“فورين أفيرز” عن حرب ترامب على إيران: الإنسحاب فوراً أو مستنقع فيتنام!

الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، كما لن تشلّ قدرات طهران. وكل الخيارات المطروحة أمام واشنطن تنطوي على مخاطر كبيرة، ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التصعيد في حربٍ لا أمل لها في تحقيق نصر فيها، أو الإنسحاب فوراً قبل أن تتحوّل هذه الحرب إلى مُستنقع مُدمّر يصعب الخروج منه. والخيار الثاني هو الأكثر حكمة، لأن إيران لا تحتاج إلى انتصارٍ حاسم؛ يكفيها أن تُثبت فشل الأهداف الأميركية-الإسرائيلية، بحسب إيلان غولدنبرغ في "فورين أفيرز"(*).

بعد مرور ثلاثة أسابيع على العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، بدأت تتضح ملامح نمطٍ مألوف وخطير. ففي الوقت الراهن قد يختلف الصراع الحالي، وبشكلٍ كبير، عن الحروب الأميركية في أفغانستان أو العراق أو فيتنام- إذ لم يجرِ بعد إستدعاء قوات برّية أميركية (تصل أول قوة مارينز إلى الخليج يوم الجمعة المقبل). لكن الحرب على إيران تشترك مع سابقاتها في واقع استراتيجي أعمق: واشنطن تُحارب مرة أخرى قوة إقليمية أضعف منها دون أن يكون لديها أهداف واضحة، أو رؤية محدَّدة لـ”النصر”، أو حتى استراتيجية “خروج من هذه الحرب” قابلة للتنفيذ.

والنتيجة هي نوعٌ مختلفٌ من المستنقعات، لكنه مستنقعٌ في النهاية. فقد تتورط القوات الأميركية أكثر في عمليات جوّية وبحرية (وربما برية) تمتد لأشهرٍ أو سنوات، وتُكبّد الاقتصاد العالمي تكاليف إضافية باهظة، وتُزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط أكثر مما تفعل الآن، وتُلحق خسائر متزايدة بالمدنيين (…). كما أن هذه الحرب، مثل غيرها، تميل لمصلحة الطرف الأضعف بسبب عدم التكافؤ. ولكي تنتصر الولايات المتحدة، عليها أن تُحقق أهدافاً شبه مُستحيلة- مثل تغيير النظام أو إضعاف إيران إلى حد شلّ قدرتها على تعطيل أسواق النفط العالمية- بينما يكفي إيران أن تصمد، وأن تبقى قادرة على إلحاق أضرارٍ بالاقتصاد العالمي، من خلال تعطيل الملاحة في مضيق هُرمُز أو استهداف البُنية التحتية النفطية في دول الخليج.

لقد بات من الواضح، وبشكل مُتزايد، أن الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية لن تؤدي إلى إسقاط النظام الراسخ في الجمهورية الإسلامية في إيران. كما أنها لن تشلّ قدرات إيران (…). قد تميل واشنطن إلى التصعيد، سواء عبر تدخل برّي مباشر أو دعم حركات انفصالية داخل إيران، لكن كلفة هذه الخيارات ومخاطرها تفوق بكثير أي مكاسب مُحتملة. وفي ظلّ اضطراب الاقتصاد العالمي وتصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية لواشنطن هو البحث عن مخرج، لا التورط أكثر في حربٍ دخلتها بتهورٍ ووفق حسابات خاطئة.

لا نصر في الأفق

منذ البداية، اتسمت الاستراتيجية الأميركية بالتخبّط والارتباك. فالرئيس دونالد ترامب أطلق العمليات العسكرية من دون تهيئة الرأي العام أو تحديد أهداف واضحة قابلة للتحقيق. بل إنه دعا في تصريحاته الأولى الشعب الإيراني إلى إسقاط نظامه، واضعاً هذا “الهدف” كمعيار للنجاح- وهو هدف يستحيل تحقيقه. في المقابل، منح هذا الطرح القيادة الإيرانية طريقاً سهلاً للنصر: الصمود والبقاء على قيد الحياة.

