة التفاهم إلى العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب، كما لم تمنح الولايات المتحدة أي دور في الإدارة المستقبلية للمضيق. بل جعلت إيران الطرف الفاعل الوحيد إلى جانب عُمان الأضعف، وسمحت لها حتى بفرض رسوم على الدول مقابل المرور الآمن بعد 60 يوماً. وهكذا جسدت مذكرة التفاهم الهزيمة التي مُنيت بها الولايات المتحدة في مارس/آذار، عندما أدرك ترامب ـ كما يبدو ـ أنه إما غير قادر على المخاطرة بشن مزيد من الهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة، أو غير راغب في ذلك.
وبالنظر إلى الوراء، لا يبدو أن القادة الإيرانيين اعتقدوا أنهم كانوا بحاجة إلى مذكرة التفاهم أساساً. وتشير التقارير إلى أن مسعود بزشكيان اضطر إلى إقناع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بالتوقيع عليها. وكانت اللامبالاة النسبية التي أبدتها طهران مفهومة: فالتنازلات الأميركية عكست يأساً كبيراً من أجل إنهاء الحرب، إلى حد جعل الإيرانيين يتوقعون أن الولايات المتحدة ستتراجع في نهاية المطاف، سواء جرى التوصل إلى اتفاق أم لا.
ولم يتردد القادة الإيرانيون في تقويض وقف إطلاق النار تقريباً فور بدء البحرية الأميركية مرافقة ناقلات النفط عبر الجانب العُماني من المضيق. وربما يكون ترامب قد أدرك ـ أو لم يدرك ـ المدى الكامل للتنازلات التي قدمها مفاوضوه بشأن السيطرة على المضيق، لكن الممر العُماني بدا، من وجهة النظر الإيرانية، محاولة أميركية لاستعادة ما سبق أن تنازلت عنه واشنطن.
ولفترة من الوقت، انخرطت الولايات المتحدة وإيران في تبادل للضربات، بلغ ذروته بهجمات أميركية مكثفة في منتصف يوليو/تموز. وعندما لم تسفر هذه الضربات عن نتيجة، حذر ترامب، في 15 يوليو/تموز، من أن الولايات المتحدة «ستدمر جميع محطات الطاقة لديهم» و«جميع جسورهم» ما لم تتفاوض إيران. ومع ذلك، لم يعقب هذا التهديد أي هجوم.
ثم عرف العالم ـ والإيرانيون ـ أحد الأسباب الرئيسية لذلك. فقد كشفت تقارير أن المخزونات الأميركية من الذخائر الحيوية انخفضت إلى مستويات خطرة، وأن رئيس أركان الجيش الأميركي نفسه كان يبحث عن «مخرج»، في إشارة واضحة إلى المسار المستقبلي للاستراتيجية الأميركية. فشن هجوم كبير على إيران من شأنه أن يهدد المصالح الأميركية في مناطق أخرى من العالم، من خلال إضعاف قدرة الولايات المتحدة على الرد في حال تحركت الصين ضد تايوان أو شنت روسيا هجوماً على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
كما يضاعف نقص الصواريخ المخاطر المترتبة على أي هجوم واسع النطاق على البنية التحتية الإيرانية؛ إذ سيضطر الولايات المتحدة إلى إرسال مزيد من الطائرات المأهولة إلى مدى الدفاعات الجوية الإيرانية، فيما لا تمتلك سوى عدد محدود نسبياً من الصواريخ الاعتراضية لحماية دول الخليج وقواعدها الإقليمية. وسيكون خطر سقوط قتلى في صفوف القوات الأميركية مرتفعاً، شأنه شأن خطر تدمير البنية التحتية للطاقة في المنطقة. ولا يوجد ما يضمن أن يكون مثل هذا الهجوم أكثر فاعلية من عمليات القصف التي استمرت أكثر من خمسة أسابيع في وقت سابق من هذا العام.
أوضحت التصرفات الأميركية أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر مما تخشاه إيران، ليس في الوقت الراهن فحسب، بل في المستقبل أيضاً. وهذا يضع حدوداً لما تستطيع الولايات المتحدة فعله حتى عند المستويات المنخفضة من الصراع. ولأن أي عمل عسكري ضد إيران يحمل في طياته خطر الدخول في سلم تصعيد لا ترغب الولايات المتحدة في صعوده، يبدو أن الضربات الانتقامية المتبادلة لم تعد جزءاً من الاستراتيجية الأميركية.
