مصر في موقع جغرافي يكاد يختصر مجموعة من دوائر الاهتمام الصيني في نقطة واحدة: هي دولة عربية وشرق أوسطية، وفي الوقت نفسه دولة أفريقية ومتوسطية، وتتحكم عبر قناة السويس بأحد أهم الممرات التي تصل آسيا بالأسواق الأوروبية. وهي أيضاً عضو في مجموعة «بريكس»، وشريك استراتيجي شامل للصين منذ عام 2014، وحليف تقليدي للولايات المتحدة يتلقى مساعدات عسكرية أميركية كبيرة. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى مصر بوصفها “دولة ارتكاز جيوسياسي” في الاستراتيجية الصينية: لأنها تقع عند نقطة تلتقي فيها أفريقيا والشرق الأوسط والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وعبرها يمر أحد أهم خطوط التجارة العالمية.
وقد تحدث البيان المصري–الصيني المشترك صراحة عن العمل على تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. وهذا التعريف يكاد يكون، في حد ذاته، تفسيراً لاختيار القاهرة في الحسابات الصينية.
سبعون عاماً.. وحضارتان
جاءت زيارة شي في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، وكانت مصر عام 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية. وبالنسبة إلى بكين، لا يُستدعى هذا التاريخ لمجرد الاحتفال بالماضي، بل يدخل ضمن خطاب صيني أوسع عن «الجنوب العالمي» وعن علاقات تقوم، وفق الرواية الصينية، على الندية وعدم فرض النماذج السياسية من الخارج. ومن هنا لم تكن زيارة المتحف المصري الكبير تفصيلاً سياحياً في برنامج الرئيس الصيني.
وقف شي والسيسي أمام تمثال رمسيس الثاني، ثم دخلا قاعات توت عنخ آمون، بما فيها القناع الذهبي والعرش الملكي. وفي حديثه خلال الزيارة، شدد شي على أن الصين ومصر تنتميان إلى حضارتين عريقتين، وردّ السيسي بالتشديد على ما يجمع الحضارتين من الانفتاح والتعايش والانسجام في التنوع، لكن علينا أن نلتفت إلى نقطة مهمة مفادها أن وراء تمثال رمسيس الثاني توجد حسابات شديدة الواقعية تتعلق بالمصانع والموانئ والعملات والتكنولوجيا.
من التجارة إلى التصنيع
تجاوز حجم التجارة بين مصر والصين 20.7 مليار دولار عام 2025، لكن الأهم أن هذه العلاقة تعاني اختلالاً كبيراً لمصلحة بكين. ففي النصف الأول من عام 2026 بلغت الصادرات المصرية إلى الصين نحو 841 مليون دولار، في مقابل واردات صينية إلى مصر بقيمة تقارب 10.4 مليارات دولار. وهذه الفجوة تفسر لماذا أصبح الانتقال من نموذج «مصر تستورد من الصين» إلى نموذج «الصين تصنع في مصر» جزءاً أساسياً من المرحلة الجديدة، وهنا تكتسب الجغرافيا المصرية قيمتها مرة أخرى.
فالمصنع الصيني المقام في مصر لا يخدم السوق المصرية وحدها. يمكن أن يكون بوابة إلى أفريقيا، أو قاعدة تصدير إلى الشرق الأوسط، أو منصة تستفيد من اتفاقات مصر التجارية للوصول إلى أسواق أخرى. ولذلك تصبح قناة السويس بالنسبة إلى بكين أكثر من ممر تمر عبره السفن الصينية؛ إنها جزء من منظومة إنتاج وتوزيع يمكن أن تتمركز حولها الصناعة الصينية خارج الصين.
وفي المجال المالي، جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني في حزيران/يونيو 2026 اتفاق مبادلة العملات لثلاث سنوات، ورفعاه من 18 إلى 30 مليار يوان، أي نحو 4.43 مليارات دولار. وهذه خطوة تسمح بتسوية جزء أكبر من المعاملات باليوان والجنيه وتخفيف الاعتماد على الدولار في التجارة الثنائية.
ولا يعني ذلك أن مصر تخرج من النظام المالي القائم على الدولار، ولا أن اليوان يحل مكان العملة الاميركية؛ لكن الاتفاق يمنح القاهرة وبكين هامش حركة أكبر في عالم أصبحت فيه العقوبات المالية جزءاً متزايداً من أدوات الصراع الدولي.
