الإقتصاد المصري.. ولعنة الدم الفلسطيني

الأزمة الإقتصادية في مصر قديمة ولكنها ترقّت إلى شبه كارثة اقتصادية منذ أن راحت تتكشف فصولها للعلن بدءاً من أواخر عام 2021. وبرغم وضوحها، تبدو عصّية التفسير. البعض يُرجعها تارة للأزمات العالمية من وباء كورونا وحرب روسيا وحرب غزة، وتارة أخرى إلى أخطاء النظم السابقة وفشلها في إدارة الملف الإقتصادي.

في المقابل، ثمة من يتهم الشعب المصري بالكسل والبدانة وكثرة الإنجاب مع الجهل وقلة الإنتاج. هناك من يذهب إلى أنها تراكب من كل الأسباب السابقة. بينما يذهب معارضو النظام إلى تحميله مسؤولية الأزمة وإدارة كل الملف الاقتصادي والنقدي والمالي. هؤلاء يرون أنّ الكارثة لاحت بشائرها مع اللهاث وراء صندوق النقد استجداءً للقروض وكانت ثمرتها التعويم الأول للجنيه المصري عام 2016 قبل تشكل تلك الأزمات العالمية. الرضوخ لأوامر صندوق النقد الدولي وبيع الأصول ورفع الدعم مهد لإستباحة البلاد والعباد من قبل المستثمر الأجنبي إن تنازل وقرّر العمل في الأسواق المصرية. هو نفس ما تألم منه الشارع المصري في أواخر عهد حسني مبارك كما جاء في شعار الخروج عليه في عام 2011: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

المعارضون للنظام في بلد تجاوز المائة وعشرة ملايين نسمة، يعتبرون أن كثرة الإنجاب هو نتيجة الأزمة قبل أن يكون سبباً لها. هم يرون أنّ كثرة الإنجاب مرتبطة من ناحية بتدني مستوى التعليم. فلطالما كان معدل الإنجاب في المدينة أقل من الريف، وفي الدول المتقدمة أقل من الدول النامية. تراجع مستوى التعليم مسؤولية النظام لا الشعب. من ناحيةٍ أخرى، كثرة الإنجاب هو نتاج أزمةٍ اقتصادية، إذ تلجأ الأسر الفقيرة إلى الإنجاب حتى يساهم الأبناء في تأمين العيش الذي أثقل كاهل الأباء.

كذلك يرى المعارضون أن تُهمتي الجهل وقلة الإنتاج لا يمكن أن يُتهم فيهما الشعب. فالجهل، إن سلّمنا به واقعاً، ينمو بتراجع التعليم وانفلات الإعلام، وكلاهما مسؤولية السلطة. أما تراجع الانتاج الزراعي فهو متصل بأزمة المياه. كما أنّ تراجع الصناعة هو نتاج تضافر مجموعة من الأسباب التي تتراكم عبر عقود منذ نهاية السبعينيات الماضية، بينها إملاءات خارجية وأزمات طاقوية وخصخصة، ولربما رغبةً في تفتيت الحركة العمالية التي لطالما كانت في قلب الحراكات والمظاهرات والثورات من أحداث شباط/فبراير 1968، ومظاهرات كانون الثاني/يناير1977، وصولاً إلى 25 كانون الثاني/يناير التي كانت إرهاصاتها الأولى سلسلة اضرابات نفذها عمال المحلة، وتلك ليست صفةً خاصة لعمال مصر، بل صفة عامة لتلك الفئة في أيّ مكانٍ كانت في العالم. فقدرة العمال على الانتظام والحشد والتأثير فالتغيير هي الأقوى بين معظم الفئات الاجتماعية. لذا كانوا محط اهتمام ماركس وانجلز حتى أنهم خصّصوهم دون غيرهم بندائهم الشهير “يا عمال العالم.. اتحدوا”. وكل تلك الأسباب من أزمات المياه والطاقة والخصخصة وغيرها تقف وراء تدني الإنتاج الزراعي والصناعي خارج قدرة الشعب، ولذا يرى المعارضون أنه لا يمكن لومهم عليها..

