ثلاثة مشاريع استراتيجية تتصارع على حُكم المنطقة العربية والاستيلاء على ثرواتها: استراتيجية “إسرائيكية” (إسرائيلية/ أميركية) وأخرى تركية وثالثة إيرانية. ثلاث استراتيجيات ملأت الفراغ الذي خلّفه غياب مشروع استراتيجي عربي للمنطقة العربية. ومع غياب هذا المشروع غابت كل مقاومة عربية لمواجهة المشاريع الاستراتيجية الأخرى، بل إن الدول العربية “المستقلة” خالت أن تلك الاستراتيجيات هي استراتيجياتها هي، ووجدت نفسها غير مستقلة عنها، فتوزّعت المواقف الرسمية للدول العربية، وكذلك المواقف الشعبية، المعلنة أو المُضمَرَة، بين تأييد هذه أو تلك من الاستراتيجيات المذكورة، أو تبنّيها والاصطفاف إلى جانبها.
قضت فرنسا وبريطانيا على مشروع محمد علي باشا في توحيد مصر وسوريا، وبعد قيام الكيان الصهيوني قضت إسرائيل وأميركا على مشروع جمال عبد الناصر القومي العربي. وعندما انتهى حكم السلطنة العثمانية للمنطقة العربية، في الحرب العالمية الأولى، لم ينتهِ حُلم تركيا في استعادة نفوذها السلطاني على هذه المنطقة، لكنه بقي حلماً أشبه بالمستحيل على الرغم من كونه يرتدي طابعاً استراتيجياً يظهر أحياناً للعيان، وتحاول تركيا إخفاءه في معظم الأحيان.
قبل نهاية السلطنة العثمانية نشأت في المنطقة العربية دعوة إلى التحرر من الحكم العثماني، وكانت خليطاً من حركة تحرر عربية أسهم فيها مفكّرو القومية العربية، وحركة تحرر إسلامية قادها مفكرو النهضة وسؤالُها الشهير: “لماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟” (شكيب أرسلان وقبله الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم…)، وحركة تنويرية علمانية من أعلامها إبراهيم اليازجي ونجيب عازوري وفرح انطون وشبلي شميل وعزيز علي المصري.. (راجع كتاب “طلائع يقظة الأمة العربية”). غير أنّ الحركة الإسلامية كما هو معلوم، آلت إلى إسلام استسلامي أو داعشي أو صهيوني؛ كما أنّ الحركة القومية العربية انتهت بانتهاء حزب البعث والتيار الناصري، وبداية أوسلو والاتفاقات الابراهيمية.
إلى جانب اضمحلال القوى العربية المقاومة للمشروع الصهيوني، لم يبرز مشروع عربي رسمي أو شعبي يمكن أن يتطوّر إلى استراتيجية عربية تهدف إلى ضمان ما يُسمّى “الأمن العربي”، فتحوّل الفراغ الاستراتيجي العربي إلى حافز شجّع “الآخرين” على رسم استراتيجيات خاصة بهم، وفتح الباب أمام مشاريع استراتيجية شتّى: كانت الاستراتيجية البريطانية الإسرائيلية (التي تحوّلت فيما بعد إلى أميركية إسرائيلية) هي أول من انبرى لملء الفراغ.
إلى المشروع الإسرائيلي الأميركي الهادف إلى استكمال الاستيلاء على المشرق العربي، أُضيف المشروع التركي، بعدما انبعث من جديد حلمُ تركيا باستعادة نفوذها السلطاني العثماني وبسطه على المنطقة؛ أما المشروع الإيراني فقد وُلِد متأّخراً عن المشروعين الصهيوني والتركي: عندما أسقطت الثورة الإسلامية في إيران حُكم الشاه الموالي لإسرائيل، وُلِدَ المشروع الاستراتيجي الإيراني، ودخلت إيران ميدان الصراع مع المشروع الصهيوني، من الباب الفلسطيني، وجعلت قضية فلسطين قلبَ عقيدتها السياسية والدينية والاستراتيجية. فبعدما خرجت فلسطين من الهمّ العربي، انتزعت إيران قضية تحرير فلسطين من اليد العربية المستسلمة، وجعلته همّاً إيرانياً استقطب جميع القوى العربية المحبَطَة، وأحيا فيها مَوات الأمل في مقاومة المشروع الصهيوني الرامي إلى السيطرة على كامل المشرق العربي، وربما على كامل المنطقة العربية، مشرقاً ومغرباً.
