شحذ سيوف في المنطقة.. وحفلة عناد في لبنان
French President Emmanuel Macron (C-L) and US President Donald Trump (C-R), flanked by US Secretary of State Mike Pompeo (R) sit before their bilateral meeting on the sidelines of the NATO (North Atlantic Treaty Organization) summit at the NATO headquarters, in Brussels, on July 11, 2018. (Photo by Brendan Smialowski / AFP) (Photo credit should read BRENDAN SMIALOWSKI/AFP via Getty Images)

مجدداً، إنها لعبة كسب الوقت. يلجأ إليها معظم أهل السياسة في لبنان. ما هي مناسبة هذا الكلام في يوم الإستقلال تحديداً؟

الشهران الفاصلان عن موعد تسلم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في 20 كانون الثاني/يناير المقبل، قد يخبئان الكثير من المفاجآت. لم يعد خافياً وجود رأي وازن داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وله إمتداداته في مؤسسات سياسية وأمنية أميركية، يدعو إلى جعل فترة الشهرين الانتقالية مناسبة لقلب الطاولة، إنطلاقاً من الملف الإيراني، ولعل تعيين إليوت أبرامز في مطلع آب/أغسطس الماضي منسقاً لشؤون إيران في وزارة الخارجية الأميركية يصب في هذا الإتجاه تحديداً؛ ديبلوماسي محافظ؛ أمضى معظم وقته في تل أبيب إبان “حرب لبنان الثانية”؛ أعطيت له صفات كثيرة أبرزها “مهندس الحروب القذرة”. يقول الكاتب الإسرائيلي ران أدليست عن أبرامز: جمهوري قديم مصاب بهوس مضاد لإيران، وهو اليهودي الأكثر تطرفاً في واشنطن اليوم.

ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” قبل أسبوع عن نية ترامب شن هجوم، وما توفر من معلومات عن جولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الأخيرة إلى المنطقة، وما تنشره الصحافة الإسرائيلية من معلومات، وما تشهده الساحات من تأهب، بدءاً من جنوب غزة وصولاً إلى شرق إيران (الحدود مع أفغانستان)، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان، يشي بتهيب وحذر كبيرين، بأحسن اللغات العسكرية ديبلوماسيةً.

يمكن الإستعانة أيضاً بما توافر من معطيات عما أبلغه بومبيو إلى رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون بحضور وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، قبل أيام، في إجتماع ثلاثي في قصر الأليزيه: إحتمالات الضربة العسكرية لإيران موضوعة على الطاولة. حتماً سيكون لبنان والعراق وسوريا جزءاً لا يتجزأ من المشهد الكبير. دعم لبنان أو تسهيل ولادة حكومة لبنانية غير مدرج على جدول اعمال الادارة الاميركية الحالية. نحكم على سعد الحريري، تبعاً لتعامله مع حزب الله.

بحسابات البعض لبنانياً، ما يمكن أن يترتب على الخيار العسكري ضد إيران لن يقلب الطاولة في ساحة واحدة بل في ساحات عديدة، اي أن من يراهن على الأميركي سينتظر حتى يعزّز مكاسبه.. ومن يراهن على الإيراني ينتظر بالمثل، ولنا في لبنان نماذج في الإتجاهين، كما في إتجاهات إقليمية ودولية عديدة.

هذا يقود إلى معادلة واضحة: طالما أن الخيار العسكري مطروح، لن يغامر أحد بالذهاب إلى خيار تأليف حكومة لبنانية جديدة، لا تناسب مصالحه، ولو أن ألفباء السياسة، بمعناها الأخلاقي المتجرد، يجب أن يفضي إلى نتيجة معاكسة.

