البحر الأحمر.. من هيمنة البرتغال إلى حفر قناة السويس (4)

بعدما استعرضت الأجزاء الثلاثة من هذه السلسلة موقع البحر الأحمر في قرون ما قبل الميلاد وما حفلت به من حضور قوي لهذا البحر في المفاصل الصراعية والدينية، يستعرض الجزء الرابع الصراعات الدولية حول البحر الأحمر من القرن الخامس عشر وحتى حفر قناة السويس في القرن التاسع عشر.

أولاً؛ البرتغال:

تصدر البرتغاليون طليعة الدول الغربية الساعية للسيطرة على البحر الأحمر، ويعود ذلك لثلاثة منعطفات بالغة الأهمية، الأول؛ يرتبط باكتمال الوحدة الجغرافية والكيانية البرتغالية، مما جعل البرتغال أول دولة أوروبية عرفت هذا الإكتمال كما يقول روجيه داغنت في “تاريخ البحر الأحمر من موسى إلى بونابرت” والثاني؛ يتمثل بالإندفاعة البرتغالية للهيمنة الخارجية بعد إخراج العرب من شبه جزيرة إيبريا ونهاية حروب الأندلس عام 1492، والثالث؛ اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ومنه أبحر البرتغالي فاسكو دي غاما إلى الهند، فكان أول أوروبي يعبرهذه الطريق الملاحية عام 1498.

هذه الإندفاعة نحو الهند، بما تعني من أبعاد وتطلعات نحو الشرق، أدت إلى نشوب صراع مرير بين البرتغاليين ودولة المماليك المصرية ـ الشامية التي كانت تأخذ على عاتقها حماية منافذ البحر الأحمر في تلك الفترة، فإلى مطلع القرن السادس عشر وفقا لمحمد أنيس في “المجلة التاريخية” المصرية (تشرين الأول/أكتوبر 1950) “حملت الدولة المملوكية عبء النضال لإنقاذ البحر الأحمر من الإستعمار البرتغالي، واتخذ النضال ميادينه في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وكانت الدولة المملوكية حتى وقت انهيارها في مصر والشام ـ بين عامي ـ 1516 و1517 قد فشلت في دفع هذا الخطر، ثم كان الفتح العثماني للشرق العربي، وبدا كأن العثمانيين ورثوا تركة الدولة المملوكية وفي مقدمة هذه الأثقال الخطر البرتغالي الجاثم في جنوبي البحر الأحمر”.

وعن الفترة عينها كتب (أيار/مايو 1964) الشاطر بصيلي عبد الجليل في “المجلة التاريخية”:

“فيما كانت الدولة العثمانية تدافع عن نفوذها في البحر المتوسط، كان البرتغاليون يُثبّتون سيطرتهم في المحيط الهندي، وكان همهم الأول منع التجارة بين الهند والبحر الأحمر والخليج وتحويل تجارة التوابل والمنتجات الأخرى إلى لشبونة، لذلك، أرسل السلطان قانصو الغوري (1446 ـ 1516) حوالي خمسين سفينة لبناء سور حول ميناء جدة، وجاء ـ في الوقت نفسه ـ أسطول برتغالي إلى البحر الأحمر في محاولة للإتصال بالنجاشي (ملك الحبشة) وذلك للوصول إلى اتفاق لإعداد حملة عسكرية يشترك فيها ملك فرنسا الذي عليه أن يحتفظ بقوة عسكرية في سواكن (جزيرة في البحر الأحمر تابعة للسودان) وخرج الأسطول البرتغالي من سواكن إلى جدة غير أنه لما علم البرتغاليون بوجود الأسطول المصري في جدة هربوا نحو الجنوب ثم إلى سواحل الهند”.

ولكن الأسطول المصري ـ المملوكي تعقب البرتغاليين إلى الهند “واشتبك الأسطولان وانتهت ـ المعركة ـ بهزيمة البرتغاليين في صيف عام 1508، ثم استطاع الأسطول البرتغالي أن يستجمع قواته وأنزل في العام 1509 هزيمة ساحقة بالأسطول المملوكي، ثم فرض البرتغاليون حصاراً قوياً لمنع السفن القادمة من الهند من دخول البحرالأحمر والموانىء العربية، واستطاعت السفن البرتغالية أن تعزل موانئ البحر الأحمر، وخصوصاً جدة وسواكن والسويس”.

وطوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، تبودلت مواقع النفوذ والصراع في البحر الأحمر بين البرتغاليين والهولنديين والإنكليز والفرنسيين، وإذا كانت أمور الولاية السياسية قد آلت في هذين القرنين للسلطنة العثمانية، فقد آل إليها أيضاً النصيب الوافر من الحروب مع القوى الأوروبية المذكورة.

ومع الترهل الذي بدأ يضرب السلطنة في القرن التاسع عشر، كان الإنكليز يتوسعون في “المناطق العثمانية” في الخليج، خصوصاً أن مصالحهم الإستراتيجية في الهند بلغت ذروتها آنذاك، وفي المقابل، برز أنداد أقوياء لهم في المنطقة مثل فرنسا وروسيا والنمسا “وقد فرض ذلك التهديد على بريطانيا ضرورة التصدي من موقع يمكنها من التحرك وتتوفر فيه المقومات الإقتصادية والإستراتيجية التي تحقق مصالحها، وقد رأت بريطانيا أن ذلك الموقع هو ميناء عدن” كما يرى فاروق عثمان أباظة في “عدن والسياسة البريطانية”.

ثانياً؛ انكلترا:

احتل الإنكليز مدينة عدن عام 1838، وحيال أهمية هذه المدينة ومرفئها بالنسبة لإنكلترة يستشهد فاروق أباظة بما قاله روبرت غرانت الحاكم الإنكليزي لمدينة بومباي الهندية في رسالة موجهة إلى رئيس مجلس إدارة شركة الهند الشرقية في لندن، وهي الهيئة التي كانت تدير المصالح السياسية والإقتصادية والعسكرية الإنكليزية في الهند، يقول غرانت:

“إن أهمية عدن لا تقدر بثمن، يمكن استخدامها كمخزن ومحطة لتموين السفن البخارية طوال السنة، كما انها مركز التقاء للسفن التي تعبر البحر الأحمر، فضلا عن أنها قاعدة عسكرية قوية، بحيث يمكن بالسيطرة عليها أن نحمي ونستفيد من كل تجارة البحر الأحمر والخليج والساحل المصري، وإذا اصبحت عدن ملكاً لنا فإنها كجبل طارق تتميز بحصانتها ومنعتها، إني انظر إلى الموضوع بشمول وبعمق، هناك أمتان تتآمران وتودان القضاء على نفوذنا في الشرق، أولهما روسيا والثانية فرنسا”.

قبيل احتلال مدينة عدن، صاغت بريطانيا ذرائع ظاهرية لتبرير احتلالها فاعتمدت على حادثة مضمونها أن إحدى سفنها جنحت بالقرب من ميناء عدن فعومل بحارتها معاملة سيئة من قبل الأهالي، وكتبت مجلة “الهلال” المصرية ـ اللبنانية في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 1899، معلقة على هذا الأمر وشارحة إياه فقالت:

“اتُفق سنة 1827 أن سفينة يخفق فوقها العلم البريطاني جنحت بقرب عدن فنزل بحارتها إلى البر فعاملهم أهل تلك المنطقة معاملة سيئة، فكان ذلك أول أبواب الإحتلال، فبعثت حكومة بمباي ـ الإنكليزية الهندية ـ إلى سلطان عدن وسألته إذا كان يبيع فرضة عدن، فوعد بالتعويض والموافقة على المبيع، فأرسلت حكومة بمباي مندوباً لعقد ذلك الإتفاق، وكان كرسي الحكومة ـ في عدن ـ قد أفضى إلى إبن السلطان، ولكنه كان معتداً بنفسه، فأبى إنجاز مواعيد والده، وكان رفضه وسيلة لإستيلاء الإنكليز على فرضة عدن بلا ثمن”.

وحول الصراع الدولي في البحر الأحمر كتب عصام شريح (تشرين الأول/أكتوبر 1984) في مجلة “الدوحة” القطرية:

“كانت بريطانيا الدولة الكبرى الأولى التي سارعت إلى السيطرة على البحر الأحمر عندما احتلت ميناء عدن عام 1838 وحولته إلى محطة لتزويد سفنها المتجهة من الهند وإليها، كما احتلت مصر عام 1882 والسودان عام 1898 مما وفّر لها استكمال سيطرتها على المواقع الإستراتيجية في البحر الأحمر”.

وفي هذا الوقت، كانت ايطاليا قد احتلت ميناء عصب في أريتريا عام 1882 ثم ميناء مصوع، الأمر الذي مهد لها احتلال أثيوبيا قبيل الحرب العالمية الثانية، وبالتوازي، كانت فرنسا تعمل على احتلال ميناء أوبوك في جيبوتي (1884) ثم الصومال الذي أسمته الصومال الفرنسي.

