جدة.. قمة التحولات الجديدة في الشرق الأوسط 

تفرض دينامية التحولات في الشرق الأوسط واقعاً جديداً من الجغرافيا السياسية، عادت سوريا لتكون من ضمنه، بعد مرحلة إنقطاع دامت 12 عاماً. فإلى أي مدى يمكن لقمة جدة، التي فكّت عملياً عزلة سوريا السياسية، أن تشكل نقطة إنطلاق نحو إعادة صياغة النظام الإقليمي العربي؟ 

التوازنات الإقليمية والدولية في عام 2011 التي تظللت بما سمي “الربيع العربي” وصعود الإسلام السياسي برعاية تركيا وقطر، حلّت محلها الآن توازنات إقليمية ودولية جديدة. أميركا تنسحب تدريجياً من المنطقة والصين تدخل لاعباً جيوسياسياً مؤثراً فيها؛ والسعودية تعتمد خيارات بديلة فتتحالف مع روسيا في “أوبيك بلاس” وتذهب نحو الصين بإتفاقات تعاون إقتصادي إستراتيجية، وتبرم إتفاقاً برعاية بكين وعلى أرضها في العاشر من آذار/مارس، يصح القول فيه إنه شكل نقطة تحول في العلاقات السعودية ـ الإيرانية.

في غمرة المعادلات الإقليمية الجديدة، بات لزاماً إقفال حروب “الربيع العربي”، لا سيما في اليمن وسوريا. هذا ما تقتضيه المرحلة المقبلة. ولا يمكن إقفال هذه الحروب بالطريقة التي كانت سائدة في الأعوام الـ12 الأخيرة. لذا، لا بد من التواصل المباشر مع دمشق ومع الحوثيين في صنعاء. وهذا ما كان.

الخطوات السريعة التي خطتها السعودية نحو إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية ودعوة الرئيس بشار الأسد إلى قمة جدة، تضيف إشكالية أخرى إلى الإشكاليات المتزايدة بين الرياض وواشنطن التي لم تخف تبرمها من الإنفتاح السعودي والعربي على الأسد، بعد الإنفتاح على إيران. زيارات مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان المتتالية إلى الرياض لم تفلح في ثني السعودية عن المضي في هذا المسار، أو على الأقل إقناع الرياض بإتخاذ مبادرة بالتوازي نحو إسرائيل، كما يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا بل إن الأخير يعمد إلى توتير الضفة الغربية وقصف قطاع غزة وسوريا، للتعبير عن إحتجاجه عما يدور حوله، بمعزل عنه.

والسياسة الأميركية، إذا كانت ثمة من سياسة في سوريا، فهي إلتزام “قانون قيصر” الذي يتضرر منه المواطنون السوريون أكثر بكثير مما يطاول المسؤولين السوريين. قد تستمر العقوبات الأميركية على سوريا إلى عقود، كما هو واقع الحال مع العقوبات المفروضة على كوبا وإيران وفنزويلا، وحديثاً على روسيا. كما أن الإحتفاظ بـ900 جندي أميركي في شرق سوريا، كل هدفه رسم خط أحمر أمام إستعادة الحكومة السورية حقول النفط وتخفيف العبء الإقتصادي عن دمشق.

ثمة إدراك متزايد لدى العديد من الدول في العالم وبينها دول خليجية، بأن النظام الدولي الحالي الذي تأسس عقب إنتهاء الحرب الباردة بين أميركا والإتحاد السوفياتي في 1991، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبأن نظام القطب الواحد يوشك على الزوال، بينما هناك نظام عالمي جديد مبني على تعدد الأقطاب آخذ في التبلور شيئاً فشيئاً. وهذه الدول تسعى إلى حجز مكان لها في النظام الجديد

هذه السياسة من شأنها إطالة عمر الأزمة السورية ودوام النزاع سنوات وسنوات، وتالياً إستمرار الفوضى والتقسيم الواقعي لسوريا. وهذه من تبعات الأزمة التي بدأت في السنوات الأخيرة تلقي بثقلها على الدول العربية الأبعد نسبياً، ولا سيما في الخليج.

غير أن الإنفتاح السعودي والعربي عموماً على سوريا لم يأتِ من فراغ، وإنما هو حصيلة إقتناع بضرورة تبني مقاربة جديدة حيال النزاع السوري، وصولاً إلى الحد من آثار الأزمة السورية على دول الخليج. إن الأمر يبدو وكأنه يستحق المخاطرة بتوتر جديد مع الولايات المتحدة الأميركية.

لا يغيب عن البال، أن لحظة التحولات في الشرق الأوسط ليست مفصولة عن سياقات إقليمية ودولية. مثل التطبيع السعودي مع إيران في ضوء إتفاق بكين.. وهذه التطورات المتسارعة ليست ببعيدة عن مناخ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين ولا عن إنعكاسات الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي مضى على إندلاعها 15 شهراً وهي مرشحة بوتيرتها الراهنة لأن تستمر بأفق زمني مفتوح.. إلا إذا برزت تطورات من شأنها إعادة خلط الأوراق.

