

تُطلق حكومة نواف سلام بدءاً من جلسة اليوم (الجمعة) مشروعها الإصلاحي من خلال مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وذلك بعد مرور خمس سنوات ونصف على الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي. قبله، كانت هذه الحكومة قد قرّرت تعيين كريم سعيد لحاكمية مصرف لبنان المركزي. غير أن المأخذ الأساس لأهل الاصلاح أن أي مشروع إصلاحي جدي يجب أن يُحدّد الأولويات المطلوبة سياسياً وإدارياً واقتصادياً ومالياً، ومن ثم تقديم سلسلة مشاريع قوانين إلى مجلس النواب مرفقة بجداول زمنية وآليات محددة.
***
في عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958 – 1964)، أفضت الورشة الإصلاحية إلى سلسلة انجازات أبرزها انشاء مجلس الخدمة المدنية وهيئات الرقابة وأبرزها هيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، كما شملت تنظيم قوى الأمن في إطار المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي فضلاً عن إصلاحات عديدة صدرت بموجب مراسيم إشتراعية.
وفي عهد الرئيس شارل حلو (1964 – 1970)، غلب على الإصلاح طابع “التطهير” وشمل إقالة موظفين (فاسدين أو مقصرين) كبار من وظائفهم عقاباً لهم وعبرةً لغيرهم.
وفي عهد الرئيس الياس الهراوي (1989 – 1998)، اقتصر الإصلاح الذي أقدمت عليه حكومات رفيق الحريري، على إقالة بضعة موظفين، ليتكرر الأمر في عهد الرئيس إميل لحود (1998-2007) ولا سيما إبّان حكومة الرئيس سليم الحص (1998-2000) حيث وُضِعَ عددٌ من موظفي الفئة الأولى بتصرف مجلس الوزراء.
غير أن هذه “البروفات” الإصلاحية، منذ انتهاء ولاية فؤاد شهاب حتى يومنا هذا، اقتصرت على وضع موظفين بتصرف مجلس الوزراء، أي لم تتم الإضاءة على مخالفات هؤلاء الموظفين لكي تكون المحاسبة واضحة ولم تقترح الحكومات تدابير لعدم تكرار المخالفات من قبل الإدارات الجديدة سواء بتنظيم قواعد العمل أو من خلال وضع تشريعات تحد من امكانية المخالفة. عملياً، جعل ذلك المبادرات الإصلاحية مجرد مواسم سياسية انتخابية بدلاً من وضعها في خانة اصلاح الدولة.
***
إذا توافرت إرادة سياسية، يمكن المباشرة بالإصلاحات بدءاً بالحرص على تطبيق القوانين النافذة والنائمة في الأدراج ومن ثم إطلاق ورشة تشريعية واسعة النطاق بالتعاون بين رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة
ما هي الإصلاحات المطلوبة من الدولة، رئاسةً وحكومةً ومجلساً نيابياً، وهل يُمكن أن يتقدم أيُ إصلاح على الإصلاح السياسي؟
من حسنات اتفاق الطائف أنه تضمن رزمة من الاصلاحات الدستورية التي لم يوضع معظمها موضع التنفيذ برغم مرور 36 سنة على إقرار الإتفاق، وحسناً فعل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن تعهدا بتنفيذ ما لم يُنفذ من اتفاق الطائف أو تصحيح ما تم تنفيذه بشكل أعوج.. وهذا الأمر يُعيد سؤال الأولويات؟
أولاً؛ الإصلاحات الدستورية:
هناك شق تضمنه الطائف مثل المادة 22 من الدستور التي تقول إنه مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي يستحدث مجلس للشيوخ يمثل كافة العائلات الروحية ويكون اختصاصه محصوراً بالقضايا المصيرية، وهناك أيضاً المادة 95 التي نصت على تشكيل الهيئة الوطنية المكلفة اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة برئاسة رئيس الجمهورية مهمتها دراسة واقتراح السبل الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء.
ولا يُمكن الحديث عن اصلاح سياسي من دون التطرق إلى قانون الانتخاب. وثمة أفكار عديدة حول قانون الانتخاب من دائرة الصوت الواحد لشخص واحد إلى القضاء إلى المحافظة إلى لبنان دائرة انتخابية واحدة. ومن الالتزام بالقيد الطائفي إلى عدم الالتزام به. ومن الإبقاء على مجلس تشريعي هو مجلس النواب إلى اضافة مجلس شيوخ على أساس القيد الطائفي.
وهناك شق آخر يتصل بالتعديلات الدستورية المطلوب إدخالها، إستناداً إلى تجربة عمرها 36 سنة؛ وهذه عملية معقدة تتطلب وجود رئيس جمهورية وحكومة عاملة ودورة عادية للمجلس النيابي وأكثرية الثلثين لاقرار التعديلات. أما الإصلاحات الدستورية المطروحة فهي لإجلاء بعض التناقض والغموض في بعض المواد الدستورية ومنها:
1-مهلة انتخاب رئيس الجمهورية: وقع لبنان ما بعد الطائف في أزمة فراغ رئاسي ثلاث مرات نظراً لعدم وجود نص دستوري حاسم. يتضمن النص الدستوري المتعلق بالانتخاب الآتي:
“قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بشهر على الأقل وشهرين على الأكثر يلتئم المجلس بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب رئيس جديد وإذا لم يُدع المجلس لهذا الغرض فإنه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء ولاية الرئيس”.
