مَن استسلم في فرساي.. ترامب أم إيران؟

يرتبط قصر فرساي من بين أمور أخرى، بالملك لويس الرابع في القرن السابع عشر، وبتوقيع ألمانيا على وثيقة الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918. عاد القصر إلى الواجهة في مناسبة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكترونياً على مذكرة التفاهم مع إيران الخميس الماضي، على هامش قمة البلدان الصناعية السبع الكبرى (G7) التي استضافتها فرنسا.

ليس بالضرورة الاحتكام إلى منطق الإيحاء بضرورة مستسلم هذه المرة، عبر التوقيع الذي قابله من الجانب الإيراني الرئيس مسعود بزشكيان. أميركا تزعم أن المذكرة انتصار لها، وأيضاً تؤكد إيران أنها المنتصرة، علماً أن المنطق يفترض عدم وجود منتصرين في حرب واحدة. إلا أن كل طرف يسوق تبريراته الخاصة لدعم سردية ربحه!

يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة تدخل مفاوضات الـ60 يوماً، من موقع القوة، إلى درجة الحكم بأن “إيران قد انتهى أمرها”، وبأن النظام الإيراني “قد تغير فعلاً” بعد تصفية قيادات الصف الأول والثاني في الضربات الأولى للحرب في 28 شباط/فبراير، وبأن الصف الثالث وفي مقدمهم المرشد مجتبى خامنئي هم “براغماتيون… يريدون اتفاقاً مع الولايات المتحدة”. ولا ييأس من ترداد لازمة كيف دمّرت أميركا القدرات البحرية والجوية والصاروخية والنووية لإيران، واتهام وسائل الإعلام الأميركية التي تقول عكس ذلك استناداً إلى مصادر استخباراتية، بالخيانة وبنشر أخبار مفبركة.

طبعاً، لم يدخل ترامب الحرب كي يقنع النظام في طهران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والبحث عن حل للبرنامج النووي الإيراني. المفاوضات كانت جارية مع إيران حتى 26 شباط/فبراير. لكن شن الحرب، كان بهدف حمل النظام على “استسلام غير مشروط” ونقل إيران من موقع جيوسياسي إلى موقع آخر، بما “يغير وجه الشرق الأوسط” مرة واحدة وإلى الأبد ويضمن “النصر المطلق”، الذي يبحث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منذ ثلاثة أعوام. في رأيه، بعد تقليم “أذرع” الأخطبوط، حان الوقت لضرب الرأس.

الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه ترامب، هو عدم الأخذ بالتحذيرات من أن النظام الإيراني سيعمد إلى رد مختلف وهو يخوض معركة البقاء. وهذا ما حصل فعلاً، عندما عمد النظام إلى استخدام كل ما يملك من أوراق، بدأت في اغلاق مضيق هرمز والإمساك بالاقتصاد العالمي رهينة، وقصف دول الخليج العربية، وتحريك “حزب الله” في لبنان و”الحشد الشعبي” في العراق، والتلويح باغلاق باب المندب عبر حلفائه الحوثيين.

وهذه أوراق لم يستخدمها النظام في المواجهات السابقة حتى في حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو من العام الماضي، برغم تدمير الولايات المتحدة المنشآت النووية الثلاث في فوردو ونطنز وأصفهان. يمكن القول إن حرب البقاء أيقظت طهران على مكامن القوة التي تملكها. وهذا العامل الرئيسي الذي جعل أهداف الحرب تتغير، حملت ترامب على وقف النار في 8 نيسان/أبريل، ليبدأ رحلة البحث المضني عن مخرج لا يورط أميركا في “حرب أبدية أخرى” في الخارج. قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أواخر نيسان/أبريل إن المضيق كان بمثابة “القنبلة الاقتصادية النووية” لإيران.

لذا، أتت مذكرة التفاهم، انعكاساً لتوازنات جديدة أفرزتها الحرب. يقول ترامب، بإدراك متأخر، إن إغلاق مضيق هرمز كان سيقذف بالاقتصاد العالمي إلى فترة من الركود الكبير، لو استمر شهراً آخر. الركود، من شأنه أن يكلف ترامب ثمناً سياسياً فادحاً في الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، على خلفية ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات. وعلى صراحة غير معهودة من ترامب، قال إنه خشي أن يتحول إلى رئيس يشبه سلفه هربرت هوفر الذي شهدت رئاسته “الكساد الكبير” في الولايات المتحدة عام 1929.

وبالتأكيد، يقرأ ترامب الاستطلاعات التي تظهر ارتفاعاً متزايداً في نسبة الأميركيين المعارضين للحرب، التي يعارضها الحلفاء أيضاً. هؤلاء الحلفاء الذين قالوا للرئيس الأميركي قبل أشهر إن هذه ليست حربنا، هم أنفسهم صفقوا له عندما وقع على مذكرة التفاهم أمامهم. تقلصت أهداف ترامب إزاء إيران إلى هدف واحد، يتمثل في التزام بعدم تطوير أو حيازة قنبلة نووية.