لو كان للسنوات الخمسين الماضية درسٌ مستفادٌ فهو أن لا علاج لأزمات العالم العربي ما دامت مصر ضعيفة، كما لا أمل في قوة لمصرما دامت مُتنَصِّلةً من دورها وواجبها تجاه المنطقة بأسرها. هي معادلة محكمة صاغها جمال حمدان في كتابه شخصية مصر وبرهانها خمسون سنة مضت

تلازم الإستقلال السياسي والإقتصادي

سريعاً ما أدرك النظام الوليد في أعقاب ثورة تموز/يوليو 1952 أن الإستقلال السياسي مرهون بالإستقلال الإقتصادي، فشرع في توسيع قاعدة الصناعة والزراعة وتمصير الإقتصاد. وسيلته إلى ذلك تشييد السد العالي. والطريق إلى السد العالي كان من خلال تأميم القناة.. ومن القناة بدأت الحكاية. حكاية استمرت عقداً ونَيّف من الزمن كأنه قرن مُتخمٌ بالأحداث والملاحم والأحلام والإنكسارات. تبعته عقودٌ كأنها ساعات. عقود جوفاء فارغة تكاد تخلو من الأحداث، والعالم من حولنا يهرول نحو المستقبل. ثم رُوّج لنا زُوراً أنّ مواكبة العصر تتطلب التبرؤ مما تم وتصحيح أخطاء الماضي، خسرنا الصناعة وقيّدنا الزراعة ورحنا نحو تغريب إقتصادنا بعنوان “الحرية” و”الحداثة”. والحرية هي الهجوم على ما تم ونقضه، ومعه الثورة والدين، إستناداً إلى السلطة التي لا يأتيها الباطل ولا تطولها الحرية. والحداثة هي التقليد والإستهلاك؛ أبراجٌ عاليةٌ، مطاعم فاخرة، تعليمٌ أجنبي، استبدال للغة.. باختصار طمس الهوية وتبديدها.

خمسون عاماً ونحن نُصحّح أخطاء ثورة يوليو كانت نتيجتها كارثة اقتصادية تُقلّص يوماً بعد يوم استقلالنا السياسي حتى أصبح البلد الذي كان يوماً صانع للأحداث، مجرد تابع لدويلات لطالما كان هو قوة الدفع لنيلها استقلالها. كان من أخطاء يوليو النزعة القومية وتبديد ثروات البلاد على القضايا العربية والإفريقية. صححنا ذلك.. من خلال “مصر أولاً”. والنتيجة؛ مُنعت عنا المياه وصرنا نتوسل الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل لكي يشفعوا لنا عند إثيوبيا. وأصبحت السودان حرباً مفتوحةً يموت فيها أهلنا ويتعرض جنودنا للأسر وتُدمّر قواعدنا. صارت ليبيا مرتعاً لكل الطامعين ومصدراً للسلاح والإرهاب وتقطيع رؤوس المصريين. كان نظام يوليو ظاهرة صوتية لا قوة له إلا في إعلامه. فلطالما أسقط ذلك الإعلام حكومات وأرّق عُروشاً. كان لا بد لنا من التكفير عن ذلك بتبديد أرشيفه بين بيع وحرق واهمال، ثم صار المبنى نفسه مجهول المصير. الحمد لله لقد تطهرنا من ثورة يوليو وكل آثامها الإقتصادية والإستقلالية.

دعمٌ إقتصاديّ.. أم تخديرٌ سياسيّ؟

إنّ هذا الهوان هو نتيجة خمسة عقود من تبديد القوى المصرية. ففي ظل “السلام” أصبحت مصر محاصرة اقتصادياً وأمنياً ومائياً وغذائياً وثقافياً. وأصبحت قوتها على أشقائها، وبطشها بأبنائها لا بأعدائها. وقد حرص، وما زال، أعداء تلك الأمة وذيولهم على إحكام الحصار عليها اقتناعاً بأنه لا خطر عليهم من تلك الأمة ما استُئنِست مصر. فموازين القوى الإستراتيجية تؤكد مركزية مصر في الفعل العربي، كما في العقل القومي العربي.. وأحداث التاريخ الطويل تشهد على ذلك. يقول مؤسس حركة “حماس” الشيخ أحمد ياسين رحمه الله “إذا خرجت مصر من المعركة فلا معركة. لا حرب بدون مصر، فمصر هي الثقل العربي”. فالمتظاهرون في الأردن دعماً لفلسطين كرّروا استنصار إخوانهم في مصر.. والعدو لم يغفل ذلك. ففي الأسابيع الماضية، توالت المساعدات الإقتصادية على مصر من كل حدبٍ وصوبٍ بعد طول تعنتٍ وإمتهان. 35 مليار دولار مقابل رأس الحكمة، وقرض جديد بـ 8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ومساعدات إقتصادية عاجلة من الإتحاد الأوروبي تتخطى موافقة البرلمان الأوروبي وتتجاوز الـ 7 مليار يورو! وهي نفس الجهات التي كانت تتمّنع وتترفّع قبل بضعة أشهر عن التورط في دعم مصر وتُطالب بمزيدٍ من التنازلات!

