الدور المصري في وقف الحرب.. ومعركة اليوم التالي

يوم الخميس الماضي، تحدثت في هذا المكان بعجالة عن إقرار وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية بمحورية الدور المصري في الجهود الدبلوماسية التي أثمرت عن اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الدور الذي قاد، مع جهود أخرى باكستانية وتركية، إلى بدء المفاوضات في إسلام آباد.

اليوم أتحدث عن المزيد من التفاصيل الخبرية حول هذا الموضوع، والأهم عن الجهود المصرية لترتيبات اليوم التالي من أجل الأمن القومي العربي.

معلوماتي المؤكدة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان يتابع يوميًا كل كبيرة وصغيرة في ملف خفض التصعيد وسد الفجوات خلال فترة الحرب التي استمرت أربعين يومًا.

وكان الرئيس يكلف وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي بالاستمرار وعدم اليأس، خصوصًا في اللحظات التي وصلت فيها الجهود إلى طريق مسدود أكثر من مرة، وكانت الرسالة: «لا مانع من تكرار المحاولة مرة واثنتين وثلاثًا وأربعًا حتى نصل إلى الهدف المنشود».

التحرك المصري كان ينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الآنية. صحيح أن هدفه كان وقف الحرب، لكنه كان يعي أن القضية الأكبر هي اليوم التالي، وطبيعة الترتيبات الأمنية في المنطقة، حتى لا يجد العرب أنفسهم في وضع يشبه النتائج التي أسفرت عنها الحرب العالمية الأولى، واتفاقيات سايكس–بيكو التي قسمت العالم العربي إلى مناطق نفوذ بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، وصدور وعد بلفور عام 1917 الذي مهّد لزرع الكيان الصهيوني في المنطقة على حساب فلسطين

ما فهمته من خلال مصادر كانت قريبة من ملف الوساطة المصرية–الباكستانية–التركية أنها تحولت إلى نموذج للتشاور بين الأطراف الإقليمية، وانضمت إليها السعودية، وأدركت الدول الأربع بوضوح أنه لا يمكن لأي منها مواجهة التحديات منفردة، كما أنه لم يكن بوسع هذه الدول أن تجلس في مقاعد المتفرجين وهي ترى المنطقة تتعرض للتدمير، خصوصًا من جانب دولة تعلن بوضوح أنها تعيد رسم المنطقة من جديد، بل وتتحدث عن «إسرائيل الكبرى»!

التحركات المصرية كانت متنوعة على أكثر من اتجاه ومحور، وكانت حريصة جدًا على مصالح الخليج وسيادته وأمنه، ووجّهت رسائل تحذير من مغبة الاستمرار في الاعتداءات على الدول الخليجية، وكان مضمون هذه الرسائل أن استمرار الاستهداف ستكون له عواقب وخيمة، وتم نقل هذا المعنى بوضوح إلى كل من يهمه الأمر.

ورسالة مصرية أخرى وصلت إلى كل الأطراف، مفادها أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا بد أن يشمل المصالح العربية.

الدور المحوري للوسطاء كان محاولة تقريب وجهات النظر وطرح بعض الأفكار الخلّاقة، مما ساهم في سد الفجوات وقاد إلى اتفاق وقف إطلاق النار فجر الأربعاء الماضي.

وبالمناسبة، فإن التحركات المصرية كان هدفها الجوهري خفض التصعيد ثم وقف القتال، وقد حظيت بموافقة كل أطراف النزاع، خصوصًا الولايات المتحدة التي تقدّر مكانة مصر الإقليمية، حسبما قال لي دبلوماسي مصري مرموق.

وفي تقدير هذا المصدر الدبلوماسي، فإن المرحلة الماضية شهدت واحدة من أسوأ الأزمات التي مر بها الإقليم والعالم أجمع، وهي لا تقل خطورة عن أجواء الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت تنذر بانفجار إقليمي، وربما دولي، ولذلك فإن الوسطاء الثلاثة أيقنوا أن عدم التحرك قد يقود إلى فوضى كاملة في المنطقة.

البلدان الثلاثة مؤثرة جدًا في المنطقة، ولكل دولة منها ثقل في موقعها وإقليمها وعلاقاتها الدولية، خصوصًا مع القوى الكبرى، وبالأخص واشنطن.

الرسالة كانت واضحة: أن جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد لا بد أن تراعي المطالب العربية. فلا يُعقل أن تتم أي صفقات بين الجانبين على حساب العرب، خصوصًا أن واشنطن تتفاوض نيابة عن إسرائيل؛ فمن، في هذه الحالة، سوف يُفاوض نيابة عن المصالح العربية؟

التحرك المصري كان ينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الآنية. صحيح أن هدفه كان وقف الحرب، لكنه كان يعي أن القضية الأكبر هي اليوم التالي، وطبيعة الترتيبات الأمنية في المنطقة، حتى لا يجد العرب أنفسهم في وضع يشبه النتائج التي أسفرت عنها الحرب العالمية الأولى، واتفاقيات سايكس–بيكو التي قسمت العالم العربي إلى مناطق نفوذ بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، وصدور وعد بلفور عام 1917 الذي مهّد لزرع الكيان الصهيوني في المنطقة على حساب فلسطين.

مصر وتركيا وباكستان والسعودية تسعى في الفترة المقبلة لمواجهة محاولات بنيامين نتنياهو رسم المنطقة على أسس إسرائيلية، وهو موضوع مهم يحتاج إلى نقاش لاحق.

(*) راجع مقالة عماد حسين في “الشروق” المصرية، يوم الخميس الماضي بعنوان: “حقيقة الدور المصري في قوف النار“، وهذا رابط المقالة الحالية بعنوان “الدور المصري في الوساطة.. تفاصيل جديدة

 

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  قمة آلاسكا تحشر زيلينسكي: تسوية سياسية أو أزمة كارثية؟
عماد الدين حسين

كاتب وصحافي مصري

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  داعش من زوال خلافته إلى إستراتيجية العودة