يُمكن حل هذه المعضلة بإضافة نص يُوجب اجتماع المجلس في اليوم العاشر المذكور في جلسات متوالية وبالنصاب الدستوري لانتخاب رئيس ولذلك تفادياً لأي فراغ رئاسي.
2-شرعية الحكومة ودستوريتها: نص البند “ي” من مقدمة الدستور: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. فيما نصت المادة ٦٩ عن حالات اعتبار الحكومة مستقيلة ومنها “إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها”.
وقد قادنا هذا التناقض إلى حالة عام ٢٠٠٦ حين استقال الوزراء الشيعة (استقال معهم الوزير يعقوب الصراف الأرثوذكسي) ففقدت الحكومة ميثاقيتها وخالفت البند “ي” من مقدمة الدستور لكنها لم تفقد أكثر من ثلث أعضائها فبقيت حكومة دستورية وبالتالي عاشت البلاد نحو سنتين في ظل حكومة غير شرعية ولكنها دستورية حسب نصوص الدستور. كيف نتعامل مع حكومة دستورية وغير شرعية؟
3-القوات المسلحة: نصت المادة ٤٩ على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء. كيف يكون الرئيس قائداً أعلى لقوات تخضع لسلطة مجلس الوزراء وما هي الحدود بين القيادة والخضوع!
4-المهل الدستورية: حدّدت المادة ٦٤ مهلة شهر حتى تتقدم الحكومة ببيانها الوزاري من مجلس النواب، لكنه لم يحدد المهلة لرئيس الجمهورية ليكلف رئيساً لتشكيل الحكومة ولم يحدد مهلة لرئيس الحكومة لتقديم التشكيلة الحكومية وهذا ما أدخل البلاد في حالة تصريف أعمال وأحياناً وجود رئيس مكلف ورئيس حكومة تصريف أعمال في الوقت نفسه. تأخر الرئيس ميشال عون مرة واحدة في التكليف نحو شهر. أما تأخير التأليف فقد امتد مع الرؤساء سعد الحريري ونجيب ميقاتي مرات عديدة أكثر من ستة أشهر، واحتاج تأليف حكومة تمام سلام في العام 2014 إلى 315 يوماً!
5-مهلة توقيع المرسوم: منح الدستور رئيس الجمهورية مهلة أسبوعين لتوقيع مرسوم بعد اقراره في مجلس الوزراء وإذا لم يوقعه خلال هذه المهلة ينشره رئيس مجلس الوزراء بعنوان “مرسوم نافذ حكماً”. لكن الدستور لم يمنح الوزير ولا رئيس الوزراء أي مهلة وهي مفتوحة وهناك العديد من قرارات مجلس الوزراء بقيت مشاريع مراسيم في أدراج رؤساء الوزراء وبعض الوزراء.
***
ثانياً؛ تطبيق القوانين:
لطالما ردّد رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زواره أن هناك أكثر من 70 قانوناً من القوانين الإصلاحية أقرها مجلس النواب في السنوات الماضية، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ حتى الآن. إذاً قبل الحديث عن اصلاحات جديدة يجب تطبيق القوانين التي أقرت سابقاً. ومن المعروف أن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ومجلس شورى الدولة يراجعان القرارات الحكومية إما مسبقاً وإما بناءً على شكوى. كما أن الصفقات تحتاج إما إلى موافقة مسبقة من ديوان المحاسبة أو في بعض الأحيان موافقة متأخرة.
لكن أموراً كثيرة يتم تجاوز القوانين فيها. أذكر مثلاً في الأسلاك العسكرية والأمنية ومسألة الفصل الوظيفي، حيث يتفادى بعض قادة ورؤساء الأجهزة موضوع التشكيلات فيلجأون إلى الفصل وفقاً لصلاحية محددة. لكن الفصل له طابع مؤقت ومهلة زمنية محددة، فنجد ضابطاً مسؤولاً في وظيفة تم فصله منذ سنوات ولم يجرِ تعيينه رسمياً. في بعض الحالات، زاد عدد الضباط المفصولين عن المعينين في بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية. أيضاً هناك التكليف في وزارات الدولة له طابع ظرفي لكننا نجد موظفين مكلفين أكثر من المعينين وكل ذلك التكليف أو الفصل الطويل الأمد هو نوعٌ من التحايل على القانون.
ولعل أخطر ما نتج عن عدم تطبيق القوانين هو ما وصلنا إليه من امتناع المصارف عن دفع ودائع اللبنانيين ومن ثم التفريق بين الدولار القديم الذي يتباهى المصرفيون بتسميته “لولار” وبين الدولار الجديد الـ fresh. لقد خالفت المصارف ومصرف لبنان أحكام قانون النقد والتسليف وتسببا بضياع أموال المودعين، كما أن لجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا لم تطبقا القوانين وأدى ذلك كله إلى ادخال البلد في أزمة جراء عدم تطبيق القوانين وانعدام المساءلة والمحاسبة.
***
ثالثاً؛ الإصلاح المالي:
يتطلب الاصلاح المالي تشريعات ومراسيم ونظم ترتكز على مسألتين أساسيتين:
1-تأمين جباية ضرائب كاملة وملاحقة التهرب الضريبي بشكل فاعل كما هو الحال في الدول المتقدمة.
2-فرض ضرائب تصاعدية عادلة على جميع المكلفين.
إذا توافرت إرادة سياسية، يمكن المباشرة بالإصلاحات بدءاً بالحرص على تطبيق القوانين النافذة والنائمة في الأدراج ومن ثم إطلاق ورشة تشريعية واسعة النطاق بالتعاون بين رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة.