التفاوض تحت النار.. استراتيجية الرجل المجنون!

على الحافة تمامًا، جميع السيناريوهات محتملة وواردة في الاتصالات والرسائل المتبادلة، المعلنة وغير المعلنة، بين الولايات المتحدة وإيران. قد يمكن التوصل إلى تسوية سياسية ما بين لحظة وأخرى، أو أن تنفجر الحرب مجددًا بصورة أكثر عنفًا وتدميرًا في المنطقة كلها. ما بين الانفراج والانفجار تكمن معضلة التفاوض على التفاوض.

لا يودّ الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» العودة إلى الحرب مجددًا، لكنه لا يتوقف عن التلويح بها، كأنها واقعة لا محالة. استهلكت الحرب شعبيته داخل الولايات المتحدة، وأثبتت وقائعها الدموية أنها ليست «نزهة سريعة» حاسمة ومضمونة، على ما أقنعه حليفه الوثيق، رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو».

في الوقت نفسه، هو غير مستعد لأن ينهي الحرب دون اتفاق ينطوي على تنازلات إيرانية ما، يسوّغها بأن الرئيسين الديمقراطيين السابقين «باراك أوباما» و«جو بايدن» لم يستطيعا التوصل إليها. بمعنى آخر، هو يطلب اتفاقًا أفضل من اتفاق (2015)، الذي عقده «باراك أوباما» ودعمه «جو بايدن».

عندما ألغاه بعد صعوده إلى الرئاسة، ادّعى ترامب أنه «سيئ» ويفضي في نهاية المطاف إلى امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. هو الآن أمام اختبار صعب: أيهما أفضل، ما تم التوصل إليه بالتفاوض أثناء إدارة «أوباما»، أم ما سوف يتوصل إليه هو بالمفاوضات المزمعة؟

الخيارات أمامه ملغّمة؛ فالعودة إلى الحرب قد تكلف الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية نوفمبر المقبل، وتفتح المجال واسعًا لسيناريو عزله من منصبه.

هذا سيناريو كابوسي.

والسيناريو الكابوسي الآخر أن يضطر لتوقيع اتفاق يكرّس إيران كقوة دولية ذات شأن.

على الحافة تمامًا، قد يجد نفسه مضطرًا، برغم كلفة الحرب الباهظة، أن يخوض جولة جديدة من التخريب والتقتيل، دون أمل كبير في كسبها.

إنها الهزيمة الاستراتيجية في نهاية المطاف.

على الجانب الإيراني، تتبدى معضلة من نوع آخر. إذا وافقت، بداعي إنهاكها الاقتصادي والعسكري، على تقديم تنازلات جوهرية في ملفي التخصيب النووي ومضيق هرمز، فإن شرعية النظام سوف تتعرض لاهتزازات قد لا يمكن تحملها. أي تنازل جوهري في ملف التخصيب يهز بعمق الثقة العامة بسياسات النظام وخياراته الاستراتيجية.

ما معنى التضحيات الهائلة التي بُذلت على مدى عقود من أجل اكتساب الحق الكامل في تخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية، إذا ما سلّمت ما لديها من مخزون، أو قبلت بنقله إلى دولة أخرى؟

إحدى الأفكار المتداولة: نقل نصف اليورانيوم المخصب إلى روسيا، والإبقاء على النصف الآخر داخل إيران.

حسب التعبير الإيراني الشائع في التفاوض على التفاوض: كيف يمكن لـ«الخاسر» أن يحصد بالمفاوضات ما لم يقدر عليه بالسلاح؟

ينظر كل طرف إلى نفسه باعتباره منتصرًا.

هذا الاعتقاد يدعو بذاته إلى التشدد، ويضع قيودًا على مفاوضيه يصعب الفكاك منها.

الطرفان لا يريدان قطعًا خوض جولة جديدة من الحرب، لكنهما غير مستعدين أبدًا لوقفها بأي ثمن.

هنا ــ بالضبط ــ معضلة التفاوض على التفاوض.

الإيرانيون يقولون إن الطلبات الأمريكية «مبالغ فيها».

إذا لم تكن قد حققت أهدافك بالسلاح، فإن المبالغة في المطالب غير منطقية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمريكيين يبدون مكبّلين بالقيود الإسرائيلية.