يلاحق عبد اللطيف الحميد في “البحر الأحمر والجزيرة العربية في الصراع العثماني ـ البريطاني” كيفية تدرج الأطماع الإنكليزية في البحر الأحمر منذ القرن السابع عشر وما رافقه من صدام مع المطامع الفرنسية، فتلك المطامع نمت “وتطورت وفق أهداف السياسة البريطانية ومصالح شركة الهند الشرقية التي كان همها المحافظة على طريق المواصلات مع الهند ـ ويتضح ـ من خلال سير السياسة البريطانية حساسيتها تجاه أي منافسة من الدول الإستعمارية أو حتى تجاه نمو قوة محلية كقوة محمد علي باشا (والي مصر) وكان لموقفها من محمد علي وارتيابها من فرنسا أن تهيأ الجو لتخطيط مستقبلي يستهدف وضع يد بريطانيا على مصر ـ مما أثار ـ الشكوك الفرنسية، وانتهت هذه المخاوف بغزو بونابرت لمصر والذي استمر التخطيط له حوالي ثلاثين عاماً”.

إقرأ على موقع 180  تسريبات ظريف.. نووية أم رئاسية؟

ثالثاً؛ فرنسا:

لم تكن الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 خارجة عن مجموعة طموحات بعضها لصيق بإعادة تجديد الدور الإستعماري الفرنسي بمنظومة قيمية جديدة أعقبت الثورة الفرنسية عام 1789 كما يكاد يُجمع مؤرخو تلك المرحلة ومنهم محمد فؤاد شكري في كتابه القيم “خروج الفرنسيين من مصر ـ ط: 1952” وبعضها الآخر وثيق الصلة بوراثة الممتلكات العثمانية “في ظل الإنهيار التدريحي للسلطنة وخلخلة قبضة إنكلترا على البحر المتوسط وإضعاف نفوذها في الهند” كما في “تاريخ الحضارة” للعلامة وول ديوارنت.

والتحديد نفسه المرتبط بالصراع الفرنسي ـ الإنكليزي على مصر والبحر الأحمر، ومنهما على الهند، كان أوفى شرحه نقولا بن يوسف الترك (1763 ـ1828) في “ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية” العائد تاريخ صدروه إلى عام 1839، وفي هذا الكتاب:

“كانت الفرنساوية قد جهزت عمارة ـ حملة عسكرية ـ عظيمة، وأما الإنكليز لما بلغهم خروج هذه العمارة، ظنوا أنهم قاصدون بلدانهم فحصنوا ثغورهم ومكانتهم، ولما تحققوا أنهم قصدوا الديار المصرية، جهزوا أربعة عشر مركباً وساروا إلى محاربتهم، لأن بين الإنكليز والفرنساوية عداوة عظيمة وحقود قديمة، وقد تسلموا بعض البلدان في الهند كانت للفرنساويين، ولهذا السبب كان مسير الفرنساويين إلى الديار المصرية مؤملين أنه بعد تملكهم الأمصار المصرية يسيرون في بحر السويس ـ البحر الأحمر ـ إلى الهند”.

وهذه الخلفية لحملة بونابرت على مصر، يتحدث عنها المؤرخ وعالم الإجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (1841 ـ1931) في “روح الثورات والثورة الفرنسية” فنابوليون بونابرت “أقنع الحكومة الفرنسية بأن الإستيلاء على مصر يكسر شوكة انكلترا” ويستعين المؤرخ الفرنسي البيرت سوبول (1914 ـ 1982) في “تاريخ الثورة الفرنسية” بموقف لبونابرت في السادس عشر من آب/أغسطس 1897 يصرح فيه عن فوائد احتلال مصر، وفي ذلك يقول “ليس ببعيد، الوقت الذي سنشعر فيه أنه يلزمنا الإستيلاء على مصر للقضاء حقيقة على انكلترا” ولمواجهة “المغامرة المصرية” كما يسميها سوبول انعقد تحالف ثلاثي مؤلف من روسيا وتركيا وانكلترا.

أطلق نابوليون بونابرت وعداً بـ”ربط النيل بالبحر الأحمر” على ما يذكر العلامة ديورانت، وهذا ما كان سبقه إليه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1756 ـ 1825) المعاصر للحملة البونابرتية في الجزء الثاني من “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” إذ يروي أن الفرنسيين “كتبوا أوراقاً وألصقوها في الأسواق على العادة ونصها”:

“الحمد لله وحده، هذا خطاب لجميع أهالي مصر من خاص وعام، نعلمكم أن حضرة بونابرته (…) مراده فتح الخليج الموصل من بحر النيل إلى بحر السويس ـ البحر الأحمر ـ لتخف أجرة الحمل من مصر إلى قطر الحجاز الأفخم، وتُحفظ البضائع من اللصوص وقطاع الطرق، وتكثر عليهم أسباب التجارة من الهند واليمن وكل فج عميق”.