لم تعُد فلسطين كما كانت في قلب الحركة العربية القومية والإسلامية، عندما بدأ استبدال فلسطين بـ”إسرائيل” وتقسيم المشرق العربي إلى دويلات عاجزة تمهيداً لتحويله إلى “إسرائيل كبرى”. فقد كان لسلسة الحروب التي خاضها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطراف العربية التي قاومته، ولسلسلة التحالفات مع الأطراف العربية التي ساندته، الأثر الأكبر في جعل فلسطين المحتلة خارج الهم العربي السياسي والإيديولوجي والعسكري.
ومنذ أن أخرجت الثورة الإسلامية إيران من المعسكر الداعم للمشروع الصهيوني، جعلت قضية فلسطين في قلب استراتيجيتها الإقليمية والدولية، وأعلنت تأييدها للقضية العربية الكبرى: تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وشرعت بمدّ يد العون والمساعدة للمقاومة الفلسطينية، ثم للمقاومة اللبنانية. بدخول إيران معترك القضية الفلسطينية على هذا النحو، وخروج القضية الفلسطينية من الهمّ العربي، تحوّلت فلسطين من قضية عربية إما إلى قضية إيرانية وإما إلى “قضية إسرائيكية”، حتى أنّ المنطقة العربية برُمّتها لم تعُد قضية عربية، بل تكاد تصبح ـ وإن بصعوبة ـ قضية إيرانية، أو ـ بسهولة ـ قضية إسرائيلية/أميركية.
غياب استراتيجية عربية للمنطقة العربية يُفترَض بدول المنطقة أن تصنعها بالتشاور والتعاون فيما بينها، كي لا تترك نفسَها فريسة تتلاعب بها وتتجاذبها استراتيجيات أخرى تنوب عنها، هذا الغياب يجعل من صنع الاستراتيجية المنشودة في الظروف الحالية عملاً شديد الصعوبة يتطلب الكثير من الجدّ والجهد في ظلّ الانقسامات الحادّة بين الدول العربية وداخل كل دولة عربية، فباستثناء بعض الدول العربية، يصطف معظم الحكومات العربية في الصف “الإسرائيكي” خلافاً لشعوبها التي باتت قلوبها مع إيران، وترى في المؤازرة الإيرانية لمحور المقاومة العربية، وبخاصة الفلسطينية واللبنانية، عملاً بطولياً كان الأولى بالدول العربية أن تضطلع هي به.
الاستراتيجية العربية الشاملة: أسباب غيابها وشروط قيامها
مساران متلازمان عطّلا قيام استراتيجية عربية شاملة:
ـ المسار الأول احتلال فلسطين وتحويلها إلى قلعة عسكرية مدججة بالسلاح (“إسرائيل” أو “كيان صهيوني لليهود”) ويمهد بسياسة الإبادة، قتلاً وهدماً وتهجيراً، للتوسّع وصولاً إلى “إسرائيل كبرى”؛
ـ المسار الثاني تقسيم المنطقة العربية إلى دول مستقل بعضها عن بعض، كشرط أساسي ووسيلة ناجحة لمنع التواصل والتعاون الاقتصادي والسياسي فيما بينها، عبر ارتباط مصالح حكومات هذه الدول بالمصالح الدول الاستعمارية التي تُملي عليها سياساتها الاقتصادية والتنموية، بحيث تبقي حالة التفكك والعزلة فيما بينها، كما تضع نهجاً سياسياً خاصاً بكل دولة عربية؛ فكان ذلك أيضاً شرطاً أساسياً يوفّر لإسرائيل تقدمها الاقتصادي والعسكري وتفوّقها الدائم على الدول العربية.
