
حسم أبو محمد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) قراره في ما يخصّ رؤيته لمصير منطقة خفض التصعيد في إدلب من جهة، ولطبيعة العلاقة التي تجمعه مع الجانب التركي وإمكان تدحرجها في اتجاهات مختلفة، من جهة ثانية.
حسم أبو محمد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) قراره في ما يخصّ رؤيته لمصير منطقة خفض التصعيد في إدلب من جهة، ولطبيعة العلاقة التي تجمعه مع الجانب التركي وإمكان تدحرجها في اتجاهات مختلفة، من جهة ثانية.
وضعت استقالة أبي مالك التلّي من "هيئة تحرير الشام" حدّاً للعلاقة الجدليّة التي طالما جمعته مع أميره أبي محمد الجولاني. غير أن هذا البعد الشخصي في علاقة الرجلين لا ينبغي أن يطغى على قراءة خطوة الاستقالة ومدلولاتها فيما يتعلّق بالصراع الدائر داخل أجنحة الهيئة بخصوص عدد من القضايا. ويبقى الأهمّ هو لماذا غلب على الانشقاقات الأخيرة عن الهيئة طابع "السورنة" فيما المفترض أن المطلوب هو إبعاد المقاتلين الأجانب؟
يبدو أن الرسائل المتبادلة بين واشنطن من جهة وهيئة تحرير الشام من جهة ثانية وصلت إلى نقطة متقدمة على صعيد حسم طبيعة العلاقة بين الطرفين. ثمّة مرونة أميركية واضحة في توصيف "الهيئة" في حين يكثّف الجولاني جهوده لتلبية الشروط المطلوبة من أجل إعادة تلميعه ونزع صفة الارهاب عنه. فهل ينجح الأخير في استنساخ نموذج "طالبان" أم أن التطورات الميدانية ستفوّت عليه هذه الفرصة؟
تسود في أوساط الفصائل المسلحة حالةٌ من الخواء الاستراتيجي نتيجة التقدّم المتسارع للجيش السوري في جبهتي إدلب وحلب. وقد زادت مواقفُ أنقرة الأمورَ تعقيداً بسبب ما يصدر عنها من إشارات متناقضة. كذلك، لم يؤد نزول الجيش التركي إلى الميدان السوري إلى تصحيح الخلل الحاصل.
تعمّق المأزق التركي في سوريا مع خروج مدينة حلب بالكامل عن دائرة تأثير الفصائل المسلحة المدعومة من قبل أنقرة. وتشير المعطيات إلى أن التداعيات المترتبة سيكون لها تأثير الدومينو على السياسة التركية التي طوّقت نفسها بسقوف مرتفعة من التهديدات والمطالبات. وفي خضمّ ذلك، لا يبدو أن أمام أنقرة سوى العمل على إغلاق ملف هيئة تحرير الشام، إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
"إدلب بخير ونحن أمام مسار طويل من الهدن ووقف إطلاق النار قد يستمر لعدة سنوات .. فالتقطوا أنفاسكم". هذه خلاصة اجتماع استثنائي عُقد مؤخراً بين قيادة "هيئة تحرير الشام" وقيادات فصائل أخرى لمناقشة الأوضاع في إدلب.
لم تكن المقاربة التي قدّمها أبو محمد الجولاني في خطابه الأخير حول الواقع السوري وطريقة التعاطي معه، جديدة بمعنى الكلمة. لكنها المرّة الأولى التي يعبّر فيها بهذا الوضوح عن نزوعه لتغطية عباءته السلفية الجهادية برداء حركة تحرر وطنية تتخذ من مقارعة الاحتلال سنداً شرعياً لوجودها ونشاطها. وتمثّل الأمر الأخطر في محاولة الجولاني طرق باب الصراعات الجيوسياسية في المنطقة، مقدماً أوراق اعتماده، ليكون لاعباً وكيلاً في ميدانها السوري.