ما بعد المصانع: التكنولوجيا والقوة
الأكثر أهمية أن العلاقة تجاوزت بالفعل الصناعات التقليدية؛ فالبيان المشترك وضع ضمن مجالات التعاون الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وسلاسل إمداد المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي. وهذه ليست قطاعات اقتصادية عادية؛ إنها القطاعات نفسها التي أصبحت في قلب الصراع الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة.
ويكتسب هذا البعد حساسية أكبر عندما يُضاف إليه التعاون العسكري.
فقبيل زيارة شي، أجرت القوات الجوية المصرية والصينية تدريب «نسور الحضارة 2026» في عدد من القواعد الجوية المصرية، وشمل طلعات مشتركة والتخطيط لعمليات جوية، ومهاجمة أهداف والدفاع عن منشآت حيوية، إضافة إلى التدريب على التزود بالوقود جواً.
لا يعني ذلك أن مصر تستبدل الشراكة العسكرية الاميركية بتحالف عسكري مع الصين. العبارة الأدق لفهم السياسة المصريةهي التنويع، لا الاستبدال.
الصين والنيل: هل تستطيع بكين أن تفعل ما لم يفعله الآخرون؟
هناك بعد آخر للزيارة يرتبط بإثيوبيا؛ فالبيان المشترك الصيني–المصري تضمن صياغة غير عادية الأهمية بالنسبة إلى القاهرة، إذ أقرت الصين بـ«الأهمية الحيوية» لنهر النيل باعتباره شريان الحياة الرئيسي لمصر، وبحق مصر في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، ودعا البلدان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب في ضرر.
هذه الصياغة لا تعني أن الصين تبنت الموقف المصري كاملاً في أزمة سد النهضة، ولا أنها قررت ممارسة ضغوط على إثيوبيا.
لكنها تصبح مهمة بسبب الطرف الثالث في المعادلة.
فالصين ترتبط بإثيوبيا بـ«شراكة استراتيجية في كل الأحوال»، وفق التسمية الرسمية بين البلدين، وتمتلك معها تعاوناً عميقاً في البنى التحتية والتجارة والطاقة والنقل والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وبالتالي فإن بكين تمتلك شيئاً تفتقر إليه قوى كثيرة حاولت التعامل مع ملف النيل: علاقة قوية جداً مع القاهرة وأديس أبابا في الوقت نفسه.
وهذا لا يجعل الصين وسيطاً تلقائياً، لكنه يمنح شي جين بينغ قدرة محتملة على أداء دور التسهيل، إذا وجدت لدى الأطراف إرادة سياسية لذلك. وقد يكون النفوذ الصيني، القائم على الاستثمارات والمشاريع والعلاقات السياسية، أكثر هدوءاً من الضغوط الغربية التقليدية، لكنه ليس بالضرورة أقل أهمية.
وفي المقابل، ثمة قيد واضح: الصين لا تريد أن تخسر إثيوبيا أو أن تظهر منحازة إلى القاهرة. لذلك فإن أفضل ما يمكن توقعه واقعياً ليس «ضغطاً صينياً لحل أزمة السد»، بل دبلوماسية هادئة تدفع نحو تسوية تحفظ مصالح الطرفين.
من النيل إلى باب المندب
وهنا تنتقل الجغرافيا من المياه العذبة إلى الممرات البحرية.
مصر معنية مباشرة بأمن باب المندب لأن أي اضطراب فيه ينتقل شمالاً إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس، فيما تعتمد الصين على الممر نفسه باعتباره جزءاً أساسياً من خطوط التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وقد أصبح هذا التقاطع أكثر وضوحاً مع التمدد الحوثي الأخير على الساحل الغربي لليمن واقترابه من باب المندب. وفي تطور لافت للانتباه، طلبت السعودية من بكين التدخل لدى طهران، فحثت الصين إيران، وفق مصادر نقلتها رويترز، على استخدام نفوذها لكبح الحوثيين وحماية استقرار الممرات البحرية.
هذه الواقعة تعني أن الصين لم تعد تستطيع الاكتفاء بالقول إنها قوة اقتصادية لا تريد التورط في أمن الشرق الأوسط. عندما تصبح طرق النفط والغاز والبضائع الصينية مهددة، تتحول الدبلوماسية الأمنية إلى امتداد مباشر للمصلحة الاقتصادية.
ومن زاوية مصر، يلتقي الطرفان هنا في مصلحة واضحة: بقاء باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس مفتوحة وآمنة.
وماذا عن هرمز؟
المنطق نفسه ينطبق، بصورة أكثر تعقيداً، على مضيق هرمز.
الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، ولديها علاقة سياسية واقتصادية عميقة مع طهران. ومع الحرب الحالية واضطراب المرور في هرمز، أصبح أمن المضيق مرتبطاً مباشرة بمصالح الصين في الطاقة وبالاقتصاد العالمي. وقد تراجعت حركة السفن فيه بشدة خلال الأزمة الأخيرة.
لكن ينبغي عدم المبالغة في النفوذ الصيني.
فامتلاك علاقة جيدة مع إيران لا يعني أن بكين تستطيع إصدار تعليمات لطهران، كما أن الصين لم تُظهر حتى الآن استعداداً لتحويل اعتماد إيران الاقتصادي عليها إلى أداة إكراه سياسي واسع.
الأدق أن نقول إن الصين تملك قناة تأثير لا تملكها قوى غربية كثيرة، ويمكن لهذه القناة أن تصبح ذات قيمة استثنائية إذا انتقلت الأزمة من الحرب إلى التسوية.
وهذا أيضاً يفسر لماذا تكتسب القاهرة قيمة إضافية في لحظة كهذه: فهي دولة تتضرر من اضطراب باب المندب وهرمز، حتى لو لم تقع على أي منهما مباشرة، لأن قناة السويس تقع في نهاية الشبكة التي تربط الممرين بالمتوسط.
القاهرة قبل واشنطن
بعد القاهرة، يتوجه شي جين بينغ إلى واشنطن للقاء ترامب في 24 أيلول/سبتمبر. وقبيل القمة ظهرت إشارات اقتصادية متبادلة توحي بأن الطرفين يحاولان تخفيض مستوى الاحتكاك، من دون إنهاء المنافسة الاستراتيجية.
اشترت الصين نحو مليون طن من فول الصويا الاميركي في الأسبوع السابق للزيارة، ليقترب مجموع مشترياتها من نصف الالتزام السنوي البالغ 25 مليون طن حتى عام 2028. كما وقعت شركة (China Gas) عقداً لمدة عشرين عاماً لاستيراد نصف مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من شركة (Venture Global) الاميركية ابتداءً من 2030.
وفي الاتجاه الآخر، أعلن ترامب أنه لا يمانع دخول شركات السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة إذا بنت مصانع على الأراضي الاميركية ووظفت عمالاً اميركيين، وإن كانت هذه الفكرة تواجه معارضة شديدة من صناعة السيارات والكونغرس، كما أن القيود التنظيمية القائمة لا تزال تشكل حاجزاً كبيراً أمام الشركات الصينية.
هذه الوقائع لا تكفي للقول إن شي «قدم تنازلات» قبل لقاء ترامب، ولا أن ترامب «وعد» بإدخال السيارات الصينية.
لكنها تكشف شيئاً مهماً: بكين وواشنطن تستطيعان، حتى وهما تخوضان منافسة استراتيجية حادة، أن تفتحا مساحات للمساومة الاقتصادية عندما تقتضي المصلحة ذلك، وهذا تحديداً ما يجعل النموذج المصري مهماً في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب.
وبكين، من جانبها، لا تحتاج بالضرورة إلى إخراج الولايات المتحدة من مصر كي تحقق مكاسب. يكفيها أن تنتهي مرحلة الاحتكار، وأن تصبح الصين شريكاً لا يمكن تجاهله في الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية وربما الأمن.
وهنا ربما تكمن الدلالة الأعمق لزيارة شي جين بينغ إلى القاهرة قبل واشنطن. فالصين لا تحتاج إلى أن تنتزع مصر من الفلك الأميركي كي تعتبر أنها حققت تقدماً استراتيجياً، كما أن القاهرة لا تحتاج إلى استبدال شريك بآخر كي توسع هامش حركتها. يكفي أن تتحول العلاقة من احتكار إلى تعدد، ومن اعتماد على محور واحد إلى شبكة مصالح متقاطعة. ومن قناة السويس إلى النيل، ومن باب المندب إلى هرمز، تبدو مصر بالنسبة إلى بكين أكثر من سوق أو محطة في «الحزام والطريق»: إنها موقع يمكن للصين من خلاله أن تكون حاضرة في عدد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط وأفريقيا. ولذلك، فإن الطريق الذي أخذ شي جين بينغ من القاهرة إلى واشنطن لا يختصر رحلة دبلوماسية بين عاصمتين بقدر ما يختصر ملامح نظام دولي جديد: قوى تتنافس، ودول متوسطة ترفض أن تختار طرفاً واحداً، وجغرافيا تستعيد قيمتها في قلب عصر التكنولوجيا.
