أميركا الترامبية تعود إلى القرن الـ19.. حروباً تجارية وطموحات إقليمية!

يقلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب المشهد رأساً على عقب. يقول إن العالم كان "ينهب" الولايات المتحدة على مدى عقود وليس العكس. ولذا، اقتضى إعلان الثاني من نيسان/أبريل "يوم التحرير" لأميركا من الاستغلال، بفرض أكبر حزمة من التعريفات الجمركية عرفها التاريخ على كل الدول، الحليفة والمنافسة على حد سواء. 

أغرق دونالد ترامب العالم في لجة من الفوضى التجارية غير المعهودة منذ قرن من الزمن، باسم إعادة التوازن إلى ميزانها التجاري مع الآخرين. وأثبت أيضاً أنه عندما تعهد بزيادة الرسوم الجمركية بنسب تبدأ من 10 في المئة ولا تنتهي عند 54 في المئة، أنه لم يكن يناور حتى يحصل على اتفاقات تجارية أفضل، وإنما هو عازم على نسف النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ منذ مؤتمر بريتون وودز عقب الحرب العالمية الثانية، والذي قاد بشكل أو بآخر إلى انفتاح تجاري بين الدول وصولاً إلى العولمة التي سهلتها ثورة الاتصالات منذ تسعينيات القرن الماضي.

يأتي ترامب اليوم ليُعيد رفع جدران الحماية الاقتصادية، التي يرى أن زيادة الرسوم الجمركية بالشكل الشامل الذي أعلنه، تُعيد للولايات المتحدة ثلاثة تريليونات دولار، هي حجم العجز في ميزانها التجاري. والأخطر، أن ترامب تجاهل كل التحذيرات الصادرة عن الخبراء الاقتصاديين الذين نبّهوا إلى امكانية أن تقود الاستراتيجية الحمائية الجديدة إلى زيادة التضخم حتى الوصول إلى مرحلة الدخول في الكساد على نحو ما حصل في ثلاثينيات القرن الماضي، ومن قبله الكساد الكبير في القرن الـ19.

الحروب التجارية التي أطلقها ترامب قبل أن ينهي المئة يوم الأولى من ولايته الثانية، تترافق مع اتساع الفالق في العلاقات عبر ضفتي الأطلسي، ليس بسبب ميل الرئيس الأميركي إلى التطبيع مع روسيا، بل أيضاً بسبب طموحه إلى السيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة اسمياً للدانمارك

رسوم.. مُدمّرة!

لا يبالي ترامب كثيراً بانهيار البورصات من وول ستريت إلى أوروبا وآسيا عقب “يوم التحرير”، ولا يصغي للتحذيرات ويمضي خلف ما يراه مناسباً حتى ولو كان مبنياً على الأوهام. هو يريد من الشركات الأميركية التي تستثمر في الخارج، العودة إلى الولايات المتحدة أو تحمل عبء دفع الرسوم الجديدة. والوفرة التي ستجنيها أميركا من الرسوم الجديدة، ستؤمن التوازن مع خفض الضرائب في الداخل.

لا تقتصر الزيادة في التعريفات الجمركية التي يصفها ترامب بـ”أجمل كلمة في القاموس” على من سيُحقق عائدات تحدث توازناً مع خفض الضرائب، بل إنّ تسريح عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين، وإلغاء وكالات فيديرالية مثل “يو إس أيد” (usaid) وسائل إعلام ممولة من الحكومة الأميركية، ووقف المساهمة الأميركية في تمويل منظمة الصحة العالمية، وهي إجراءات اتخذتها “وزارة الكفاءة الحكومية” المستحدثة برئاسة قطب التكنولوجيا إيلون ماسك، كلها تدابير تدخل في صلب خطة ترامب لتوفير النفقات الفيديرالية، حتى يصير في الامكان المضي في مشروع خفض الضرائب الذي تعهد به ترامب في حملته الانتخابية.

وترى مجلة “الإيكونوميست” البريطانية “أن مبررات ترامب مُحيّرة إذ أنه ربط الرسوم الجمركية بمراقبة الحدود، وتهريب المخدرات، وضريبة القيمة المضافة، والعجز التجاري، وتطبيق “تيك توك”، وطموحاته الإقليمية. وهو هدّد مؤخراً بفرض رسوم على أي دولة تشتري نفط فنزويلا. وستكون هذه الرسوم (الثانوية)، المفروضة على الشركاء التجاريين للدول المستهدفة، مدمّرة”.

الحروب التجارية

يستلهم ترامب الزيادات في التعريفات الجمركية من الرئيس الأميركي الـ25 وليم ماكلني الذي اغتيل عام 1901 بعد ستة أشهر من ولايته الثانية. ماكنلي هذا يقول عنه الرئيس الـ47 في خطاب التنصيب في 20 كانون الثاني/يناير الماضي: “إنه جعل بلدنا ثرياً جداً من خلال الرسوم الجمركية وموهبته”.

الحروب التجارية التي أطلقها ترامب قبل أن ينهي المئة يوم الأولى من ولايته الثانية، تترافق مع اتساع الفالق في العلاقات عبر ضفتي الأطلسي، ليس بسبب ميل الرئيس الأميركي إلى التطبيع مع روسيا في سياق البحث عن تسوية سياسية للحرب الروسية-الأوكرانية، بل أيضاً بسبب طموحه إلى السيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة اسمياً للدانمارك، الدولة العضو في “الناتو” وفي الاتحاد الأوروبي. وكذلك بسبب تكراره الرغبة في جعل كندا الولاية الأميركية الرقم 51، وسياسة الابتزاز التي يمارسها ضد بناما كي تتنازل عن القناة أو تقطع علاقاتها التجارية مع الصين.