وتشير التقارير إلى أن الرئيس ترامب أبلغ مستشاريه بأنه لا يريد إصدار أوامر بشن مزيد من الضربات. وخلال هذا الشهر، ضرب الإيرانيون عدة سفن إماراتية، بل أطلقوا صواريخ باليستية على الإمارات، لكن الولايات المتحدة لم ترد منذ يوليو/تموز. وهي حقيقة لا شك في أنها حظيت باهتمام بالغ لدى الإمارات وجيران إيران الآخرين.
وفي ظل التردد الأميركي الواضح في خوض حملة عسكرية كبرى أخرى، ثمة ما يدفع إيران إلى التساؤل: ما الذي يمكن أن تحصل عليه من خلال اتفاق لم تكن لتحصل عليه من دونه على أي حال؟
يطالب كبار المسؤولين الإيرانيين الآن بانسحاب القوات الأميركية، ورفع الحصار البحري وجميع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات الحرب. والرأي السائد هو أن القادة الإيرانيين يعرفون أن هذه المطالب غير قابلة للتنفيذ بالنسبة إلى واشنطن، وأنهم، بالتالي، إما يريدون إذلال ترامب وإبراز حجم هزيمته، أو يسعون إلى صفقة أفضل، أو يبالغون في استعراض قوتهم.
ولا يزال العديد من المراقبين يفترضون أن السيطرة على المضيق ليست سوى ورقة مساومة لانتزاع مزيد من التنازلات من الولايات المتحدة، أو لإجبار ترامب على العودة إلى مذكرة التفاهم. لكننا تجاوزنا كل ذلك بكثير؛ فالمنتصر لا يعود إلى طاولة المفاوضات إلا ليملي شروط الاستسلام.
لقد وضعت إيران هذه الشروط الآن. وقد تبدو متطرفة ومبالغاً فيها، لكن طهران لا تعتقد أن لديها سبباً يدفعها إلى المطالبة بأقل منها. وقد أوضحت إيران منذ أشهر أن السيطرة على المضيق ليست موضع تفاوض.
أما الفكرة التي تروج لها إدارة ترامب ووسائل الإعلام باستمرار، ومفادها أن الإيرانيين لا يستقرون على رأي ويغيرون مواقفهم باستمرار، فهي محض هراء. فمنذ أبريل/نيسان الماضي، أعلن مجتبى خامنئي أن إيران ستطبق «أطراً قانونية وإدارة جديدة» للمضيق، وأن «الأجانب القادمين من على بعد آلاف الكيلومترات» لا مكان لهم في الخليج «إلا في قاع مياهه». وفي ذكرى هزيمة البرتغال في المضيق عام 1622، أعلن أن «بمشيئة الله وقدرته، فإن المستقبل المشرق لمنطقة الخليج العربي سيكون مستقبلاً بلا أميركا».
إن الاعتقاد بأن إيران، بعدما نجت من الضربات العسكرية والعقوبات، ستستسلم الآن للعقوبات وحدها هو ضرب من الوهم. فقد أعاد مجتبى خامنئي هيكلة قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وعيّن محاربين قدامى من الحرس الثوري في مناصب عليا. ويترأس القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي الآن المجلس الأعلى للأمن القومي، فيما رُقّي مسؤولون أمنيون متشددون آخرون إلى مواقع أعلى. والنظام الذي يخرج من هذه الحرب يعاد تنظيمه على أيدي رجال يعتقدون أن إيران نجت من محاولة أميركية ـ إسرائيلية لتدميرها، وأن التحدي، لا المساومة، هو الذي يحقق النصر.
لكن الأمر يتجاوز مجرد الشعور بالانتصار. فبالنسبة إلى الإيرانيين، ليست السيطرة على المضيق ترفاً ولا ورقة مساومة. ونظراً إلى احتمال أن تشن إسرائيل أو الولايات المتحدة هجوماً جديداً في المستقبل، سواء جرى التوصل إلى اتفاق أم لا، يوفر المضيق لإيران أقوى وسائل الردع وأكثرها ضماناً، وهو أيضاً مفتاح لفك العديد من القيود التي فرضها عليها، على مدى عقود، النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ولتفكيك نظام اقتصادي إقليمي وعالمي صُمم لإقصائها وإفقارها. وقد لخّص متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني رؤية النظام بوضوح: «بالنسبة إلينا، ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي اقتصادي، بل عنصر أساسي في قوتنا الجيوسياسية والاستراتيجية».