قد يقول جبران باسيل (وضمناً ميشال عون) أن العقوبات قد وقعت. ماذا يمكن أن يأتينا أكثر من الأميركيين. هذه الفرضية صحيحة. لكن ماذا عن سعد الحريري؟

وفق المعطيات نفسها عن اللقاء الأميركي ـ الفرنسي الأخير، فإن واشنطن جدية في تحذيرها إلى سعد الحريري. أية محاولة لتمثيل حزب الله في الحكومة الجديدة بعنوان مستقل أو تكنوقراطي حتى لو كان هذا التمثيل مغلفاً بجنسية أميركية (حتى نموذج حمد حسن وعماد حب الله ليس مسموحاً)، سيجعل الحريري هدفاً مباشراً للعقوبات الأميركية. لذلك، يجب رصد حركة الرئيس المكلف من هذه الزاوية تحديداً، أي كسب الوقت من أجل محاولة رفع سيف العقوبات مع إنتهاء ولاية ترامب.

يقول رئيس الجمهورية إذا كان الحريري يعتبر أنه أصلب مني بالعناد فهو لا يعرفني جيداً. أنا مستعد للتعايش مع تصريف الأعمال حتى آخر يوم من عهدي ولن أقبل بتوقيع مراسيم حكومة كتلك التي يريد الحريري إلزامي بها

ماذا بعد وصول بايدن؟

هنا أيضاً تتبدى ملامح رهانات لبنانية لا تستند إلى وقائع ثابتة. لنأخذ أمثلة لبنانية محددة: سعد الحريري، وكما أسلفنا في مقالة سابقة، يفترض أن التردي المحتمل في العلاقة السعودية الأميركية، سيجعل محمد بن سلمان محتاجاً للفرنسيين، لتأمين جسر مع الغرب، في إنتظار تكييف علاقته بالإدارة الأميركية الجديدة. بايدن نفسه يريد أيضاً لفرنسا أن تلعب هذا الدور بإتجاه ترويض ولي عهد السعودية. بين مصلحة هذا وذاك، يجد الحريري نفسه قادرا على تحييد الدور السعودي في لبنان وصولاً إلى عقلنته وترشيده وزيادة رصيده الأميركي عبر الفرنسيين، بإعتباره يمثل رأس حربة مبادرة فرنسا اللبنانية. بالمقابل، فإن جبران باسيل، يعتقد أنه لن يجد سنداً لطموحاته الرئاسية، أفضل من درة التاج الأميركي ـ الإيراني، إذا أعيد الإعتبار إلى الإتفاق النووي. لذلك، سيسعى إلى إعادة ترتيب علاقاته مع الإدارة الأميركية الجديدة، ويعيد تكييف تفاهمه مع حزب الله، بعنوان “إعادة النظر” بما يتناسب وهذه “الرؤية” التي تضمن له مظلة دولية وإقليمية لن تكون متوافرة بسهولة لآخرين مسيحياً!

حتى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، لن يحيد بنظره عن الممكن ترامبياً خلال الشهرين المقبلين، ولن يبخل بالتفاعل مع إدارة بايدن، لا سيما وأن الرئيس الأميركي المنتخب صاحب أفكار “مغرية”، أفليس هو من نادى بثلاث فيدراليات سنية وشيعية وكردية في العراق، وهو الضامن لـ”الحلم الكردي”، وأليس ممكناً أن ينسحب منطقه الفيدرالي على لبنان في السنوات المقبلة؟

هذا يعني أننا أمام حفلة عناد مكشوفة. من جهة، يقول رئيس الجمهورية إذا كان الحريري يعتبر أنه أصلب مني بالعناد فهو لا يعرفني جيداً. أنا مستعد للتعايش مع تصريف الأعمال حتى آخر يوم من عهدي ولن أقبل بتوقيع مراسيم حكومة كتلك التي يريد الحريري إلزامي بها. بالمقابل، يبدو الحريري أكثر ثقة من أي وقت مضى بصلابة موقعه عند الأميركيين والفرنسيين. هو ممتلىء قناعة أن المبادرة الفرنسية لم ولن تموت وأنه سيبقى ممثلها الحصري في لبنان حتى إشعار آخر. إذا كان عون يريد أن يلعب لعبة العناد، سيكون عهده هو الخاسر. الناس ستحمّله المسؤولية وأنا مستعد لأن أبقى رئيسا مكلفا حتى آخر يوم من عهده. إنها لعبة عض أصابع وشحذ سيوف مكشوفة.

