مصر تقتنص الفرصة الفلسطينية.. ماذا عن فتح وحماس؟
UMM AL-FAHM, ISRAEL - MARCH 20: Palestinians attend the funeral of 17 year old Mohammad Kivan killed by Israeli forces during a demonstration, in Umm al-Fahm, Israel on March 20, 2021. (Photo by Mostafa Alkharouf/Anadolu Agency via Getty Images)

لم يخرج القيادي الحمساوي يحيى السنوار صدفة، كي يخطب في جمهور غزة المحتشد احتفالاً بالنصر، ويذكّرهم "بالشعار الخالد الذي علّمنا إياه القائد الخالد ابو عمار: عالقدس رايحين شهداء بالملايين".

من الإستشهاد بياسر عرفات إلى شعار آخر رفعه السنوار: “العودة حق كالشمس”، ثم تَذَكَّرَ القيادي الفتحاوي الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) والشهيد الحمساوي الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي (ابو محمد)، في محاولة من المسؤول الأول لحركة حماس في غزة لامتصاص اية محاولة لتسعير الفتنة التي تشتغل عليها قوى وأجهزة ودول عديدة لتفجير الساحة الفلسطينية من الداخل.

يتهيب الفلسطينيون كل ما يمت بصلة إلى الفتنة، وبخلاف حروب غزة في الأعوام ٢٠٠٨، ٢٠١٢ و٢٠١٤ حين تناوبت كل من فتح وحماس على كيل التهم والشتائم المتبادلة، تسعى كل من السلطة الفلسطينية وحماس لوأد تلك الفتنة أو تأجيلها اذا ما استطاعا الى ذلك سَبِيلًا.

لم تعمد ادوات السلطة ـ كما كان يحصل في السابق ـ إلى اتهام حماس بإرتكاب خطأ إطلاق الصواريخ أو تحميلها مسؤولية ما تعرضت له غزة، بل أطلقت العنان لأبناء فتح بعد ايام قليلة من معركة “سيف القدس”، للإنخراط في المعركة ضد الإحتلال بالتظاهر وافتراش الساحات، وصولًا الى نقاط التماس مع الإسرائيليين في الضفة الغربية، ما أبرز تبدلًا في أداء السلطة سواء أكان مسايرة للشارع الفلسطيني الذي هتف لمحمد ضيف من قلب القدس الشرقية والضفة أو في محاولة لتعديل الأداء السياسي الرسمي، بعدما أثبتت الوقائع منذ أوسلو حتى يومنا هذا أن المفاوضات والاتفاقات والتنازلات كانت تجعل العدو أكثر عدوانية بدليل قضمه 42% من أراضي الضفة والقدس الشرقية وعدم تردده في إستخدام كل أدوات التطهير العرقي والفصل العنصري.

من جانبها، لم تبادر حماس إلى تخوين السلطة أو اتهامها بالخنوع والتآمر بل فتحت عبر خالد مشعل وإسماعيل هنية كل قنوات التواصل مع السلطة لا بل مع جهات عربية وإسلامية ودولية عديدة أبرزها فرنسا وألمانيا واميركا (بشكل غير مباشر)، كما لم تكن بعيدة عن التواصل مع السعودية والإمارات التي تهيبت بدورها تأثير “سيف القدس” على “إتفاقات إبراهام”.

تردد فلسطينياً وعبر اكثر من طرف ان الصواريخ التي استهدفت عسقلان ومنصة الغاز لم تكن كلها إيرانية الصنع والمصدر، بل بعضها من ليبيا التي يتردد عليها عددٌ من قادة حماس

غير أن الدور الأبرز ميدانياً وسياسياً، على مدى أحد عشر يوماً، كان لمصر التي خرجت هذه المرة عن حدود الإكتفاء بلعب دور الوسيط لأسباب شتى تتصل بأمنها القومي ورداً على الأذى الذي تسببت به اسرائيل لمصر من دعم لأثيوبيا في بناء سد النهضة الى محاولة الاستثمار بحادثة قناة السويس للترويج لقناة بديلة، الى محاولة إدارة ملف الغاز وخطوطه مرتكزة الى “اتفاقات ابراهام” والفرقاء الموقعين عليها.

كانت العين المصرية شديدة الإحمرار من اداء اسرائيل حتى في دفعها بإتجاه تأجيل الإنتخابات الفلسطينية التي تم التوافق عليها برعاية مصرية وتركية وأردنية وروسية، ونظرت القاهرة الى احداث حي الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى بأنها تهدف في ما تهدف اليه إلى تطيير الانتخابات من بوابة عدم السماح باقتراع المقدسيين داخل القدس الشرقية بتوافق بين اسرائيل ومحمود عباس (أبو مازن) الذي كان يخشى من تحالف مروان البرغوثي – ناصر القدوة – محمد دحلان، وكذلك كان يخشى من حيازة حماس على مقاعد تفوق عدد ما يمكن ان يحصل عليه هو، فإستجاب لرغبة تل أبيب بتـأجيل الإنتخابات ضارباً عرض الحائط جهود المصريين.