تعمل إيران منذ أشهر على إنشاء آليات السيطرة وتعليم مالكي السفن والدول كيفية عمل النظام الجديد. فقد أنشأت «هيئة مضيق الخليج العربي»، وطالبت شركات الشحن بالتسجيل لديها والحصول على تصاريح، واتباع المسارات التي تحددها إيران، والدفع مقابل التأمين والأمن اللذين توفرهما.
ولا تطالب إيران بحق جمع الأموال فحسب، بل أيضاً بحق تحديد من يُسمح له بالمرور. فقد اقترحت استبعاد السفن المرتبطة بحكومات تعتبرها معادية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، وطالبت بتعويضات من الدول التي شاركت في الهجمات عليها. وبذلك ترسي إيران مبدأً جديداً: المرور عبر المضيق سيكون، من الآن فصاعداً، امتيازاً تستطيع طهران منحه أو تقييده أو تأخيره أو رفضه.
وقد بدأت دول أخرى بالفعل التكيف مع الترتيب الجديد؛ إذ سعت الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين ودول أخرى إلى التوصل إلى تفاهمات.
تُعد سيطرة إيران على مضيق هرمز أداة قوة أكثر فائدة مما قد يكون عليه السلاح النووي. فالسلاح النووي قد يردع هجوماً، لكن السيطرة على المضيق تمنح إيران نفوذاً يومياً على عشرات الدول. وبواسطتها تستطيع إيران مكافأة الأصدقاء، ومعاقبة الأعداء، وجني الإيرادات، وفرض تخفيف العقوبات، ودفع الحكومات إلى التفكير مرتين قبل معارضة سياساتها. ويمكنها فعل كل ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة، مع الاحتفاظ بالقدرة على التهديد بالحرب عند الضرورة.
وستحافظ إيران على سيطرتها على تدفقات الطاقة لمدة عامين على الأقل؛ إذ تشير أكثر التوقعات تفاؤلاً إلى أن إنشاء خطوط أنابيب وطرق تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة. لكن السؤال هو ما إذا كانت هذه المشاريع ستتحقق أصلاً؟
فخطوط الأنابيب والموانئ ومنشآت الطاقة الجديدة ستكون عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تماماً كما كانت المنشآت السابقة. فهل ستقف إيران متفرجة بينما تبني الدول المجاورة الوسائل التي تتيح لها الإفلات من سيطرتها؟
إن الدول الصغيرة التي سيتعين عليها بناء هذه الطرق وتأمينها ستكون حذرة من إثارة غضب إيران، ولا سيما بعدما أثبتت الحماية الأميركية محدوديتها. وتحاول إيران بالفعل ثني العراق عن تطوير ممرات بديلة لتصدير النفط، جزئياً من خلال عرض المرور الآمن للناقلات العراقية بشروط إيرانية.
لقد بدأ التكيف الإقليمي بالفعل. فحكام الخليج الذين اعتمدوا في السابق على ضمانة أمنية أميركية يجدون أنفسهم الآن مضطرين إلى التصالح مع القوة التي أثبتت قدرتها على هزيمة حاميهم.
إن رفض السعودية «اتفاقيات أبراهام» المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل لمصلحة ميثاق استراتيجي مع باكستان وتركيا يلمّح إلى معالم المستقبل. كانت اتفاقيات إبراهيم تمثل ترسيخاً للقوة والنفوذ الإسرائيليين في المنطقة، ومزيداً من احتواء إيران؛ أما ميثاق مكة فهو شيء مختلف تماماً.
فلا باكستان ولا تركيا تعتبران إيران التهديد الرئيسي؛ كما أن لباكستان، مثل إيران، علاقات وثيقة مع الصين، فيما تعتبر إسرائيل تركيا تهديداً إقليمياً يأتي في المرتبة الثانية بعد إيران. وبدلاً من نظام أميركي ـ إسرائيلي، سيكون هذا الاصطفاف أقل عداءً لإيران، وأقل ودية لإسرائيل، وأكثر استقلالية عن الولايات المتحدة.