رابعاً؛ قناة السويس:

بعد حفر قناة السويس عام 1869 اشتد الصراع الدولي حول البحر الأحمر، وراحت الدول الأوروبية كما كتب عبد الله رعد في مجلة “المشرق” اللبنانية (تشرين الأول/أكتوبر 1909) “تحتل نقطا تحفظ بواسطتها جادة المستعمرات التي وراء باب المندب، فقامت أولاً إنكلترة وخطت الخطوة الأولى، ثم تبعتها فرنسا، وأخيراً جرت مجراهما دولة الطليان، إلى أن نهضت في هذه الأيام الأخيرة ألمانيا”.

على أرض الواقع، فمشروع قناة السويس ارتسمت ملامحه مع الحملة الفرنسية التي قادها نابوليون بونابرت على مصرعام 1798، إلا أن هذا المشروع لم يُكتب له النجاح بفعل هزيمة بونابرت على أبواب مدينة عكا، ليُعاد إنعاشه في خمسينيات القرن التاسع عشر إثر حصول إحدى الشركات الفرنسية Ferdinand de Lesseps على موافقة السلطنة العثمانية للشروع بتنفيذه، لكن الإنكليز الذين كانوا يترصدون مطاردة المصالح الفرنسية، سعوا إلى إنشاء قناة بديلة عُرفت بـ”ترعة حيفا” وحول ذلك كتبت مجلة “المقتطف” اللبنانية ـ المصرية في عدد تشرين الثاني/نوفمبر 1929:

“قرأنا سيرة الجنرال غوردون باشا (تشارلز جورج غوردون الحاكم العسكري الإنكليزي للسودان وقد قتله الثوار المهديون في مدينة الخرطوم عام 1885) فرأينا منها من الآراء والأسرار ما يميط اللثام عن السياسة الأوروبية المبنية على المصالح المالية، ومن هذه الآراء أن تُنشىء انكلترا ترعة من حيفا إلى بحيرة لوط (البحر الميت) ومنها إلى خليج العقبة فتقوم مقام ترعة السويس وتكون خاصة لإنكلترا، وإن احتلال انكلترا لمصر غايته ضمان ربا الدين المصري البالغ تسعين مليوناً من الجنيهات والسيطرة على ترعة السويس، فأوقع المشاكل بينها وبين فرنسا، ولذلك يحسن بها أن تنال فرماناً من السلطان ـ العثماني ـ لحفر ترعة واسعة توصل بحر الروم عند حيفا بالبحر الأحمر عند العقبة”.

قبل الختام؛

كتب (آب/اغسطس 1910) أمير الشعراء أحمد شوقي شامتاً ومتشفياً في ذكرى رحيل الحملة الفرنسية عن مصر في مجلة “الزهور” المصرية:

وأتى النسر ينهب الأرض نهبا/حوله قومه النسور ظماءُ

يشتهي النيل أن يشيد عليه/دولة عرضها الثرى والسماءُ

سكتت عنه يوم عيرها الأهر/مُ لكن سكوتها استهزاءُ

فهي توحي إليه أن تلك واتر/لو فأين الجيوش أين اللواءُ.

الختام؛ عن البحر الأحمر كتب (نيسان/أبريل 1929) أحمد زكي باشا في مجلة “الحديقة” القاهرية:

“كان مصدر المجد لأمتنا ومنبع السعادة لأجدادنا حين كانت الكلمة متحدة والغاية واحدة، ذلك البحر الذي أصبح اليوم ليس لنا فوقه راية ولا في مصيره رأي”.

(*) راجع الجزء الأول: البحر الأحمر.. حروب الفوز بـ”طريق الآلهة” (1)

(*) راجع الجزء الثاني: البحر الأحمر.. من النبي موسى إلى أصحاب الأخدود (2)

(*) راجع الجزء الثالث: البحر الأحمر.. من نجدة المسيحيين إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة (3)
(*) الجزء الخامس يوم الأربعاء المقبل: البحر الأحمر والصراع العربي ـ الإسرائيلي 

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  الهند الآتية.. ولاّدة ثورة أم فوضى دولية؟