تصاعد الموقف المصري بالتدرج اذ صدرت تلميحات لم ترتق الى بيانات، تصنّف التعرض لسيارات الهلال الأحمر المصري التي تتحرك على خط غزة على انه تعرض للجيش المصري، غير ان الملفت  للإنتباه ان الهلال الأحمر المصري قرر الدخول وخلال المواجهات الى غزة، حيث اعتبر الدكتور رامي الناظر مدير المؤسسة ان “من حق الهلال الأحمر الدخول الى قلب غزة كما إلى أي مكان أثناء الحروب والكوارث، وله حصانة دولية والتعدي عليه هو كالتعدي على المواثيق الدولية”. كما تردد فلسطينياً وعبر اكثر من طرف ان الصواريخ التي استهدفت عسقلان ومنصة الغاز لم تكن كلها إيرانية الصنع والمصدر، بل بعضها من ليبيا التي يتردد عليها عددٌ من قادة حماس. وقبل نهاية الحرب، أعلنت مصر تبرعها بمبلغ نصف مليار دولار لإعادة إعمار غزة.

تسفي برئيل: إذا كان دونالد ترامب أعطى طالبان (في أفغانستان) شهادة أهلية، وجو بايدن أزال الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهابية، ربما حان دور حركة حماس كي تتلقى محادثة هاتفية من البيت الأبيض

زدْ على ذلك أن الخارجية المصرية أدانت أحداث غزة وإستدعت السفير الإسرائيلي في القاهرة، وإندفع المجتمع الأهلي المصري إلى إطلاق مبادرات نوعية دعماً لغزة، من دون إغفال الموقف التاريخي لشيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب الداعم لفلسطين، ولاقاه في موقفه عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر أحمد عمر هاشم بإطلاقه يوم الجمعة الفائت من على منبر صلاة الجمعة في الأزهر شعار الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر عقب هزيمة ١٩٦٧ حين قال:”ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.

إقرأ على موقع 180  أزمة الذات الإمبراطورية.. فقدان المرجعية وأزمة التبعية

هذه الخطوات المصرية ترافقت مع تسريع الإنفتاح المصري مع تركيا التي التقطت المناسبة لتندفع أكثر على خط التطبيع والمصالحة مع كل من القاهرة والرياض.

المعركة بدت هذه المرة مختلفة شكلاً ومضموناً. لم تكن فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر تقاتل فقط في معركة مواجهة القهر والتطهير العرقي والفصل العنصري بل تناغمت معها دول الطوق من مصر الى الأردن فسوريا ولبنان (وأيضاً فلسطينيو الشتات). برغم هذا كله، شكّل إنخراط فلسطينيي العام 1948 في المعركة، نقطة فاصلة ومفصلية استدعت تدخل وزارة الخارجية الاسرائيلية لدى العديد من العواصم وإدارات مواقع التواصل من اجل التعتيم على ما يجري من تكسير لمتاجر ومنازل وسيارات واحراق معابد اضافة الى حملات غير مسبوقة على المنصات في الأراضي المحتلة عام 48.

ما بعد معركة غزة تبدو المهام أكبر وأضخم. أصبحنا بحاجة إلى إصطفاف مختلف، ولعل أفضل من يقوده مصر من خلال الإصرار على استمرار مفاعيل المصالحة الفلسطينية وصيانتها ومن خلال الإصرار على اجراء الإنتخابات الفلسطينية التي كانت مقررة في هذا الشهر وإرتأى أبو مازن تأجيلها إلى اجل غير مسمى من دون أن يقدم تبريرات فعلية.. وأيضاً من خلال إطلاق ورشة إعمارية سريعة للقطاع.. وحسناً فعل المصريون أن زارت وفودهم القطاع فوراً وبدأت بوضع آليات للإعمار.

ما جرى في غزة والقدس وحي الشيخ جراح وأم الفحم ويافا يدل على أن الشباب الفلسطيني توّاق إلى تجديد نخبه السياسية التي ترهلت وشاخت واستهلكت. هنا تكمن أهمية إعادة الإعتبار إلى الإنتخابات. في الوقت عينه، مطلوب من فتح وحماس عدم الإنزلاق مجدداً الى فتنة لا يستفيد منها الا عدو خسر بالنقاط ما ربحه من سوء إدارة العرب والفلسطينيين- على حد سواء – لملفيْ التفاوض وتعزير قوة المقاومة.

“ليس هناك من خطوة تهدّد سياسة إسرائيل أكثر من الدمج بين حماس وفتح، وبين الضفة وغزة. الهدف من استراتيجية الفصل بينهما هي تحديداً إحباط حل الدولتين. لقد كانت إسرائيل ولا تزال مستعدة للعودة إلى نوع من تطبيع اقتصادي، والسماح بعبور البضائع، وزيادة تزويد القطاع بالكهرباء – أو باختصار، المحافظة على حماس كقوة حاكمة – بشرط عدم تحقيق حل الدولتين. والسؤال المطروح كيف ستتمكن إسرائيل من مواجهة الإدارة الأميركية إذا قررت تغيير نظرتها حيال حماس، وإذا زادت المساعدات لغزة، مباشرة أو بواسطة مصر، وربما بدأت بعقد اجتماعات مع “أطراف معتدلة في القطاع”. إذا كان دونالد ترامب أعطى طالبان (في أفغانستان) شهادة أهلية، وجو بايدن أزال الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهابية، ربما حان دور حركة حماس كي تتلقى محادثة هاتفية من البيت الأبيض”، والكلام كله للمحلل السياسي في “هآرتس” تسفي برئيل!

Print Friendly, PDF & Email
خلدون الشريف

كاتب سياسي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  عندما يلعب أردوغان مع بوتين على حافة الهاوية الأوكرانية!