لا يمكن تفسير ذلك الدعم بمنأى عن القوى الاستراتيجية المصرية برغم الضعف القائم. يُنسب إلى نابليون بونابرت قوله “الصين أسد نام، اذا استيقظ سيهتز العالم”. كان ذلك قبل أكثر من قرنين من الزمن عندما كانت الصين بعد غارقة في الظلام. وهي الفترة التي تعرف بـ”قرن الإذلال”. قرن تناوبت فيه على الصين اليابان والإمبراطوريات الغربية. ومع ذلك، لم يغفل استراتيجي كبير كنابليون عوامل القوة الكامنة في الصين والتي لا بد لها من يوم تُعبر فيه عن نفسها. يُمكن إجمال تلك العوامل بثلاثة: القوى التاريخية (العوامل الوجدانية)، القوى البشرية، الثروات المادية والجغرافية. لا يختلف أحد على العاملين الثاني والثالث كعوامل مادية مباشرة في تحديد قوى الدول بخلاف العامل الأول الذي يحتاج إلى مزيد من التحري.

إقرأ على موقع 180   لافتة الأوديسي: بحثاً عن الهوية.. الأوكـ/روسية

 يرى المؤرخ الشهير غوستاف لوبون في كتابه “فلسفة التاريخ” أن القوى الوجدانية أو العاطفة هي المحرك الرئيسي للتاريخ، وأنّ خطأ الكثير من المؤرخين نابعٌ من أنهم حاولوا تفسيره بناءً على العقل وحده في حين أنه مبني على الوجدان. وقد ذهب فرويد أبعد من هذا في كتابه “موسى والتوحيد” عندما حاول تفسير التناقض في شخصية موسى وصفات الإله في التوراة. فذهب إلى أنّ اليهودية مرت بثلاث مراحل: ديانة توحيدية ، ثم ديانة أقرب إلى الوثنية، ثم عودة إلى الديانة التوحيدية الأولى. ولكي يُفسّر تلك العودة، كان مُضطراً إلى فرض غريب اعتذر عنه كثيراً في صفحات ذلك الكتاب ولكنه وجده ضرورياً لتفسير تلك الردة. هذا الفرض هو توريث الذكريات والتجارب الإجتماعية كما تُورّث الجينات. بمعنى أنّ ما اختبره الأجداد في العصور السحيقة من عدلٍ وظلم، حربٍ وسلم، انتصارٍ وانكسار مستمرٌ في لاوعي أحفادهم، قابلٌ لاعادة البعث والتجدد غير مرة في المستقبل طالما حرص البعض على التمسك به وتناقلوه عبر الأجيال. وعليه، فالأمم الضاربةُ بقدمٍ في التاريخ لم ولن تذهب حضارتها سدىً، فلا بد لها من عودةٍ وتجدد. ولذا كانت العوامل الوجدانية أول معايير القوى الاستراتيجية. ومصر، كما الصين وأوروبا وفارس، نماذج تؤكد تلك الفرضية. فما بين الحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية (فترة البطالمة) والحضارة الاسلامية كانت توجد فترات طويلة من الظلام والتراجع امتدت قروناً. وكذلك الصين وأوروبا وفارس تقلبوا أكثرمن مرة بين ضعف وقوة مدفوعين بمطاردة مجد قديم مترسخ في الوجدان ومتوارث عبر الأجيال.

