سياسة الإغراق: كيف تُفكّك أمريكا خصومها المتحالفين؟

من أوروبا إلى بحر الصين الجنوبي، ومن ميانمار إلى باكستان، ومن القوقاز إلى الخليج، تتكرر القاعدة نفسها: الخصوم يُستنزفون، والحلفاء يُستدعون، وممرات الطاقة تُدار كعصب الاقتصاد والحرب معًا. وإذا كانت الصين هي الهدف الاستراتيجي النهائي، فإن السلاح الأكثر فعالية ليس المدفع ولا الصاروخ، بل النفط: من يملكه، ومن يمرّ عبره، ومن يستطيع قطعه أو استبداله في لحظة واحدة. هنا تبرز فنزويلا، لا باعتبارها ملفًا لاتينيًا هامشيًا، بل كمفتاح يتيح لواشنطن ضرب نفط روسيا وإيران من دون أن تدفع ثمن انفجار الأسعار في الداخل الأميركي.

1) أوروبا تحت اختبار المسيّرات

لا تبدو الحروب المشتعلة اليوم كأنها صدامات منفصلة: أوكرانيا وحدها، أو تايوان وحدها، أو الشرق الأوسط وحده. المشهد أقرب إلى لوحة واحدة تتحرك فيها الجبهات كقطع دومينو على رقعة عالمية، حيث تتقدم الولايات المتحدة خطوة، فيرد خصومها بخطوة، ثم تُفتح ساحات جديدة لتعديل ميزان الضغط. في هذه اللوحة، لا يكمن السؤال الأهم في “هل نقترب من حرب عالمية ثالثة؟”، بل في كيفية إدارة حربٍ واسعة مندلعة بالفعل من دون إعلانها.. الأصح أن نسأل: متى تنتهي موجة الحرب التي بدأت تتشكل بالفعل؟ ففي أوروبا، لم يعد الصراع الروسي-الأوكراني محصورًا بخطوط تماس بعيدة. الطائرات المسيّرة الروسية باتت تُلامس عمقًا أوروبيًا حساسًا، وتكشف هشاشة قدرة القارة العجوز على الردع الفعّال، سواء عبر اختراقات أمنية أو عبر رسائل ضغط رمزية من نوع التحليق قرب مواقع استراتيجية. أوروبا تملك خطابًا صلبًا، لكنها تبدو أقل قدرة على منع “تآكل الردع” حين يتحول الاستنزاف إلى نمط يومي.

2) تركيا وروسيا: رسائل على الحافة

بالتوازي، تتصاعد رسائل غير مباشرة بين تركيا وروسيا، في الجغرافيا الرمادية التي تمتد من البحر الأسود إلى القوقاز. إسقاط طائرة شحن عسكرية، واستهداف سفن، والضغط على “أسطول الظل” الروسي… ليست أحداثًا معزولة بقدر ما هي إشارات متبادلة حول خطوط حمراء تتغير. وعندما تُستهدف ناقلات نفط أو تُحاصر طرق الالتفاف على العقوبات، يصبح البحر نفسه ساحة تفاوض قاسية: من يملك حرية الحركة؟ ومن يُجبر على تعديل السلوك؟

3) فيتنام تفتح ملف بحر الصين الجنوبي

في شرق آسيا، تعود المنافسة على بحر الصين الجنوبي إلى الواجهة عبر تحركات فيتنام لبناء جزر صناعية تضم مطارات، في خطوة تُحرج الصين لأنها تستخدم الأداة نفسها التي رسخت بها نفوذها هناك. لهذا البعد معنى تاريخي؛ فالصين توسعت في تلك المناطق في لحظة فراغ أميركي بعد حرب فيتنام، والآن يبدو أن فيتنام تتحرك داخل صراع أكبر: صراع واشنطن وبكين.

وتكتسب فيتنام أهمية إضافية لأنها دولة تختزن إرثًا عسكريًا مختلفًا: تجربة مواجهة الولايات المتحدة والانتصار عليها، ثم المواجهة مع الصين عام 1979. لذلك فهي ليست مجرد “دولة ساحلية” في معادلة بحرية، بل عقدة سياسية ورمزية في الصراع الأميركي-الصيني.

أما اليابان، فتعلن استعدادها للتدخل إذا غُزيت تايوان، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة اقتصاديًا بالصين بأرقام ضخمة. في الخلفية، تظهر مفارقة أساسية: المصالح الاقتصادية تدفع إلى التهدئة، بينما ترتيبات الأمن تدفع إلى التصعيد. وفي لحظات معينة، قد تفضّل واشنطن تخفيض مستوى الاستفزاز مرحليًا ثم رفعه لاحقًا وفق توقيت المواجهة الكبرى.