في أواخر العهد العثماني، وقبل تقسيم المنطقة العربية إلى دول مستقل بعضها عن بعض (وليس عن الدول الاستعمارية) كان التواصل بين البلدان العربية مُتاحاً لتفكير سياسي (إسلامي أو عروبي أو علماني تنويري، أو غير ذلك) يشمل المنطقة بأكملها ويتعامل معها كمنطقة قابلة للتوحيد.
بعد التقسيم صار بناء استراتيجية للمنطقة العربية تشملها جميعاً، عملاً محكوماً بالانطلاق من معطى واقعي كَونَ المنطقة أصبحت دولاً وكيانات سياسية ذات توجّهات سياسية واقتصادية متباينة، ومُلزَماً بالنظر إليها على أنها “أوطاناً” في حدّ ذاتها، أو كيانات “وطنية” دائمة، لا تبالي بالتوحيد الاقتصادي والسياسي. وهذا الوضع يفسّر التأجيل الدائم للعمل بجدّ على بناء استراتيجية عربية شاملة، بل يكاد يَحول دون بنائها.
ما كان يمنع وضع استراتيجية عربية قبل تقسيم المنطقة العربية، هو السلطنة العثمانية، يساعدها في ذلك القناصل الأجانب الذين كان نفوذهم يتزايد أكثر فأكثر على السلطان نفسه. فكان النفوذ الأجنبي يتلاعب على الجانبين العربي والعثماني فيؤلب على الدوام أحدهما على الآخر في لعبة دبلوماسية وصلت إلى حدّ زعم الدول الأوروبية أنها تحمي الأقليات داخل السلطنة، ولا سيّما الأقليات المذهبية في لبنان، فزعمت فرنسا أنها تحمي الموارنة وبريطانيا تحمي الدروز وروسيا الأرثوذكس إلخ… فكانت استراتيجية الدول الأوروبية تقضي بتأليب حكام الولايات العثمانية على الباب العالي (السلطان) وتساعدهم على محاربة السلطنة من أجل إضعافها، كما حصل مع محمد علي باشا، مثلاً، لكنها قضت على جيشه عندما شعرت بأنه يكاد يحتلّ الآستانة (عاصمة السلطنة) نفسها؛ كما كانت تؤلّب الأقليات المذهبة بعضها على بعض وتشجعها على الاقتتال فيما بينها كتلك الحروب التي وقعت أواسط القرن التاسع عشر بين الدروز والموارنة في جبل لبنان، وكالحروب التي شنها والي عكا على الشيعة إلخ..
فهذه الاستراتيجية استمرت حتى بعد زوال السلطنة العثمانية وتقسيم المنطقة، فكانت تقضي بتأليب الدول العربية بعضها على بعض، وتأليب المكونات الاجتماعية داخل هذه الدول بعضها على بعض، من أجل شل قدرتها، وإبقائها مشغولة بصراعاتها الداخلية خدمةً لكيان الاحتلال الاسرائيلي.
أيّ استراتيجية عربية شاملة لا يستقيم بناؤها إلا إذا كانت ركيزتها الأساس إزالة العقبة الكبرى التي كانت السبب في تغييبها: الاحتلال والتقسيم. وهذا مستحيل في ظل الحكومات والقيادات والزعامات الحالية في الدول العربية، والقائمة على أساس من سياسات تتراوح بين مهادنة الاحتلال والعمل على خدمته ومؤازرته، والتمسّك بحدود التقسيم، إلى حدّ الاستماتة في الحفاظ عليها.
لا يمكن أن تقوم استراتيجية عربية ناجعة إن لم يكن أساسها العمل على إبطال الأسباب التي منعتها وغيّبتها، وموجهة أساساً ضد الاحتلال الإسرائيلي، لا سيّما أنّ الاستراتيجية “الإسرائيكية” الحالية هي ثمرة المؤتمرات الاستعمارية الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، أسبانيا، هولندا، البرتغال، بلجيكا) التي كانت تنعقد سنوياً في أوروبا، للنظر في شؤون البلدان المستعمَرة والبلدان التي تعتزم استعمارها، وبخاصة البلدان العربية بعد أن تنتزعها من يد الجيش الإنكشاري. نذكر من تلك المؤتمرات مؤتمر لندن (1907) الذي وضع أسس استراتيجية التقسيم وإنشاء الكيان الصهيوني، ومهّد لما عُرِف بعد ذلك بـ”سايكس بيكو” (1916) و”وعد بلفور” (1917) بإقامة دولة تفصل بين المشرق والمغرب العربيين، وتحول دون قيام وحدة بين سوريا ومصر. مُذّاك، توطّدت أواصر الارتباط بين المشروعين الاستعماري والصهيوني، بين المصالح الاستعمارية في المنطقة العربية وبين الوكالة اليهودية التي اضطلعت بإقامة هذه الدولة الفاصلة وبدأت بترحيل يهود أوروبا إلى فلسطين. ومعلومٌ كيف انتقلت تلك المصالح من بريطانية فرنسية إسرائيلية إلى أميركية إسرائيلية، في أعقاب حرب السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر.
