3 سنوات على “الطوفان”.. ما هي آخر أوراق نتنياهو لتفادي الهزيمة والمحاسبة؟

ثلاثة أعوام على زلزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والارتدادات لا تزال تلقي بثقلها على الشرق الأوسط والعالم. إسرائيل، انخرطت في "حروب أبدية" من غزة إلى إيران. وفكرة الدولة الفلسطينية أبعد ما يكون عن التحقق على الأرض، وإن لم تمت كفكرة. والولايات المتحدة انجرّت إلى حربين مع إيران، وأخفقت في اقناع إسرائيل بتنفيذ خطة من 20 بنداً لإعادة اعمار غزة تحت إدارة "مجلس السلام" والضفة الغربية تُضم على مراحل وتُهدَّد بمصير مشابه لمصير غزة.

تقاطعت تسريبات عدة في الشهور الأخيرة على نقطة محورية ألا وهي أن يحيى السنوار كان يُخطط لعملية عسكرية كبيرة، إذا لم توافق إسرائيل على تحسينات ملموسة على الوضع الاقتصادي للفلسطينيين المحاصرين في القطاع، وذلك قبيل موعد “طوفان الأقصى”، وفي الوقت نفسه تم تسليط الضوء على ما كشفته وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية عن التحذير الذي تلقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، وعلى التحذير الذي نقله رئيس المخابرات المصرية العامة السابق عباس كامل إلى جهات أمنية إسرائيلية قبل أيام من الهجوم الذي شنّته “حماس” على غلاف غزة. لكن نتنياهو نفى أن تكون إسرائيل تلقت التحذيرين الإماراتي والمصري، وظلّ يصب جام غضبه على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، التي “لم توقظه” من النوم عندما علمت بأن “حماس” على وشك الهجوم.

وجد خصوم نتنياهو في الداخل في هذه المعلومات الجديدة التي تتكشف تباعاً، ورقة قوة عشية الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري للنيل منه أمام الرأي العام تظهر اخفاقه الكبير في التعامل مع التحذيرات التي وصلته قبل الهجوم، وكيف أنّه راهن على “حماس” مردوعة ولن تعمد إلى الهجوم، خصوصاً وأن السنوار أظهر في المفاوضات التي كانت تشارك فيها شخصيات فلسطينية ووسطاء إقليميين من أجل صفقة تبادل أسرى، مرونة بلغت قبوله بإطلاق 50 أسيراً فلسطينياً فقط في مقابل إطلاق الحركة 4 أسرى إسرائيليين. منتقدو نتنياهو يقولون إن السنوار خدع رئيس وزراء إسرائيل ببساطة بينما كان يستعد لـ”طوفان الأقصى”.

“الطوفان”، تحول طوفاناً إقليمياً، ردّت عليه إسرائيل بحرب إبادة في غزة ذهب ضحيتها أكثر من 74 ألفاً وأكثر من 175 ألف جريح فضلاً عن أكثر من عشرة آلاف مفقود وآلاف الأسرى‏، وأدت إلى احتلال أكثر من 60 في المئة من القطاع، ودفعت بمليونين و200 ألف فلسطيني للعيش في شريط ضيق من ساحل غزة في ظروف لا يمكن تخيل مدى كارثيتها. ولم توقف إسرائيل هجماتها واغتيالاتها اليومية، التي ازدادت حدتها مع الاقتراب من الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من الشهر الحالي، وسط تهديدات من نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بتوسيع الخط الأصفر ليشمل 70 في المئة من مساحة القطاع، وبتعهدات بعدم الانسحاب طالما لم تسلم “حماس” سلاحها. ولا فائدة ترجى من ترداد دعوات الوزيرين المتطرفين ايتامار بن غفير وبيتسلئيل سموتريتش، إلى تهجير الفلسطينيين واستئناف الاستيطان.