كل من راجع رئيس الجمهورية في الأيام الأخيرة، إستشعر أن تصريف الأعمال سيطول. حسان دياب يتصرف على أساس أن موسم تصريف الأعمال قد يطول إلى ما بعد فراغ موقع رئاسة الجمهورية في تشرين الأول/أكتوبر 2022

ما جرى في الإجتماع الأخير بين عون والحريري يشي بأن الإثنين لا يريدان تأليف حكومة جديدة. فالحريري قدم كل الأسباب الموجبة لرئيس الجمهورية حتى يرفض التشكيلة التي أعطاه إياها. وضع ورقة  تتضمن جدولين متوازيين. من جهة اليمين، كيفية توزع الحقائب على تسعة وزراء مسلمين، من دون أية اسماء. إلى اليسار، جدول بتوزع الحقائب على تسعة وزراء مسيحيين. إسمان متروكان لتيار المردة. حقيبتان متروكتان لرئيس الجمهورية وهما الداخلية والدفاع. الخمسة الأخيرون يسميهم الحريري وبينهم جو صدي (الطاقة)، سليم ميشال إده (قرأ الحريري الإسم بالخطأ فقال سليم وردة، وهنا إحتج رئيس الجمهورية لأن الأخير يمثل “القوات اللبنانية”)، شارل جورج الحاج (رئيس المؤسسة المارونية للإنتشار)، شارل الحاج الذي يعمل في مؤسسة “بوز آلن هاملتون”، بالإضافة إلى إسم خامس تعذر الحصول عليه.

بالنسبة إلى ميشال عون، هو يعتبر نفسه شريكا في التأليف وبالتالي يريد تسمية سبعة وزراء مسيحيين على الأقل (الثلث المعطل)، وما عدا ذلك لن تكون هناك حكومة. حقيقة الأمر أن وزارة الطاقة هي الأصل والفرع. الإحتجاج المتكرر على إستثناء حقيبة المالية من المداورة الطائفية جوهره إعادة تثبيت الطاقة من حصة التيار (بيتر خوري هو مرشح جبران باسيل لهذه الحقيبة). هذه المسألة ستضع باسيل في مواجهة مباشرة مع الفرنسيين. الموفد الفرنسي باتريك دوريل أبلغ باسيل أن أربع وزارات سيكون ممرها الإلزامي موافقة فرنسا المسبقة: المالية، الطاقة، الإتصالات، الأشغال. لذلك، لم يعد يكترث الفرنسيون لمسألة المداورة نهائياً. أولويتهم أن يقولوا كلمتهم في هذه الوزارات الأربع فقط لا غير، ربطأً بصندوق النقد و”سيدر”. عملياً، يعني ذلك أن سقوط المبادرة الفرنسية صار محتماً حتى تعود الطاقة إلى التيار الوطني الحر!

ما نشهده من إستهلاك للوقت لا يحمل في طياته إلا عنواناً وحيداً: لا الحريري يريد تشكيل حكومة ولا باسيل. كلاهما يمضي في لعبة قد تطول إلى ما هو أبعد من الشهرين المقبلين. كل من راجع رئيس الجمهورية في الأيام الأخيرة، إستشعر أن تصريف الأعمال سيطول. حسان دياب يتصرف على أساس أن موسم تصريف الأعمال قد يطول إلى ما بعد فراغ موقع رئاسة الجمهورية في تشرين الأول/أكتوبر 2022، وهو لم يتردد في مصارحة عدد من الوزراء والوزيرات في الحكومة المستقيلة بذلك. لذلك، قرر أن يشمّر عن ساعديه ويعيد إحياء اللجان الحكومية ويدرس جدياً إمكان عقد جلسات إذا إقتضت الحاجة.

ما هو موقف ثنائي حزب الله وحركة أمل مما يجري وهل هما أصحاب مصلحة في التأليف أم يريدان أيضاً كسب الوقت؟ للبحث صلة.

(*) راجع مقالة “هل يصبح حسان دياب رئيسا للجمهورية“؟

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download