2023.. يرث حروباً وأزمات غيّرت وجه العالم

أسدل العام الماضي الستار على أكبر تحول في التوازنات الدولية منذ إنتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفياتي وقيام نظام عالمي جديد أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة. حاولت روسيا في أوكرانيا أن تعيد كتابة التاريخ بتأسيس نظام متعدد الأقطاب يرث أميركا مهتزة من الداخل، وتجرجر أذيال الخيبة من أطول حرب في أفغانستان.   

إهتز النظام الدولي مع دخول أولى الدبابات إلى الأراضي الأوكرانية فجر الرابع والعشرين من شباط/فبراير الماضي. لكن هذا النظام تماسك حتى الآن، ومكّن أوكرانيا من التحول إلى ورطة تستنزف روسيا وجعلت أشباح أفغانستان تستفيق مجدداً. وما صوّرته روسيا “عملية عسكرية خاصة” إنتهت إلى حرب طاحنة لا يمكن التنبؤ بنتائجها الجيوسياسية.

كما أحدثت الحرب تحولات عميقة في أوروبا والعالم، بعدما إكتشف القادة الأوروبيون أن السلام الذي نعموا به لعقود بعد الحرب العالمية الثانية، كان مجرد هدنة.

بصرف النظر عما إذا كان بوتين أخطأ في الحسابات وإستسهل خوض الحرب أملاً في نصر سريع يلغي مفاعيل الزحف الأطلسي نحو روسيا، فإن العالم يكاد ينقلب رأساً على عقب. أوروبا التي أخذتها الحرب على حين غرة، إرتمت مجدداً في الحضن الأميركي، وتخوض معها معركة عزل روسيا ودعم أوكرانيا بكل قوة، برغم الثمن الباهظ الذي تدفعه دولها.

أورث العام الماضي، العام الجديد الكثير من الحروب والصراعات والأزمات المستعصية، التي يظهر إنها الممر الإلزامي إلى نظام عالمي جديد، ما أن ينجلي غبار المعارك في أوكرانيا

ليست روسيا وأوكرانيا وحدهما من يعاني آثار الحرب. أوروبا ترتجف برداً على وقع تقنين قاس في إستخدام موارد الطاقة بعد الفطام عن موارد الطاقة الروسية. والإضطرابات الإجتماعية تدق باب دولها مع إضرابات في مختلف القطاعات للمطالبة بزيادة الأجور لمواجهة أسوأ موجة تضخم. في بريطانيا، يُنفذ الممرضون إضراباً للمرة الأولى منذ إنشاء نقابتهم قبل 107 أعوام. وفي فرنسا يُضرب الأطباء أيضاً. لا لزوم للحديث عن قطاعات النقل والخدمات الأخرى، حداً بلغ الإستعانة السلطات بالجيوش من أجل ضمان إستمرار بعض عمل بعض المرافق الضرورية.

كل هذا يغذي نزعات اليمين المتطرف في أوروبا. وهذه إيطاليا تفوّض الحكم إلى زعيمة حزب “إخوة إيطاليا” جورجيا ميلوني التي قالت يوماً إن موسولوني لم يرتكب أي خطأ. واليمين المتطرف نازع على الرئاسة في فرنسا ويشارك في الحكم في السويد، ويتهيأ للحكم في دول أوروبية أخرى.

وألمانيا عادت لتبني جيشاً سيكون “الأكبر” في أوروبا وفق ما تعهد المستشار أولاف شولتس. النزعة العسكرية الألمانية وما تثيره من ذكريات تاريخية، تغض أميركا الطرف عنها طالما أن وُجهتها روسيا.

تحوّل النزاع الأوكراني حرباً عالمية بإمتياز. أميركا المستاءة من عدم إنضمام الصين إلى نظام العقوبات الذي تقوده ضد روسيا، تبقي عينها ساهرة على المحيطين الهادىء والهندي، وتتحسب لإستغلال بكين لحظة الإنهماك الغربي بأوكرانيا، كي تلتهم تايوان. وذهب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى حد الإعلان أن بلاده ستدافع عن تايوان إذا غزتها الصين. في السابق، كان القادة الأميركيون يمارسون سياسة غامضة حيال ما سيكون عليه موقف واشنطن في حال أقدمت بكين على ضم تايوان بالقوة إلى البر الصيني.

ولا لزوم للتذكير بالشراكات الإقتصادية والعسكرية التي تقيمها أميركا في المحيطين الهادىء والهندي، من أجل إحتواء صعود العملاق الصيني. وأجّجت هذه السياسة حرباً باردة بين أكبر قوتين إقتصاديتين في العالم.

أميركا مدركة أن الصين وحدها يمكنها أن تنشل روسيا من ورطتها الأوكرانية ومن تخفيف آثار عزلتها الدولية. لذا وجب مطاردة مصادر القوة الصينية حيث أمكن من آسيا إلى أفريقيا إلى الشرق الأوسط. وواشنطن تبارك عودة اليابان إلى بناء جيشها للتصدي للصين وكوريا الشمالية.

إشتباك أميركي – صيني على مستوى العالم لا يقل ضراوة عن الحرب العسكرية في أوكرانيا. والغرب الذي فرض سقفاً على أسعار النفط الروسي كي يحرم موسكو من المصادر لتمويل الحرب، لا يريد أن تشكل الصين سوقاً بديلة من السوق الأوروبية.

والصين التي تلتزم الحياد في الحرب الأوكرانية، لا تريد إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا. مثل هذا الإحتمال يجعل أميركا أكثر تجرؤاً على بكين التي تعتبرها أميركا هي “التهديد الأكبر” لزعامة الولايات المتحدة للنظام الدولي. وكادت تايوان تتحول الصيف الماضي، إلى ميدان حرب فعلية بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركية نانسي بيلوسي لتايبه. إنها ببساطة حرب القرن بين الصين وأميركا. من الصراع على تطبيق التيك توك والجيل الخامس من هاتف هواوي إلى الصراع على النفوذ في القارات.

وعندما زار الرئيس الصيني شي جين بينغ السعودية في أوائل الشهر الماضي وأبرم إتفاقات إستراتيجية “شاملة” مع الرياض، في ما يمكن إعتباره تحولاً جيوسياسياً كبيراً من دول الخليج العربية حيال الخيار الشرقي، ردّت واشنطن بجمع القادة الأفارقة في قمة بالولايات المتحدة، وتعهدت تقديم خطط إستثمارية بعشرات المليارات من الدولارات، لإستمالة دول القارة التي ساء واشنطن، أن يكون النفوذ الصيني متغلغاً فيها إلى هذا الحد.

وكما إنعكست الحرب الأوكرانية على الصين ومواقفها، كذلك، فإن وقوف دول الخليج العربية على الحياد أزعج واشنطن، وجعل العلاقات أكثر توتراً مع السعودية. و”كارتل المشترين” للطاقة الذي أنشأته واشنطن لفرض أسعار للنفط الروسي، قد تسحبه في قابل الأيام على منظمة “أوبيك” وتحالف “أوبيك+”.

إقرأ على موقع 180  حين تغيب ميركل.. وتكبر المخاوف مع شولتس

إن رفض السعودية زيادة إنتاج النفط بناء على طلب بايدن، وسّع من شقة الخلاف الأميركي- السعودي، الذي إذا بدأ بالنفط لا ينتهي بحرب اليمن وملف إيران.

والنزاع الأوكراني، فرض تأجيلاً في الإهتمام الأميركي بإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة التي تعرف إختصاراً بالإتفاق النووي لعام 2015 مع إيران. الإتفاق بات في حالة “موت سريري” وفق آخر تصريح لبايدن. لكن الإتهام الأميركي ـ الأوروبي المُوجه إلى إيران بتزويد روسيا بمُسيرات تقصف بها البنى التحتية الأوكرانية، نقل النزاع بين إيران والغرب إلى مستوى أكثر تعقيداً، هذا ناهيك عن الإحتجاجات التي تفجرت داخل إيران منذ وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في 16 أيلول/سبتمبر الماضي بعد إحتجازها من قبل شرطة الأخلاق في أحد مخافر طهران. وهكذا تشابكت ملفات البرنامج النووي الإيراني مع تزويد روسيا بالمُسيرات مع الإحتجاجات. هذه الملفات مرشحة للمرور بمرحلة أكثر سخونة مع ترؤس بنيامين نتنياهو أكثر الحكومات الإسرائيلية تشدداً، دينياً وقومياً.

أردوغان نفسه، تدفعه طموحاته إلى ولاية رئاسية جديدة في حزيران/يونيو المقبل، إلى إدخال تعديلات جذرية على سياسات إنتهجها لأكثر من عقد، تشمل الإنفتاح على سوريا برعاية روسية، وذلك غداة إنفتاحه على دول الخليج ومصر وإسرائيل. إنما الإنفتاح على سوريا من شأنه أن يُبدّل وجه الأزمة السورية ويعيد خلط الأوراق

الحرب الأوكرانية، أبرزت دوراً متعاظماً لتركيا في الإقليم. والرئيس رجب طيب أردوغان، بقي الوحيد من دول حلف شمال الأطلسي الذي يلتقي بفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، ويطمح إلى إستضافة مفاوضات سلام بين البلدين. وإليه يُعزى الفضل في التوصل إلى إتفاق الحبوب الذي اتاح تصدير القمح والزيوت والأسمدة من موانىء أوكرانيا وروسيا.

وأردوغان نفسه، تدفعه طموحاته إلى ولاية رئاسية جديدة في حزيران/يونيو المقبل، إلى إدخال تعديلات جذرية على سياسات إنتهجها لأكثر من عقد، تشمل الإنفتاح على سوريا برعاية روسية، وذلك غداة إنفتاحه على دول الخليج ومصر وإسرائيل. إنما الإنفتاح على سوريا من شأنه أن يُبدّل وجه الأزمة السورية ويعيد خلط الأوراق، خصوصاً بعدما أحجمت دول عربية عن المضي في التطبيع مع سوريا بسبب “الممانعة” الأميركية. والسؤال إلى أي مدى تسمح واشنطن لأردوغان بالإنفتاح على دمشق؟ وفي الوقت نفسه، ما هو الثمن الذي سيتقاضاه أردوغان من موسكو لقاء تلبيته الرغبة الروسية في التطبيع مع سوريا؟ هل الوعد الروسي بتحويل تركيا إلى “منصة للغاز” بدلاً من ألمانيا هو الثمن؟

النزاع الأوكراني، لا شك أنه زاد من تهميش صراعات إقليمية أخرى، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي تراجع أي إهتمام دولي به، ولم يعد “حل الدولتين” يرد إلا في الإحاطات الدورية للامم المتحدة، بينما لبنان غارق في إنهيار مالي وإقتصادي لم تمر به دولة منذ 150 سنة. والجوع يطرق باب سوريا بسبب حصار “قانون قيصر” وحرب اليمن مهددة بالإستئناف في أي لحظة مع تعثر مفاوضات الحل والعراق بالكاد يعرف إستقراراً سياسياً وإقتصادياً.

أورث العام الماضي، العام الجديد الكثير من الحروب والصراعات والأزمات المستعصية، التي يظهر إنها الممر الإلزامي إلى نظام عالمي جديد، ما أن ينجلي غبار المعارك في أوكرانيا.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مصر وتركيا.. النوايا الحسنة لا تكفي