ولم ينفذ شيء من “خطة للسلام” أعلنها رئيس “مجلس السلام” دونالد ترامب في أيلول/سبتمبر 2025، لإنهاء الحرب في غزة، متعهداً فيها بإعادة اعمار القطاع المدمر بنسبة 70 في المئة، وبشّر فيها بـ”سلام أبدي في الشرق الأوسط”. ولم يتحقق الوعد بإدارة فلسطيينية من التكنوقراط وبتشكيل قوة أمنية دولية. وها هم معظم الغزيين يكافحون للحصول على الطعام والمياه والمأوى وحبة الدواء. وتحجم إدارة ترامب عن الضغط على نتنياهو، لتنفيذ خطة مفصلة أعلنها “مجلس السلام” في أيلول/سبتمبر لإعادة البناء بقيمة 2.45 مليار دولار، وذلك بسبب الانتخابات.

لا عودة إلى حدود 7 أكتوبر!

وعلى افتراض تلقي نتنياهو هزيمة في الانتخابات المقبلة، فإن المعارضة لا تحمل برنامجاً مختلفاً عن برنامج نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف. وهذا زعيم حزب “يشار” غادي آيزنكوت الذي يتفوق على نتنياهو في الاستطلاعات، يشترط على من يريد الانضمام إلى ائتلاف حكومي برئاسته الاعتراف بـ”حماس” كمنظمة إرهابية “يجب القضاء عليها”. ويرى المعلق في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية جدعون ليفي، أن “من يتحدث الآن عن تدمير حماس، فهو يتحدث عن تدمير غزة. بعد ثلاث سنوات دموية فظيعة خرجت منها حماس صامدة، أصبح واضحاً أنه لا يمكن القضاء على الحركة إلا بتدمير كل قطاع غزة. يجب الاعتراف بأن ما لم يتحقق في ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية، لن يتحقق في ثلاث سنوات أخرى”.

ويتبين من اجماع السياسيين في إسرائيل، حكومة ومعارضة، على ادانة فيلم “نازا” للمخرجين الإسرائيليين يوفال إبراهام وراحيل شور، الذي فاز في مهرجان البندقية، الخوف الذي يعتري هؤلاء عند افتضاح الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في غزة على لسان ضباط وجنود شاركوا فيها. هذا الفيلم هزّ قادة إسرائيل، وأظهر فداحة الانهيار الأخلاقي للجيش الإسرائيلي.

وعلى غرار انكار مذابح غزة، ينكر سياسيو إسرائيل توسع الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، واخلاء مخيمات من ساكنيها ومحاصرة قرى من قبل المستوطنين، الذين يتلقون مساعدة من الجيش الإسرائيلي، إلى حد دفع السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي (الإنجيلي المؤيد للاستيطان بقوة) إلى وصف أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون بالإرهاب، و”السلوك البلطجي”.

وعلى أبواب الانتخابات أيضاً، يُكرّر نتنياهو أن إسرائيل لن تعود إلى حدود “7 أكتوبر”، لا في غزة ولا الضفة أو لبنان أو سوريا. هناك عقيدة الحرب الدائمة على “الجبهات السبع”. هذه العقيدة رسمت بالخطوط الصفر التي تعتبرها إسرائيل حدودها الجديدة، على الأرض وفي السماء. ونظرية “جز العشب” هي السائدة. أي أن إسرائيل ستقضي على ما تعتبره “تهديداً”، أينما كان، قبل تحوله فعلاً ملموساً!

إقرأ على موقع 180  "إردوغان الثالث" ينقلب على بوتين.. إنقاذاً لإقتصاد تركيا

ولا تستعجل إسرائيل تحويل مكاسبها الميدانية إلى فوائد استراتيجية. ويدعم الرأي العام الإسرائيلي هذا التوجه. وعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة تل أبيب في تموز/يوليو الماضي، وسألت فيه الإسرائيليين اليهود عن تصوراتهم لما يريده الفلسطينيون، فأجاب 72 في المئة منهم أنهم يعتقدون أن الفلسطينيين “يعارضون بشدة أو إلى حد ما” أي مفاوضات سلام، وأن أكثر من 80 في المئة يعتقدون أن الفلسطينيين يرون أنه لا يمكن تحقيق السلام مع إسرائيل.

اهتزاز صورة إسرائيل

ولا تظهر إسرائيل حماسة لإبرام اتفاقات سلام مع لبنان وسوريا. وترفض اغراء التطبيع مع السعودية إذا كان الثمن قيام دولة فلسطينية أو حتى الانخراط في مفاوضات مع أي طرف فلسطيني. تقبل بالتطبيع من أجل التطبيع، ولا حتى إذا كان مربوطاً بحصول السعودية على مفاعل نووي أو مقاتلات أميركية من طراز “إف-35”.