الحملة الأميركية-الإسرائيلية لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.. وهذه ليست حرباً تحتاج طهران فيها إلى انتصار حاسم؛ يكفيها أن تُثبت فشل الهدف الأميركي المحدود، المتمثل في “تحسين الأمن القومي”، وهو هدف لا يصل إلى حد تغيير النظام

تُشير التطورات الأولية إلى نتيجة عكسية، إذ ساهم العدوان الأميركي-الإسرائيلي في تعزيز نفوذ التيار المتشدّد داخل إيران، وهذا يُثبت أن توقعات واشنطن وتل أبيب كانت خاطئة. وبرغم استهداف قيادات عُليا في النظام الإيراني، لا توجد أية مؤشرات على تفكّك الأجهزة الأمنية. في المقابل، لا يزال الأداء العسكري الإيراني مُتماسكاً، مع استمرار عمل هياكل القيادة والتحكم والسيطرة. كما نجح النظام في اعتماد لامركزية عملياتية تسمح للجيش الإيراني بمواصلة القتال برغم خسارة بعض قادته.

في الواقع، إن استهداف قيادات عُليا، بما في ذلك اغتيال المُرشد الأعلى السيّد علي خامنئي، قد زاد من تماسك النظام بدل إضعافه. فقبل الحرب، كان يُعتقد أن انتقال السلطة قد يفتح الباب أمام مُراجعات داخلية (لا سيما في ما يخصُّ البرنامج النووي) أو توجهات أكثر براغماتية. لكن هذا الاحتمال بات الآن شبه مستحيل، وما حدث فعلياً هو العكس تماماً: إن تعيين مُجتبى خامنئي مُرشداً أعلى للجمهورية- وهو أكثر تشدّداً من والده الراحل، ولديه صلات قوية جداً بالحرس الثوري- عزَّز نفوذ المتشدّدين، ورسّخ نهجاً أكثر صلابة، وعزَّز فرص بقاء النظام على المدى الطويل.

وبينما يبدو تغيير النظام احتمالاً ضعيفاً- أقله في المدى القريب- ما يزال البعض يعتقد أن الحرب قد تنجح في تحييد إيران كتهديدٍ عسكري في الأسابيع المقبلة! وقد ركّزت المؤسسة العسكرية الأميركية منذ البداية على أهداف معينة، مثل إضعاف القدرات الصاروخية والبحرية والبرنامج النووي الإيراني، وتقليص نفوذ طهران الإقليمي. وبرغم أن هذا الطرح أكثر واقعية من هدف تغيير النظام، فإنه يُعيد إلى الأذهان مُعضلة مألوفة واجهتها واشنطن في كل من العراق وأفغانستان (…).

في هذا السياق، تحتاج الولايات المتحدة إلى ضمان تدفق الطاقة (حماية البُنية التحتية المتعلقة بالنفط في الخليج)، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. أما إيران، فيكفيها تنفيذ هجمات متقطعة- حتى لو كانت محدودة- لإحداث أثر اقتصادي ونفسي كبير. فنجاح هجوم واحد فقط على ناقلة نفط أو منشأة حيوية في مضيق هُرمُز قد يكون كافياً لزعزعة الأسواق العالمية (…).

أفخاخ التصعيد

أمام هذه المعطيات السياسية والعسكرية، قد تميل الولايات المتحدة نحو مزيد من التصعيد، سواء عبر ضرب البرنامج النووي بشكل جذري، أو محاولة إسقاط النظام، أو دعم قوى معارضة محلية. لكنها، كما في حروب سابقة مثل العراق وفيتنام، قد تصل إلى النتيجة ذاتها: التصعيد غالباً ما يُفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

فالخيارات المطروحة- مثل الاستحواذ على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، والسيطرة على منشآت نووية، أو استهداف البُنية الاقتصادية، أو دعم قوى معارضة محلية- تنطوي على مخاطر كبيرة، من بينها التورط العسكري المباشر، وارتفاع الخسائر، وانزلاق إيران إلى فوضى داخلية أو إشعال حرب أهلية، ما يفتح الباب لتدخلات إقليمية واسعة ويهدّد استقرار المنطقة بأكملها.