4) طريق الصين إلى المياه الدافئة تحت النار

في جنوب آسيا، تتداخل خطوط النزاع الهندي-الباكستاني-الأفغاني مع سؤال أكبر: كيف تصل الصين إلى المحيط الهندي؟ ميناء غوادر الباكستاني، بوصفه منفذًا حيويًا لبكين ضمن “الحزام والطريق”، يتحول إلى هدف ضغط مباشر عبر هجمات تستنزف الأمن حوله وتُشعر الصين بأن طريقها إلى المياه الدافئة يمكن خنقه.

إنها نقطة حساسة: الصين قوة صناعية كبرى، لكنها تظل معتمدة على مسارات طاقة وشحن يمكن تعطيلها. لذلك يصبح إشعال جبهة في هذه المنطقة ليس مجرد صراع محلي، بل ضغط على شريان استراتيجي صيني.

5) الممرات البديلة تتحول إلى ساحات صراع

في أفريقيا، تبرز نيجيريا بوصفها دولة ثقيلة وزنًا: اقتصادًا وسكانًا وموقعًا على خليج غينيا، الذي يزداد أهميته مع تهديد ممرات أخرى كالبحر الأحمر وباب المندب. ومع تنامي الحضور الصيني في أفريقيا، تعود واشنطن للاهتمام بمناطق يمكنها أن تلعب فيها على الانقسامات الداخلية أو على ملفات الهوية والدين، بما يسمح بتغيير البيئة الاستراتيجية دون حرب تقليدية مباشرة.

وفي آسيا، تبدو ميانمار مثالًا شديد الدلالة. موقعها يمنح الصين متنفسًا على المحيط الهندي يخفف من “اختناق” مضيق ملقا الذي يمكن للولايات المتحدة التأثير فيه. لهذا استثمرت بكين في موانئ وسكك حديد. لكن الحرب الأهلية تُحوّل المشروع إلى مستنقع: بدل أن تكون ميانمار ممرًا صينيًا، تصبح ساحة استنزاف تمنع بكين من تثبيت موطئ قدم دائم على الساحل.

6) إعادة رسم طرق التجارة والطاقة

في القوقاز، يُقرأ “ممر زنغزور” باعتباره أكثر من تفصيل بين أرمينيا وأذربيجان. هو جزء من إعادة ترتيب طرق العبور والتجارة والطاقة بما يقلل من وزن روسيا وإيران، ويزيد وزن تركيا، ويخدم عمليًا فكرة “تحويل المسارات” بعيدًا عن الخصوم. أما كازاخستان، فتمثل جغرافيا مفصلية بين روسيا والصين وإيران والبحر الأسود وتركيا. عندما يتغير مسار “طريق الحرير” بحيث يقل المرور بروسيا، فهذا ليس قرارًا تقنيًا؛ إنه قرار استراتيجي يُعيد توزيع النفوذ.

إقرأ على موقع 180  في زمن كورونا: حكومة دياب تهتز ولن تسقط

7) الشرق الأوسط.. إعادة توزيع الوكلاء

في الشرق الأوسط، تُعلن واشنطن رغبتها في الانسحاب للتفرغ للصين، لكن الانسحاب لا يعني ترك المنطقة، بل إعادة إدارتها. كانت الفكرة سابقًا: تسليم موسكو دورًا ضابطًا يمنع انفلات إسرائيل ويحد من نفوذ الصين. ثم انهار هذا الترتيب مع جبهة أوكرانيا، فحاولت روسيا- بتنسيق مع إيران وبدعم صيني- إعادة إغراق واشنطن في الشرق الأوسط عبر استثمار الصراع. لكن الولايات المتحدة أظهرت قدرة على احتواء التصعيد وسحب إدارة المشهد من روسيا بسرعة، لتعيد تسليمه إلى شبكة حلفاء، تتقدمها تركيا والسعودية.

أمام هذا التحول، تبحث روسيا عن بدائل لسوريا: الشرق الليبي، بورتسودان، ونقاط تماس قريبة من قناة السويس. الهدف واضح: موطئ قدم على مداخل ومخارج التجارة العالمية.