من بين المشاريع الاستراتيجيية الثلاثة المذكورة أعلاه، وحده المشروع “الإسرائيكي” يجري تحقيقه على الأرض العربية، فبَعد أن احتلّ فلسطين يمضي في احتلال المزيد من المنطقة العربية، فهو يحتلّ اليوم بعض أجزائها عسكرياً، ومعظم أجزائها سياسياً عَبْرَ احتلال الأنظمة العربية من داخل حكوماتها وقادتها وزعمائها وملوكها وأمرائها؛ إلّا أنه يعجز عن احتلال شعوبَها التي ما زالت ترفضه وتعاديه، ولكنها ما زالت في الوقت نفسه، لم تقُل بعدُ كلمتَها المزمجرة في وجه حكّامها المتواطئين مع الاحتلال، والساعين إلى إلْباسه ثوباً شرعياً، ينزع عنه صفة الاحتلال والإبادة، ويبرّئه من جرائمه ضد الإنسانية.
في دولة لبنان (والأصح أن يُقال “دول لبنان”) مثلاً، يتجلّى انقسام اللبنانيين بين الإستراتيجيتين “الإسرائيكية” والإيرانية بوضوح تام ولكن على نحو سوريالي كأنه العجب العُجاب: ففي حين تحتل إسرائيل جزءاً من لبنان وتسعى إلى احتلال كل لبنان، وتحتل السفارة الأميركية في لبنان أدمغة وأفئدة الطبقة السياسية الحاكمة، ينبري جزء من اللبنانيين إلى القول بأنّ إيران تحتل لبنان عبْرَ المقاوَمة اللبنانية، فيبرّئون من يحتل لبنان من تهمة الاحتلال ويلصقونها بمن لا يحتل لبنان. ينفون صفة الاحتلال عمّن يريد بلبنان شراً ويطمع بأرضه وثرواته المائية والنفطية، ويتهّمون من يريد للبنان خيراً ويساعده على دحر الاحتلال بانه هو المحتلّ، فيغتبطُ المحتلّ الحقيقي من عملهم هذا ويضحك في سرّه من جهلهم. وهم إنما يفعلون ذلك آملين كسْبَ ودّه، لعلّه يبسط حمايته عليهم، وينسون أن الشعب التلمودي يحتقر الشعوب جميعاً ويُضمر شراً للعالم أجمع، ويسعى إلى تغيير البشرية شعوباً وقيَماً ومبادئ دينية وإنسانية، وإلى فرض قِيَمه القائمة على الاستعلاء والغرور واعتبار الآخرين شعوباً حقيرة. هؤلاء اللبنانيون يفعلون ذلك بغية إشعال حرب أهلية في لبنان بين المسلمين والمسيحيين، خدمةً للمحتلّ، وينسون أن الانقسام بين اللبنانيين لم يعُد كما كان بين مسلم ومسيحي بل بين مقاوم للاحتلال الإسرائيلي وخادم لهذا الاحتلال. وما معنى الحوار المسيحي الإسلامي في لبنان إن لم يكن توحيد لبنان مسلمين ومسيحيين في مقاومة العدو المشترك، فكلتاهما مقاومة وطنية لبنانية، فإذا نشأت مقاومة لبنانية مسيحية وآزرت المقاومة الإسلامية في مجابهة الاحتلال الإسرائيلي، هل يمكن اتّهامها بأنها غير وطنية؟ أليست المقاومة الوطنية الوحيدة هي مقاومة إسرائيل؟ وما الضير من تسمية المقاومة اللبنانية للمشروع الإسرائيلي مقاومة إسلامية أو مقاومة مسيحية، ما دام الإيمان بالتضحيات الجِسام من أجل الوطن هو جوهر المسيحية والإسلام؟ فللديانتين القيم الإنسانية نفسها المتجسدة في المسيح والحسين، والمحصّلة النهائية للحوار الإسلامي المسيحي في لبنان هي الإقرار بالقيم الدينية والإنسانية المشتركة والجهر بها.