أضف إلى ذلك، صفقة المعادن مع كييف أو السيطرة على المفاعلات النووية الأوكرانية، كتعويض عن المساعدات العسكرية والاقتصادية التي قدّمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا على مدى ثلاثة أعوام من الحرب.

التاريخ.. والاستيلاء على الأراضي

والشهر الماضي، طلب ترامب من رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون أن يجلب له رسماً معلقاً على أحد جدران الكونغرس للرئيس الأميركي الـ11 جيمس بولك الذي توفي عام 1849 بعيد انتهاء ولايته.

بعد ماكنلي، لماذا اختار ترامب تعليق رسم بولك في البيت الأبيض؟ تروي صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أن بولك على رغم أنه كان رئيساً لولاية واحدة، فإنه تمكن من ضم تكساس إبان الحرب الأميركية-المكسيكية التي انتهت بتنازل المكسيك للولايات المتحدة عن مساحة 500 ألف ميل مربع، بما فيها كاليفورنيا وأريزونا ونيومكسيكو ونيفادا ويوتاه وأجزاء من كولورادو وومينغ، وذلك في مقابل 15 مليون دولار. وبحسب المؤرخ الأميركي هامبتون سيدس، فإن ذلك كان عبارة عن “واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الأراضي في تاريخ العالم”.

إقرأ على موقع 180  الليرة التركية وعناد أردوغان.. "لوبي المؤامرات" والفوائد

وعندما عرض ترامب لزوار البيت الأبيض رسم بولك، كان ينوه إلى أنه الرئيس الأميركي الذي “حصل على الكثير من الأراضي”.

ويُبرّر ترامب سعيه إلى السيطرة على غرينلاند في القطب الشمالي، بأن ذلك أمر ضروري للتصدي لطموحات روسيا والصين في هذه المنطقة الحيوية للأمن القومي الأميركي. وللتدليل على هذه الأهمية، زار نائبه جيه. دي. فانس القاعدة الأميركية في الجزيرة الأسبوع الماضي. تحتوي غرينلاند على احتياطي هائل من المعادن والغاز والنفط. وهذا أمر مغرٍ جداً لرئيس يبحث عن الصفقات، ناهيك بما يُمكن أن تُوفره الجزيرة من قدرة على التحكم بالممرات والطرق البحرية مستقبلاً في المحيط المتجمد الشمالي.

بين وهم الولاية الثالثة وواقع الحاجة إلى تعديل دستوري ليس متيسراً، ينقسم الأميركيون حيال الأمر. هناك من يعتقد أن ترامب إنما يطرح المسألة من قبيل إثبات القوة، ولتوجيه رسالة إلى خصومه بأنه باقٍ في البيت الأبيض، لأنه الوحيد الذي يعمل على إعادة أميركا أمة عظيمة مرة أخرى

الولاية الرئاسية الثالثة والرابعة!

كل هذه التغييرات الكبيرة في النظام العالمي، تتزامن أيضاً مع حديث متكرر ومتصاعد لترامب عن اعتزامه الترشح لولاية ثالثة، علماً أن الدستور يحظر الترشح لولاية ثالثة. وحده فرانكلين روزفلت انتخب لأربع ولايات متتالية بسبب ظروف الكساد والحرب العالمية الثانية.

ويؤكد ترامب أنه “لا يمزح” عندما يتحدث عن الولاية الثالثة، لكن الوقت لا يزال مبكراً للتفكير في الطريقة التي يُمكن أن تؤمن له البقاء في البيت الأبيض في 2028 عندما يكون بلغ من العمر 82 عاماً.

بين وهم الولاية الثالثة وواقع الحاجة إلى تعديل دستوري ليس متيسراً، ينقسم الأميركيون حيال الأمر. هناك من يعتقد أن ترامب إنما يطرح المسألة من قبيل إثبات القوة، ولتوجيه رسالة إلى خصومه بأنه باقٍ في البيت الأبيض، لأنه الوحيد الذي يعمل على إعادة أميركا أمة عظيمة مرة أخرى.

حتى الآن، نائب جمهوري واحد هو آندي أوغلز، تجرأ على اقتراح تعديل الدستور بما يتيح انتخاب ترامب لولاية ثالثة. بيد أن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون، يؤكد أن ترامب يطرح الولاية الثالثة على سبيل النكتة والتسلية. كما أن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام المقرب من ترامب لا يحبذ الفكرة.

وترامب الذي يطرح نفسه بأنه أعظم رئيس للولايات المتحدة، ويقدم على تغيير وجه أميركا والعالم بهذه السرعة، لا بد وأن يرى نفسه مستحقاً لولاية ثالثة وربما رابعة، لاستكمال نقل أميركا إلى “العصر الذهبي”، الذي وعد به في خطاب أداء اليمين لولايته الثانية.

ويبقى كل ذلك مرهوناً بما سيجنيه الأميركيون من فوائد أو انهيارات من سياسات ترامب العصي دائماً على التنبؤ بأفعاله.

يتوقف الكثير على ماهية رد دول مثل الصين واليابان وألمانيا ومجمل الاتحاد الأوروبي، باستثناء المجر، وفاعلية هذا الرد في حمل ترامب على التراجع عن حروبه الاقتصادية.

“رجل التعريفات” بامتياز، لا يعاقب الصين أو من هم في خانة الخصوم، بل أيضاً ينفصل اقتصادياً عن الغرب، فهل هذه مقدمة للانفصال العسكري وسحب الحماية الأميركية للحلفاء في أوروبا وآسيا؟

يومٌ لم يعد الحلفاء يرونه ببعيد.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حلف إسرائيل الإقليمي.. خُذ الحكمةَ من أبناء "يهوه"!