مصر و«عبقرية المكان».. العودة إلى الجغرافيا بعد عقود من كامب ديفيد

مصرُ «عبقرية المكان». تلك حقيقةٌ تحدَّث عنها مرارًا أكبرُ جغرافيٍّ استراتيجيٍّ في الثقافة العربية المعاصرة، الدكتور جمال حمدان. لم يعرف المعنى السياسي العميق لهذه الحقيقة إلّا ثلاثة أطرافٍ في المراحل القديمة والحديثة: المصريون القدماء الذين أسَّسوا أوَّل دولةٍ مركزيةٍ في التاريخ، وامتدادًا إلى محمد علي باشا الألباني الذي حكم مصر في القرن التاسع عشر إبّان السلطنة العثمانية، ثم جمال عبد الناصر في ثورة يوليو 1952. 

المفارقة أنَّ كلَّ حاكمٍ مصري خرج عن تاريخ الجغرافيا في أرض الكنانة كسب السلطة، وخسرت مصر المعنى والدور، وأنَّ أيَّ حاكم احترم تاريخ هذه الجغرافيا تعرَّض هو ومصر للعدوان وللخذلان. ولا ننسى الأمثلة المتأخرة من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، ثم بديلهما الأميركي ـ الإسرائيلي في الوقت الراهن. لهذا كلِّه أراد هنري كيسنجر عزل مصر، فنجح مع أنور السادات باتفاقية كامب ديفيد، ولحق به حسني مبارك، ومن قبلُ أسقط العثمانيون والأوروبيون محمد علي باشا، ثم تآمر الأميركيون والإسرائيليون ومعظم العرب على جمال عبد الناصر.

مصر، ضمن هذه الدائرة، هي موقعها الجغرافي: قلب المشرق، وبوابة أفريقيا، والدولة التي تجمع بين جفاف الصحراء وخصوبة وادي النيل، وتطلُّ على بحرين استراتيجيين: المتوسط والأحمر، وعلى ممرين مائيين: قناة السويس وباب المندب. ويبدأ أمنها الاستراتيجي من القرن الأفريقي في الجنوب الشرقي، إلى الجنوب حيث إثيوبيا، ثم إلى الشرق حيث سيناء والكيان الصهيوني، أي البوابة الشرقية التي هي أخطر المناطق الأمنية على مصر منذ القدم، في عهد الهكسوس (الملوك الرعاة) الذين هاجموا مصر عبر فلسطين وسيناء في القرن الثامن عشر قبل الميلاد.

هذه هي مصر التي تمرُّ راهنًا بظروفٍ أسوأ كثيرًا مما مرَّت به في عهد عبد الناصر. نحن لا نقارن بين عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، فالمقارنة غير مستقيمة أصلًا على المستوى التاريخي والاجتماعي والتنموي؛ فالظروف مختلفة، والمعادلات تغيَّرت، ما عدا خذلان العرب وسوء نظرة أكثرهم إلى مصر الجغرافيا والتاريخ. لكننا نلاحظ راهنًا، ولا سيما في السنوات الأخيرة، أنَّ السياسة الخارجية المصرية تعزِّز نظرتها إلى جغرافيا مصر، وتُرسِّخ رؤيةً استراتيجيةً تختلف اختلافًا واسعًا عمّا كانت عليه في مرحلة السادات ـ مبارك. ما يعني أنَّ هناك أملًا يُعلَّق على دور مصر المرجَّح أن يشهد تصاعدًا إيجابيًّا في التوازنات الإقليمية خلال المرحلة القريبة المقبلة.

ويبدو واضحًا أنَّ القيادة المصرية، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، أخذت عبرةً من تجارب الخمسينيات والستينيات في القرن الماضي، فلم تقع في فخِّ حربٍ يخططها غيرها، بل رسمت لنفسها خريطة تحرُّك عربي وإقليمي ودولي بعيدًا عن الأحلام السريعة، واعتمدت أسلوب الحذر الشديد، واقتربت دومًا من مبدأ «دبلوماسية إدارة المخاطر»، في ظل مرحلة عالمية من التحولات الكبرى التي ستؤدي إلى سقوط الأحادية القطبية عاجلًا أم آجلًا. وهذا ما يفرض على مصر أن تكون جاهزة لها، من دون ارتباك استراتيجي، كي تكون في قلب القرار العالمي، مثلما هي في قلب المشرق وأفريقيا.

تتجلَّى معالم السياسة المصرية في الميل إلى الفعل أكثر من دبلوماسية الكلام. والانتباه إلى دقة التوازنات الإقليمية يدفعها إلى العمل بصمت، لكن بفاعلية. وهذا ما يزعج الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، من دون أن تعطيهما أيَّ ذريعة للهجوم السياسي عليها، وإن كانا يقودان ضدها حربًا غير معلنة، بشراكة بعض الدول العربية، تحسُّبًا من احتمالات دورها المستقبلي.

كيف يظهر ذلك؟ هناك نقاط عديدة، أبرزها ما يأتي:

1- مصر تلتزم واقعيًّا بكامب ديفيد، لكنها لا تبني سياساتها على أساسه. تحترم الاتفاق كي لا تفتح مشكلة إقليمية ودولية في غير وقتها، لكنها لا تخضع له تاريخيًّا. غير أنَّ الانتظار لا يعني التراخي، وها هي قد فعَّلت وجود جيشها في سيناء، لأنها لا تريد أن تترك البوابة الشرقية مفتوحة أمام «إسرائيل». وهنا المفارقة: فمصر، التي تعاني من أزمات اقتصادية ومن قيود اتفاقية كامب ديفيد، تخطط للنهوض، وتمنع التغلغل الشعبي لـ«إسرائيل»، فيما تلهث معظم الدول العربية زحفًا نحو التطبيع الشعبي، لا السياسي الرسمي فحسب، كما يحصل في بعض دول الخليج.

2- صحيح أنَّ مصر الآن لا تستطيع أن تحمي كليًّا ما تبقّى من قضية فلسطين، لكنها لا تتخلى عنها، وتعتمد أسلوب الردع في وجه إسرائيل، وتحول دون تنفيذ مشروع التهجير من غزة، بينما قدَّمت بعض الدول العربية الدعم للكيان الإسرائيلي. ما يعني أنها توازن بين وضعها القومي ووضعها الوطني كي لا تقع في مغامرةٍ غير محسوبة تدفع ثمنها هي والقضية الفلسطينية.

3- كانت الولايات المتحدة تريد جرَّ مصر إلى الحرب مع إيران، غير أنَّ القاهرة لم تنزلق إلى الفخ، وظلَّت تحتفظ بمبدأ إدارة المخاطر، واتخذت موقع الوسيط، وحسَّنت علاقاتها مع إيران ومع تركيا في لحظة إقليمية حرجة. وحافظت على نظرتها الاستراتيجية إلى ما حولها، فأظهرت لإثيوبيا أنَّ مياه مصر خط أحمر، ووقفت مع السودان من دون أن تصطدم مع إحدى الدول العربية التي تدعم قوات التدخل السريع ضد الجيش السوداني، وتعاملت مع الملف الليبي من زاوية عدم السماح بتأثيره في الداخل المصري.

إقرأ على موقع 180  كيم فوك فان ثي.. و"أقوال في اللّاعنف"

4- حافظت مصر على علاقاتها مع واشنطن، لكنها لم تقبل أن تكون محتكرةً أميركيًّا، فنوَّعت شراكاتها مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وأثبتت للبيت الأبيض أنَّ لديها بدائل في الاقتصاد والسلاح، ولا ترضى بأيِّ كامب ديفيد دولي إضافي يقيِّدها.

هذه الخصائص الأربع تضع مصر على سكة الحذر الاستراتيجي والردع العقلاني الهادئ والحاسم عند الضرورة. ولا شكَّ في أنَّ دبلوماسية إدارة المخاطر التي تعتمدها تحميها من المغامرة، بحيث يمكن وصفها بالواقعية والشراكات المتنوعة، فلا تضع أوراقها في سلة واحدة كما فعل السادات عندما سلَّم كلَّ شيء لأميركا.

هل يتعلَّم العرب الآخرون من الدرس المصري، فينوِّعون الشراكات بدلًا من الارتهان للغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة؟ وهل يدركون أنَّ أهم ما فعلته مصر في هذا النطاق هو الانفتاح القوي على الشرق، ولا سيما الصين، أم يظلون أسرى تفكيرهم التبعي؟

مصر تستعدُّ للتحولات العالمية الآتية، وأولياء السلطة العرب الآخرون ما زالوا، في غالبيتهم الساحقة، يقدِّسون الإله الأميركي.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لبنان يفاوض صندوق النقد.. بداية متعثرة