من انصهار المقاومات اللبنانية في بوتقة وطنية واحدة تنشأ اللبنة الأولى في تأسيس دولة لبنانية وطنية حقيقية تتولّى تحصين لبنان بسواعد أبنائه جميعاً وبتفعيل كفاءاتهم العالية وإبراز قدراتهم الهائلة من طريق قطع دابر الفساد وتجفيف منابعه الكامنة في نظام المحاصصة الطائفية (أي إلغاء الطائفية) القائم على الرياء والتكاذب والفجور وظلم جميع اللبنانيين. والذي يُبقي لبنان مقيّد اليدين مغلول الجناحين كسائر الدول العربية التي صممها سايكس بيكو وحَكَمَ مسارَ تطوّرها، بآليّة تُبقيها عاجزة عن التقدم. أما “طبخة البحص” أي “بناء الدولة”، هذه الملهاة الكوميدية، بل هذه الأُلْهِِيَة التي يتلهّى بها السياسيون ويلهون بها اللبنانيين، منذ أن قرر المحتل الفرنسي البريطاني محاصرتها بانتماءات مذهبية؛ وعندما قرّر فصل شمال لبنان عن سوريا، وفصل جنوب لبنان عن فلسطين، رفض جزء من اللبنانيين هذا الفصل واعتبروه اعتداء على مجريات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية بالنظر إلى العلاقات والروابط التي تصِلهم بأهلهم في سوريا وفلسطين. لكن هذا القسم من اللبنانيين قوبل بقسم آخر منهم وقف ضده وجعلوا من مساحة لبنان (10452 كلم مربع) شعاراً رفعه راية إلى جانب العلَم اللبناني؛ ثم لما توالت أحداث الصدام بين القسمين مباشرة بعد “الاستقلال” صار القسم الأول ينادي بالشعار المرفوع، في حين أن القسم الثاني تخلّى عنه، وهانَ أمام المحتلّ الإسرائيلي وسعيه الدائب للاستيلاء على جنوب لبنان، تمهيداً لاحتلال لبنان كلّه.
مع تعاقب الحكومات التي أدارت الصراع بين القسمين، لم ينشأ في لبنان سياسة وطنية تحصّن لبنان وتصونه من أطماع إسرائيل بأرضه ومياهه التي نبّه إليها عدد من السياسيين اللبنانيين البارزين[1]. لكن هذه السياسة تصبح واقعاً قائماً إذا حلّقت المقاومة اللبنانية بجناحيها المسيحي والإسلامي. وكما يتشكل من مجموع المقاومات في لبنان مقاومة وطنية لبنانية، يتشكّل أيضاً من مجموع المقاومات العربية للمشروع الصهيوني نواة استراتيجية عربية من شأنها أن تحصّن المنطقة العربية وتصونها من مطامع أي استراتيجية غير عربية، وأن تُثمِر تكاملاً اقتصادياً وسياسياً عربياً، فآلة القتل والهدم والجرف الإسرائيلية الأميركية تُصيب المنطقة بكاملها، وتدفعها دفعاً إلى التشاور والتعاون من أجل وضع خطة (استراتيجية) إنقاذ قبل فوات الأوان.
[1] على امتداد الحكومات اللبنانية برز سياسيون لبنانيون مسيحيون (أمثال ميشال شيحا، ريمون إدّه، شارل مالك، وغيرهم وغيرهم…) كانوا ينادون أنَّ العدو الوجودي للبنان هو إسرائيل ويحذرون من أطماعها بأرضه وثرواته المائية والنفطية.