أما إيران، فالصراع مع إسرائيل ليس هدفه الإبادة بقدر ما هو ورقة ضغط لابتزاز واشنطن كي تمنحها نفوذًا إقليميًا. لكن العقيدة الأميركية العميقة ترفض تسليم أي إقليم لطرف واحد. الأفضل لواشنطن هو إدارة التوازن بين أضداد، كي تبتز الجميع عند الحاجة.

ضمن هذا المنطق، يصبح ملف سلاح حزب الله جزءًا من معادلة أوسع: حتى لو فُكك السلاح، لا تنتهي الأطماع الإسرائيلية جنوبًا، ولا تختفي جبهات الماء والحدود. وفي الوقت نفسه، يُحاصر حزب الله داخليًا بين ضرورة عدم الاعتراف بالهزيمة كي لا يخسر بيئته، وبين عدم القدرة على تحمل استنزاف مفتوح، كما يحصل منذ اتفاق وقف النار في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حتى يومنا هذا.

8) النفط سلاح واشنطن الأشد ضد الصين

وسط كل هذه الجبهات، تتضح الفكرة المركزية: كل النيران تُشعل في سياق واحد هو كبح صعود الصين. وأقوى أدوات الكبح هي الطاقة. الصين تستورد القسم الأكبر من احتياجاتها النفطية والغازية، ويظل مضيق ملقا “قصبتها الهوائية” القابلة للخنق. البدائل البرية إلى المحيط الهندي ضُربت أو أُضعفت (ميانمار، غوادر…). لذا يصبح إنقاذ الصين مرهونًا بطريقين يمكنهما تزويدها برًا بعيدًا عن الأساطيل: روسيا وإيران.

ولهذا تكتسب خطوط الطاقة الروسية-الصينية معنى مضاعفًا: ليس لأنها مشاريع اقتصادية، بل لأنها طرق “تنفّس” لبكين. وكذلك خطوط الربط الصينية-الإيرانية عبر آسيا الوسطى أو باكستان أو أفغانستان… كلها تتحول إلى مسألة أمن قومي صيني.

9) فنزويلا: الورقة التي تسمح بضرب روسيا وإيران دون صدمة أسعار

هنا تبرز فنزويلا في الحسابات الأميركية كحل عملي: دولة تملك احتياطيًا نفطيًا هائلًا. مع السيطرة على نفط فنزويلا، باتت واشنطن تملك القدرة على تعويض أي نقص عالمي إذا ضُرب النفط الروسي والإيراني من المصدر. ضرب مصافي روسيا أو منشآتها أو تعطيل صادرات إيران قد يرفع الأسعار عالميًا ويصيب السوق الأميركية أولًا. لذا يحتاج البيت الأبيض إلى “مصدّ” نفطي جاهز، لا سيما وأن الولايات المتحدة على موعد مع الانتخابات النصفية في نهاية تشرين الأول/أوكتوبر المقبل.

وعندما يُقال إن فنزويلا ليست أصل أزمة المخدرات الأميركية، فالغاية واضحة: تبرير اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو بحجة المخدرات ليس مقنعًا لأن فنزويلا ليست منتجًا رئيسيًا. إذًا، السبب الحقيقي هو النفط—أي القدرة على التحكم بسوق الطاقة العالمية، وتالياً التحكم بعائدات روسيا وإيران، وبشكل غير مباشر أيضًا بعائدات الخليج.

10) “العدو والصديق” أداة واشنطن لإدامة الهيمنة

في النهاية، تُقسم الولايات المتحدة العالم إلى عدو وصديق وفق حاجتها. تضخّم خطر العدو كي يركض الصديق نحوها طالبًا الحماية، ثم تفرض أثمانًا سياسية وأمنية واقتصادية. وإذا تمرّد الصديق، يُطلق العدو للضغط عليه. وإذا كبر العدو وخرج عن السيطرة، تُعاد هندسة التوازن. فتدخل الأطراف في حروب استنزاف، ثم تأتي واشنطن لاحقًا بدور “المنقذ”، لا رحمةً بل ابتزازًا للطرفين.

بهذا المعنى، ليست الحروب مجرد انفجارات عشوائية، بل جزء من إدارة طويلة المدى: “الإغراق أولًا… ثم الإنقاذ المشروط”. وحين تتحرك الجبهات بهذا الشكل، يصبح النفط- لا الخطب ولا الشعارات- هو اللغة التي تُكتب بها خرائط النفوذ.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب سياسي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  صراع عمالقة اللقاحات: إنقاذ مليارات وحصاد مئات المليارات!