على ترامب أن يُقرّن انسحابه بتأكيدات وتصريحات علنية بأن واشنطن ستكّبح جماح إسرائيل، ولن تدعم أية هجمات مستقبلية على إيران إلا إذا استأنفت الأخيرة برنامجها النووي أو شنَّت هجمات على شركاء إقليميين

وبحسب التقارير المُتاحة، يُخزَّن اليورانيوم في صورة غاز داخل حاويات (…) مُخبأة في أنفاق يصعب نقلها أو حتى الوصول إليها بعد أن تسببت حرب حزيران/يونيو الماضي في إغلاق مداخلها (…). وإذا حاولت الولايات المتحدة الاستيلاء على هذه الكميات (400 كيلوغرام بنسبة 60% و200 كلغ بنسبة 20%) من غير الواضح ما إذا كانت هذه العملية قابلة للتنفيذ أصلاً، لا سيما وأن الولايات المتحدة لن تتمتع بعنصر المفاجأة، إذ يُتوقع أن تكون إيران مستعدة لمثل هذا السيناريو. وستندفع القوات الإيرانية إلى المنطقة، ما سيُجبر واشنطن على تأمين محيط برّي واسع داخل أراضٍ مُعادية، في مواجهة أعداد كبيرة من القوات الإيرانية.

إقرأ على موقع 180  البوسعيدي: أميركا تحتاج لمن يُخرجها من حربٍ غير شرعية

كذلك الحال مع الخيار الآخر الذي يفكر به الأميركيون لكسر صمود النظام، ألا وهو استهداف الشريان الاقتصادي. فقد تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على جزيرة خرج أو “خارك” (تمر عبرها نسبة  90% من صادرات النفط الإيرانية) لكن كلفة هذا الخيار ومخاطره تبقى كبيرة (…). فأولاً، سيتطلب الأمر عملية عسكرية برّية واسعة للسيطرة على منطقة محصنة جيداً، وسيعرّض القوات الأميركية لمخاطر كبيرة، وقد يؤدي إلى خسائر بشرية ملحوظة. وثانياً، قد يؤدي القتال في الجزيرة إلى إلحاق أضرار بقطاع الطاقة الإيراني ما سيدفع إلى ردود انتقامية تضرب أسواق الطاقة العالمية- وهو سيناريو تسعى واشنطن أساساً لتجنبه (أقدمت واشنطن وتل أبيب على استهداف منشآت للطاقة في أصفهان وخورمشهر فجر اليوم الثلاثاء).

والأهم من ذلك، أن الجدوى الاستراتيجية لهذا الخيار تبقى محل شك. فالفكرة تقوم على أن الضغط الاقتصادي سيدفع إيران إلى تغيير سلوكها أو القبول بالشروط الأميركية. غير أن النظام في طهران أظهر مراراً قدرته على تحمل الضغوط الاقتصادية القاسية، كما حدث خلال عقود من الحصار والعقوبات. ومن المرجح أن يرد على أي خطوة من هذا النوع بتصعيد هجماته ضد منشآت الطاقة في المنطقة.

وأحداث الأسابيع الأخيرة قدمت مثالاً واضحاً على هذا المسار (منها أن استهداف منشآت الغاز الطبيعي المُسال في قطر أدى إلى تعطيل نحو 17% من طاقتها الإنتاجية لفترة قد تمتد من 3- 5 سنوات). كما أظهرت طهران وعياً كبيراً بحساسية واشنطن تجاه أسعار النفط (…). كما أن تلويح ترامب باستهداف محطات الكهرباء الإيرانية لن يحقق أهدافه على الأرجح؛ إذ يُتوقع أن ترد طهران باستهداف منشآت مماثلة في دول الخليج بدلاً من الرضوخ للتهديدات الأميركية. حتى مسار التلويح بزعزعة استقرار النظام من الداخل (دعم وتسليح جماعات معارضة) ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد لا يؤدي إلى تغيير النظام بقدر ما يُفضي إلى تفكك الدولة وانزلاقها إلى حربٍ أهلية. والنتيجة المرجّحة في هذه الحالة ليست انتقالاً منظماً، بل صراعاً طويلاً مُتعدّد الأطراف، على غرار ما شهدته سوريا وليبيا.

بالنسبة لواشنطن، تبدو مخاطر التصعيد أكبر بكثير من مكاسبه المحتملة.. والمهمة المقبلة ليست تحقيق نصرٍ بعيد المنال، بل الإنسحاب فوراً قبل أن تتحوّل الحرب إلى مستنقع مُدمّر يصعب الخروج منه

ومن شبه المؤكد أن تتدخل قوى إقليمية في مثل هذا السيناريو. فتركيا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعزز نفوذ الجماعات الكردية، فيما ستبدي باكستان قلقاً من تصاعد النشاط البلوشي، وقد تدعم دول الخليج أطرافاً بعينها. وسيؤدي ذلك إلى تدفق السلاح والتمويل إلى داخل إيران، ما يخلق بيئة شديدة الاضطراب وغير مستقرة.