كما تجمع الموقعين مسألة مشتركة هي السلاح النووي: فباكستان تمتلكه، فيما يرغب الأتراك والسعوديون في الحصول عليه.
وفي هذه الأثناء، ستكون إيران حرة في استئناف برنامجها للأسلحة النووية من دون خوف من هجوم كبير آخر. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بتغيير التوازن الإقليمي. ففي العام الماضي، قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية على مدى 12 يوماً من دون مواجهة رد انتقامي إيراني خطير. أما الآن، فقد تجرأت إيران على استخدام سيطرتها على المضيق وتهديداتها للدول المجاورة وبناها التحتية للطاقة لردع أي ضربات من هذا النوع في المستقبل المنظور.
وستحتاج الولايات المتحدة إلى وقت طويل لإعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ والصواريخ الاعتراضية، وقد تحتاج إليها في مناطق أخرى من العالم خلال السنوات المقبلة. وفي هذه الأثناء، ستعيد إيران تسليح نفسها بمساعدة روسية وصينية، ما قد يضع الولايات المتحدة بعد عام في موقف أسوأ مما هي عليه اليوم.
وستمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. فحلفاء أميركا في آسيا وأوروبا يستطيعون أن يروا أن حرباً قصيرة نسبياً ضد قوة من الدرجة الثانية استهلكت قسماً كبيراً من مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الضرورية للدفاع الصاروخي. ويستطيعون أن يروا أيضاً أن الولايات المتحدة بدأت حرباً لم تستطع إنهاءها، وتعرض شركاؤها للانتقام، ثم توقفت عندما أصبحت التكاليف باهظة للغاية.
قد يكون من المستحيل معرفة الاستنتاجات التي خلصت إليها بكين بشأن تايوان، أو موسكو بشأن أوروبا، لكن حلفاء أميركا سيتساءلون حتماً عما إذا كانت واشنطن تمتلك الأسلحة والقدرة على التحمل والإرادة السياسية اللازمة لاستدامة صراع كبير آخر. وفي الواقع، هم يتساءلون بالفعل.
قبل الحرب، لم يكن النظام الإيراني يسيطر على أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم، ولم تكن لديه آفاق الإيرادات والنفوذ المتزايدين التي يمتلكها الآن، ولا القدرة المثبتة على ردع الولايات المتحدة، ولا هيبة تحقيق انتصار كان يبدو مستحيلاً.
إن النظام الذي نجا مما اعتقد معظم العالم أنه سيؤدي إلى تدميره، ثم أجبر القوة المهيمنة في العالم على التراجع، سيخرج من الحرب أكثر قوة. ومثل هذا النجاح يولّد الثقة، وربما الثقة المفرطة. لكنه لن يجعل القادة الإيرانيين أقل طموحاً، ولا أقل تمسكاً بالقناعة التي يعتقدون أنها قادتهم إلى هذا الانتصار – المعجزة.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ كبار المسؤولين الإيرانيين يتحدثون علناً عن تبني موقف «هجومي بالكامل»، وظهرت تقارير عن خطط إيرانية لتوسيع دائرة أهدافهم لتشمل دولاً أوروبية تستضيف قواعد أميركية.
ومن المثير للسخرية رؤية مقالات في صحيفة «نيويورك تايمز» تتساءل: «من سيطرف بعينه أولاً؟»، في حين أن الإيرانيين، حتى الآن، لم يطرفوا بعينهم ولو مرة واحدة، بينما لم تفعل إدارة ترامب سوى أن ترمش وتتراجع.
قد تبدأ إيران القتال مجدداً لإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري. وبالنظر إلى خوف الإدارة الأميركية المستمر من التصعيد، فإن مثل هذا الرهان ليس غير منطقي.
لقد أمضى العالم عقوداً يقلق بشأن ما قد تفعله إيران إذا امتلكت سلاحاً نووياً. أما الآن، فعليه أن يقلق بشأن أمر أكثر أهمية بكثير: لقد هزمت إيران الولايات المتحدة، ولم تعد تخشى هجوماً أميركياً، وهي تسيطر على بوابة الخليج العربي.
لم يكن في وسع الأسلحة النووية وحدها أن تمنح إيران هذا النوع من القوة. الحرب الفاشلة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هي التي منحتها إياه”.