وبإلقاء نظرة سريعة، نجد أن ثلاث قمم إقليمية عقدت في يوم واحد. القمة العربية في جدة، وقمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في مدينة هيروشيما اليابانية، وقمة غير مسبوقة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وقادة خمس جمهوريات سوفياتية سابقة من آسيا الوسطى في مدينة شيان الصينية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان القاسم المشترك بين قمتي جدة وهيروشيما؛ توقف في جدة وألقى خطاباً أمام القمة العربية تضمن تلميحات إلى عدم رضا بلاده عن مواقف دول عربية إزاء الحرب الروسية – الأوكرانية. ولم يكن يقصد بشار الأسد وحده، وإنما دولاً عربية تلتزم الحياد. قال زيلينسكي كلمته ومشى إلى هيروشما ليطالب زعماء دول “مجموعة السبع” بمزيد من السلاح المتطور لشن الهجوم المضاد الموعود. أجابه الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه يقبل بتدريب طيارين أوكرانيين على مقاتلات “إف-16” الأميركية الصنع. تطور يؤشر إلى إحتدام أكبر مع روسيا.

وفي الوقت نفسه، أتت قمة شيان رداً صينياً على قمة هيروشيما التي لم يكن المقصود منها تغليظ العقوبات على روسيا، بل البحث أيضاً في وسائل مواجهة الصعود الصيني. ومعلوم أن آسيا الوسطى، تحولت جبهة أساسية في الصراع الأميركي – الصيني على النفوذ في العالم، بعدما إرتخت القبضة الروسية على المنطقة في ضوء إنشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا.

إقرأ على موقع 180  فورين أفيرز: عُمران خان "أكبر تهديد للجيش الباكستاني"!  

وفي عالم تُعاد صياغته من جديد على وقع النزاع الأوكراني والتنافس الشرس بين الولايات المتحدة والصين، فإن دول الخليج العربية وخصوصاً السعودية، تنسج على منوال دول أخرى في العالم تتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، من دون أن تتبنى مواقفها بالكامل. وهناك مثلاً البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا، هذه دول ناشئة تسعى إلى تأكيد هوياتها الوطنية. وقد حفّزها النزاع الروسي – الأوكراني على طرح مبادرات للحل، ولم تشأ الإنضمام إلى نظام العقوبات الغربي ضد روسيا.

ومن وراء إستضافة القمة العربية لزيلينسكي، أرادت السعودية بث رسالة إيجابية للولايات المتحدة بأنها تسعى إلى إقامة توازن في سياساتها. حضور الأسد القمة لا يمنع من إستقبال الرئيس الأوكراني، الحليف الأول للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو.

ومن يراقب كيف تصدرت السعودية واجهة إجلاء الرعايا الأجانب من السودان بعد إنفجار الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، يستنتج وجود رغبة سعودية في الإضطلاع بدور إقليمي أكبر.. وهكذا تدل مفاوضات جدة بين طرفي النزاع السوداني.

يقودنا هذا إلى أن ثمة إدراكاً متزايداً لدى العديد من الدول في العالم وبينها دول خليجية، بأن النظام الدولي الحالي الذي تأسس عقب إنتهاء الحرب الباردة بين أميركا والإتحاد السوفياتي في 1991، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبأن نظام القطب الواحد يوشك على الزوال، بينما هناك نظام عالمي جديد مبني على تعدد الأقطاب آخذ في التبلور شيئاً فشيئاً. وهذه الدول تسعى إلى حجز مكان لها في النظام الجديد.

ثلاث قمم إقليمية عقدت في يوم واحد. القمة العربية في جدة، وقمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في مدينة هيروشيما اليابانية، وقمة غير مسبوقة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وقادة خمس جمهوريات سوفياتية سابقة من آسيا الوسطى في مدينة شيان الصينية

الحدة التي تخوض بها أميركا المواجهة مع الصعود الصيني تفسر جنوحاً إلى إنكار الواقع العالمي الجديد. الإصرار على تسليح وتمويل الحرب في أوكرانيا حتى إلحاق “هزيمة إستراتيجية” بروسيا، يدل على أن واشنطن لا تزال تعتقد بإمكان إستمرار هيمنتها على العالم. وتعبئة أميركا كل إمكاناتها لإحتواء الصين ومنعها من التمدد إقليمياً وعالمياً، تؤكد هذا الإتجاه الأميركي. وإلا لماذا يتعين على حلف شمال الأطلسي فتح مكتب إرتباط في اليابان، ولماذا هذا الحشد الغربي لدعم تايوان، ولماذا كل هذا الضغط على كوريا الجنوبية كي ترسل أسلحة إلى أوكرانيا؟

وسط كل هذا التوتر العالمي والتشابك بين أزماته ومصالحه، يمضي الشرق الأوسط نحو صياغة جديدة، غير تلك التي رُسِمت قبل 12 عاماً. ما هي إحتمالات النجاح؟ يبقى الجواب مُعلقاً.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بعد الإمارات.. البحرين، عُمان، قطر أم السعودية؟