وبرغم أن إسرائيل قد ترى في تفكّك إيران مكسباً، فإن هذا السيناريو يمثل كابوساً للولايات المتحدة. فإيران تقع في قلب منطقة حساسة تضم أفغانستان والعراق وباكستان، وأي انهيار داخلي واسع قد يفتح المجال أمام جماعات مُتطرفة، ويعطّل التجارة الإقليمية، ويُصدّر عدم الاستقرار إلى ما وراء الحدود.

الانسحاب من الحرب.. وفوراً

بعد انقضاء ثلاثة أسابيع من الحرب، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التصعيد في حرب بلا أهداف واضحة، أو إعادة التقييم والسعي إلى خفض التوتر تمهيداً للإنسحاب. والخيار الثاني هو الأكثر حكمة. ينبغي لترامب أن يعلن أن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافاً محدودة، وأن يبعث بإشارات لخفض التصعيد. وعليه أيضاً أن يُقرّن ذلك بتأكيدات وتصريحات علنية بأن واشنطن ستكّبح جماح إسرائيل، ولن تدعم أي هجمات مستقبلية على إيران إلا إذا استأنفت الأخيرة برنامجها النووي أو شنَّت هجمات على شركاء إقليميين.

صحيح أن إيران قد ترفض مثل هذا العرض في البداية. لكن الضغوط الدولية، وبخاصّة من القوى المعنية باستقرار أسواق الطاقة، قد تدفع لاحقاً نحو تهدئة.

وصحيح أيضاً أن هذا المسار لا يحقق نصراً واضحاً للولايات المتحدة، لكنه يحدُّ من الخسائر المحتمة. فالبديل- أي الاستمرار في التصعيد- فقد يؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير ويقود إلى نتائج أكثر خطورة: ستبقى الولايات المتحدة متورطة في المنطقة، تدير شؤون إيران الضعيفة ولكن الأكثر عدوانية. وستتضرر علاقتها مع شركائها الخليجيين، وهي علاقة متوترة أصلاً جراء التداعيات الاقتصادية والأمنية لحرب لم تسع هذه الدول إليها. كما أن الموارد التي وُجهت إلى الشرق الأوسط لاحتواء إيران، فضلاً عن الموارد التي أُنفقت خلال الحرب، ستضع الجيش الأميركي عموماً في موقف دفاعي، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. والتاريخ الأميركي مليء بتجارب حروب بدأت بحسابات موثوقة وانتهت بتكاليف باهظة، حين أدّى الإصرار على تحقيق نصرٍ غير واقعي إلى تعميق الأزمة.

لم تكن الحرب على إيران خياراً حتمياً بل قراراً أتُّخذ من دون خطة سياسية وعسكرية واضحة المعالم. وها هي عواقب وتبعات هذا القرار بدأت تتضح الآن. والمهمة المقبلة ليست تحقيق نصرٍ بعيد المنال، بل الحدّ من الأضرار التي لحقت- وستلحق- بالمصالح الأميركية، والاستقرار في الإقليم وأرواح المدنيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ وهذا يتطلب الاعتراف بحقيقة غير مريحة: في حروب كهذه، الخيار الأكثر مسؤولية ليس المضي قدماً بحثاً عن نصرٍ غير مضمون، بل في إدراك وجوب التراجع في الوقت المناسب- أي قبل أن تفوق التكاليف المكاسب ويتحوّل الصراع المحدود إلى مستنقع مُدمّر يصعب الخروج منه وأزمة مُزمنة يصعب احتواؤها.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) إيلان غولدنبرغ، هو نائب الرئيس الأول وكبير مسؤولي السياسات في منظمة جيه ستريت. شغل منصب المستشار الخاص لشؤون الشرق الأوسط لنائبة الرئيس كامالا هاريس من عام 2023 إلى عام 2024، ومنصب رئيس فريق إيران في مكتب وزير الدفاع خلال ولاية باراك أوباما الأولى من عام 2009 إلى عام 2012.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  الثورة بحدوثها، أسبابها ونتائجها (1)