الإمام محمد عبده: “بلادنا ليست بلاد الجوع القتّال، ولا بلاد البرد القارس المميت، ولا بلاد الشقاء التي لا يَنالُ الإنسان فيها قوت يومه إلا بالعذاب الأليم، بل نحن في بلاد رزقها الله سعةً من العيش، ومنحها خصوبةً وغنىً يُسّهلان على كل عائشٍ فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة، ولكنها وياللأسف مُنيت مع ذلك بأشّد ضروب الفقر: فقر العقول والتربية”

في مطلع هذا العام (29 كانون الثاني/يناير) نشرت (Scientific American) عن أحد الباحثين بجامعة تكساس قدرة بعض الكائنات البسيطة التي لا مخ لها كبكتيريا الـ E.Coli على توريث بعض خبراتها الماضية إلى أربعة أجيال لاحقة مستهدفة توجيه تلك الأجيال إلى الأماكن الأثرى غذائياً وتحصينها من الأماكن التي قد تحتوي على أخطار (المضادات الحيوية). لنا أن نتخيل قدر سعادة فرويد لو اطلع على نتيجة كتلك في قدرتها على تعزيز فرضيته عن توريث التجارب والعواطف. ولما كانت الصين ذات حضارة قديمة وموارد هائلة وقوة بشرية كبيرة، لم يخفَ على نابليون قوتها الكامنة وقال ما قال. وعلى ذلك القياس تكون مصر. فهي حضارةٌ قديمةٌ قِدم التاريخ نفسه. عظيمة الأثر، ثرية التنوع، لها اتصالٌ بكل دول العالم وشعوبه. ولذا فإنّ مخزونها من القوى الوجدانية كبير، ومصر منفردة تُشكل أكثر من ربع القوى البشرية في العالم العربي كله. وموقعها الجغرافي لا يخفى تميزه. بل كان هو نفسه سبب التكالب عليها من كل الامبراطوريات القديمة والحديثة. وهي غنيةٌ بمواردها غيرُ فقيرة كما جاء في تقريرلموقع (Insider Monkey).

بناءً على بيانات “بنك كريدي سويس” عام 2021 أنّ صافي الثروة الوطنية المصرية يُقدّر بنحو 1.4 تريليون دولار، ممّا يجعل مصر تُصنف كواحدةٍ من أغنى دول العالم. فمصر لم تكن يوماً فقيرة في مواردها بل في إدارتها. في إحدى خطب الجمعية الخيرية قال الإمام محمد عبده “إن بلادنا ليست بلاد الجوع القتّال، ولا بلاد البرد القارس المميت، ولا بلاد الشقاء التي لا يَنالُ الإنسان فيها قوت يومه إلا بالعذاب الأليم، بل نحن في بلاد رزقها الله سعةً من العيش، ومنحها خصوبةً وغنىً يُسّهلان على كل عائشٍ فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة، ولكنها وياللأسف مُنيت مع ذلك بأشّد ضروب الفقر: فقر العقول والتربية”.

لم يخفَ على النظام الغربيّ كل هذا. ولذا لما استعرت أزمة غزة وزادت من فضح معظم النظم العربية والعالمية، سارع الغرب إلى نجدة أصدقائه في المنطقة تحسباً من انفجار غضب الشعوب. فالثروة التي بدأت تمطر على مصر من صندوق النقد والإتحاد الأوربي والإمارات وقريباً السعودية هي، من ضمن أطماع أخرى، لتخفيف الضغط على شعبٍ تراكمت لديه أسباب الغضب، وما يحدث في غزة فوق كل تلك الأسباب. فكان سعيهم لتسكين الأسباب الأخرى حتى يقضوا في أمر غزة أو.. يقضوا عليها. فالدم الفلسطيني هو الذي أنقذ الإقتصاد المصري هذه المرة. وما تلك الأموال التي ضُخت في شرايين الإقتصاد المصري إلا دماً حراماً لن يجلب على تلك البلاد إلا مزيداً من الأزمات واللعنات. وبمجرد إنتهاء الحرب على غزة ستتوقف كل تلك المساعدات ويعود الضغط، فعمرها مرهونٌ بعمرِ المقاومة.

لو كان للسنوات الخمسين الماضية درسٌ مستفادٌ فهو أن لا علاج لأزمات العالم العربي ما دامت مصر ضعيفة، كما لا أمل في قوة لمصرما دامت مُتنَصِّلةً من دورها وواجبها تجاه المنطقة بأسرها. هي معادلة محكمة صاغها جمال حمدان في كتابه شخصية مصر وبرهانها خمسون سنة مضت: “مصير مصر ومكانتها في العالم يُحدّدها مصيرها ومكانتها في العالم العربي، ومصيرها ومكانتها في العالم العربي يُحدّده مصير فلسطين”. هي علاقةٌ عضوية، فلا سلامة للجسد العربي إلا بسلامة كل أعضائه.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  MBS VS MBZ: إنتهى شهر العسل