إسرائيل طرف غير مباشر في مفاوضات العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

هذه عقدة يصعب تجاوزها بأي اتفاق.

تراجعت أهداف الحرب من تقويض النظام الإيراني وإنهاء المشروعين النووي والباليستي إلى مسألتين محددتين: تخصيب اليورانيوم وإعادة فتح مضيق هرمز.

كان ذلك إخفاقًا عسكريًا وسياسيًا مزدوجًا للقوة الأمريكية.

في المساحة الملغّمة بين خياري الحرب والتسوية، لجأ «ترامب» إلى تمديد الهدن المؤقتة والهشة مرة بعد أخرى، وفرض حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية.

هكذا أُحكم الحصار، من الناحيتين الأمريكية والإيرانية، على مضيق هرمز، واستحكمت أزمة النفط في العالم كله.

إذا ما أخفق التفاوض على التفاوض في تلبية الحد الأدنى من مطالب الجانبين، فهل نحن أمام جولة ثانية محتّمة من حرب لم يعد يريدها أحد سوى إسرائيل؟

الفكرة الرئيسية عند الإيرانيين لحلحلة التفاوض المتعثر أن تنهي الولايات المتحدة حصارها على موانئها، وأن تلتزم بمقتضيات الهدنة المعلنة.

فيما الفكرة الرئيسية عند «ترامب»: التفاوض تحت النار.

تعددت حججه وذرائعه لتجنب العودة إلى الحرب؛ كانت آخرها مزاعم إتاحة الفرصة أمام الإيرانيين لحسم صراعاتهم الداخلية بين الراديكاليين والمعتدلين، قبل أن يعود، في العبارة نفسها، ليصف المعتدلين بأنهم غير معتدلين!

لا يكف عن إطلاق التصريحات المتناقضة، حتى وصل الأمر برئيسة مجلس النواب السابقة «نانسي بيلوسي» إلى المطالبة بإخضاعه للعلاج النفسي!

الفكرة نفسها يتردد صداها في الصحف والمواقع الإخبارية على امتداد العالم.

أمام انزعاج دولي وإنساني واسع من تهديداته المتكررة بإعادة إيران إلى العصر الحجري ونسف حضارتها، نفى أن يكون بصدد استخدام سلاح نووي تكتيكي، لكن وزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» استخدم العبارة نفسها بكل حمولاتها الهمجية.

«إننا ننتظر ضوءًا أخضر أمريكيًا لإبادة سلالة خامنئي» ــ هكذا بالحرف.

بقفزة أخرى في الهواء، لكنها فادحة وخطرة، دعا «ترامب» إلى لقاء في المكتب البيضاوي بين «بنيامين نتنياهو» والرئيس اللبناني «جوزيف عون».

إقرأ على موقع 180  هجمات بقيق وخريص تصدم الأسواق.. والمستقبل ضبابي

إذا ما جرى مثل هذا اللقاء، فإن لبنان مهدد بانفجارات داخلية تشبه الحرب الأهلية التي أهلكته بين عامي (1975 – 1990).

بادعاء لا أساس له، قال «ترامب» إن الأزمة اللبنانية أسهل نسبيًا من غيرها.

تحدث عن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لثلاثة أسابيع، حتى (17) ايار/مايو.

لم يكن ذلك محض مصادفة، فهو نفسه تاريخ معاهدة السلام اللبنانية الإسرائيلية التي أقرها مجلس النواب اللبناني تحت حصار الدبابات (1983)، وأُلغيت بإرادة وطنية شبه جماعية العام التالي.

قال حرفيًا: «سنساعد لبنان في التخلص من حزب الله»، مؤكدًا في اللحظة نفسها «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

إنه تصريح بالقتل والاغتيال واستباحة لبنان كاملًا باسم السلام.

من غير المستبعد أمريكيًا، فيما مفاوضوها في إسلام آباد، العودة إلى الحرب مجددًا.

«نحن جاهزون ومستعدون» ــ بنص بيان للقيادة المركزية الأمريكية.

إنها استراتيجية «الرجل المجنون»، كما بات يُطلق على سياساته.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  اردوغان على حبال التوازنات الدولية.. هل يسقط في 2023؟