وعندما تخسر التأييد على الساحة الدولية، تعزو إسرائيل ذلك إلى تصاعد التيارات المعادية للسامية. لكن ماذا عن التحولات في أميركا نفسها بعد الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام على غزة؟ فقد أظهر استطلاع جديد أجرته جامعة كوينيبياك أن 38 في المئة من الناخبين الأميركيين يؤيدون الفلسطينيين، مقابل 35 في المئة قالوا إنهم يؤيدون الإسرائيليين. وأظهر استطلاع لمعهد “غالوب” في شباط/فبراير الماضي، أن 41 في المئة من الأميركيين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 36 في المئة مع الإسرائيليين. وتزداد نسبة الجمهوريين المتعاطفين مع الفلسطينيين لدى فئة الشباب منهم. وثمة معارضة واضحة لإسرائيل من قبل شخصيات تتمتع بوزن مهم في تيار “ماغا” الجمهوري (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) مثل الإعلامي تاكر كارلسون، الذي لم يتوان عن اتهام نتنياهو بجر ترامب إلى حرب إيران في 28 شباط/فبراير الماضي. وتصل نسبة الديموقراطيين المعارضين لتقديم الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل بلا شروط، إلى 74 في المئة.

الاهتزاز في صورة إسرائيل يتبدى أكثر على الساحة الأوروبية مع قيادة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام حملة لمقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية وفرض عقوبات على المستوطنين. وتصدر دول أوروبية وكندا بيانات دورية تندد باعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. وفي أيار/مايو فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على سبعة مستوطنين ومنظمات إسرائيلية، لارتباطهم بالعنف المرتكب ضد الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات في الضفة.

خيارات نتنياهو مفتوحة!

يتباهى نتنياهو أن حروبه المستمرة منذ ثلاثة أعوام قد غيّرت الشرق الأوسط، وبأن إسرائيل هي القوة الإقليمية الأعظم، ويقدم نفسه على أنه الضمانة لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية، ولمنع تركيا من تأسيس وجود عسكري مُهدّد لإسرائيل في سوريا، وقبل كل شيء على أنه الزعيم الإسرائيلي القادر على الوقوف في وجه أي رئيس أميركي يحاول فرض إرادته على إسرائيل.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يواجه نتنياهو تحدياً مصيرياً. الهزيمة، تعني تشكيل لجنة تحقيق رسمية لتحديد المسؤوليات عن الإخفاق في “7 أكتوبر”، الأمر الذي يتجنبه منذ ثلاثة أعوام ويلقي بالتقصير على أجهزة الاستخبارات والجيش. وعلاوة على المحاسبة عن الإخفاق في منع هجوم “حماس”، يواجه نتنياهو تهماً بالفساد، ولم يتجاوب الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتزوغ مع نداءات ترامب لإصدار عفو خاص عن نتنياهو.

وعليه، فإن نتنياهو قد يُقدم على قرارات لرفع شعبيته ومنها توجيه ضربات إلى إيران، أو شن عمليات واسعة في الضفة أو في لبنان. وهو يستغل الآن الحادث الذي تعرضت له طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” الثلاثاء الماضي وتحذيرات كان أطلقها من احتمال شن هجمات على إسرائيل لتعطيل الانتخابات.

في الفترة الفاصلة عن الانتخابات، لا يمكن التكهن بما قد يقدم عليه نتنياهو لتفادي الهزيمة.. والمحاسبة. والأخطر من ذلك أن احتمال فوزه، ولو أنه ضعيف حتى الآن، إلا أنه سيجعله يخرج منتشياً ويذهب أبعد مدى في حربه المفتوحة، من دون استبعاد احتمال عدم قدرة الحكومة والمعارضة على نيل الأكثرية، الأمر الذي يضعهما أمام احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية أو الذهاب نحو انتخابات مبكرة، كما حصل في استحقاقات سابقة.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "العقل الهادئ".. سلاح إيران الإستراتيجي (1)