وفي المقابل، تدخل إيران المفاوضات متسلحة بأوراق القوة: فهي لا تزال تحتفظ بـ440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وبمضيق هرمز، وبقدرات صاروخية تتعاظم، وببعث نفوذها الإقليمي من جديد بنجاحها في ربط “كل الجبهات” بما فيه لبنان ضمن مذكرة التفاهم نفسها. ويقول خبير الشؤون الإيرانية في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا مهرزاد بروجردي: “لا أستطيع أن أتذكر حالة أخرى عانت فيها إيران من مثل هذه النكسات العسكرية الخطيرة، لكنها خرجت بما يمكن اعتباره نصراً ديبلوماسياً”.

إحساس إيران بالنشوة، عائد إلى تجاوز ما كانت تخشاه في الأعوام الماضية، وهو التعرض لحرب أميركية أو إسرائيلية. ولا يخفي المسؤولون الإيرانيون تظهير الوضعية الجديدة لبلادهم. ويقول كبير المفاوضين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف إن “مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق”، في اشارة إلى اعتزام طهران فرض رسوم على الناقلات العابرة، تحت مسمى خدمات لوجستية وبيئية بالتنسيق مع سلطنة عُمان. وفي هذا السياق، يحذر مدير برنامج إيران في المجلس الأطلسي بالولايات المتحدة نيت سوانسون في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، من ارتكاب إيران الخطأ ذاته الذي وقعت فيه واشنطن عندما شنت الحرب، بمبالغتها بما تملكه من ميزات استراتيجية. ويشير إلى أن تمسك طهران بفرض رسوم، قد يحفز الجهود الإقليمية للبحث عن بدائل، كما أنه سيُعزّز موقف المتشددين في أميركا وإسرائيل، الذين سيرحبون بعودة الصراع كون فرض السيطرة الإيرانية على المضيق غير مقبولة كنتيجة نهائية للحرب. وربما، ادراكاً لمثل هذه المخاطر، سبق لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الراحل، أن حذّر من أن ورقة المضيق غير قابلة للاستخدام سوى مرة واحدة.

إقرأ على موقع 180  عالم ما بعد أميركا وحرب أوكرانيا.. إنّه "فخّ ثوسيديدس"!

ويقدم نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس الذي عهد إليه ترامب بالملف الإيراني، فحوى ما تقوم عليه مذكرة التفاهم، بأنه عبارة عن حوافز اقتصادية لإيران، تشمل اعفاءات من العقوبات على صادراتها النفطية، وإفراج عن أصولها المجمدة، ووعد بصندوق استثماري تنموي برأسمال 300 مليار دولار، شرط أن تقدم إيران تنازلين يتعلقان بمضيق هرمز وبرنامجها النووي. أي أنه لا هدايا مجانية لإيران.

ويسعى فانس، الأكثر وفاء لشعار “أميركا أولاً”، إلى اعادة ترتيب العلاقات مع إيران، والرهان على أن ازدهار إيران اقتصادياً، قد يحملها على ترقيق المنطلقات الإيديولوجية للنظام. وهو بذلك يأمل في تكرار تجربة انفتاح هنري كيسنجر على الصين وما تلا ذلك من تحولات في البنية الاقتصادية للعملاق الآسيوي واندماج في الاقتصاد العالمي، من دون أن يترافق ذلك مع انفتاح سياسي في الداخل. وهنا، يؤكد فانس أن كل خطوة أميركية نحو إيران، ستكون مرتبطة بخطوة في تغيير سلوك النظام.

التحول الذي انطلق مع مذكرة التفاهم، يواجه بمعارضة شديدة من “صقور إيران” في الولايات المتحدة ومن إسرائيل. ويتهم السناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام فانس بأنه “مهندس” المذكرة. وقال رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ السناتور روجر ويكر، إنه يأمل في أن “لا يقوض الوسطاء الذين يعملون على هذا الاتفاق هدف ترامب في تحقيق السلام عبر القوة”. وتساءل السناتور تيد كروز ما إذا كان الرئيس يتلقى النصيحة الجيدة.

وفي إسرائيل، لن يألو نتنياهو جهداً في تأليب مؤيديه في أميركا ضد المذكرة، على غرار ما حصل مع الرئيس الأميركي سابقاً باراك أوباما عقب توقيعه الاتفاق النووي عام 2015. وهذا ما يوسع الشرخ بين ترامب ونتنياهو، الذي يتحدى المذكرة بالتصعيد في لبنان وغزة، أملاً في استجرار رد إيراني يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

وفي تعبير دقيق عن الضيق في إسرائيل، ذهب المعلق في القناة الثانية عشرة الإسرائيلية نير دفوري، إلى حد تشبيه مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، بأنها “7 أكتوبر ديبلوماسي” في اشارة إلى هجوم “حماس” على غلاف غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.. وعليه، يُصبح مفهوماً لماذا يتضاعف قلق نتنياهو من نتائج انتخابات الكنيست في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  زاهر الغافري "يا أسفا عليك".. أيها المغامر شعراً وحياةً