ربما يفسّر موقف موسكو بكون المعاهدة لا تتضمن بنداً للدفاع المشترك، حيث يقتصر التعاون الأمني والعسكري على التدريبات المشتركة والتنسيق الاستخباراتي. وقد أفادت صحيفة “واشنطن بوست” وشبكة “سي إن إن” بأن روسيا ربما ساعدت إيران ببيانات الاستهداف وتكتيكات الطائرات المسيرة المتقدمة، وهذا أمر نفته موسكو، برغم أنه مرجح خصوصاً أن ايران كانت شريكاً مهماً للروس في حربهم ضد أوكرانيا. ويُسجل لإيران وروسيا صمودهما إقتصادياً في مواجهة العقوبات الدولية، ونجاحهما في إنشاء بنية تحتية للالتفاف على العقوبات ولا سيما في تجارة النفط.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، تكررت الحالات التي يسقط فيها حليف لروسيا أو يتعرض للخطر ولا تفعل هذه الأخيرة شيئاً يذكر سوى إصدار بيانات شديدة اللهجة. ففي أواخر عام 2023، اندلعت حرب قصيرة بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورنو قره باغ، واكتفت روسيا بدور محدود عبر قوات حفظ السلام من دون أن تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لحليفتها أرمينيا، مما سمح لباكو باستعادة السيطرة على الإقليم. وبعد عام، سمحت موسكو لقوات المعارضة السورية بإسقاط نظام بشار الأسد في دمشق. وخلال العام الماضي، قصفت الولايات المتحدة (بالتعاون مع إسرائيل) منشآت نووية إيرانية، وقواعد عسكرية، ومصانع صواريخ؛ وقتلت مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، وقادة عسكريين، وعلماء نوويين. واختطفت الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الشريك الرئيسي لموسكو في أميركا اللاتينية، مطلع هذه السنة من دون أي تدخل روسي. تُظهر هذه الحالات محدودية قدرة روسيا حالياً على التأثير في الأحداث العالمية.
برغماتية روسية في كل الاتجاهات
في هذا السياق، لا أولوية روسية على أولوية حسم الحرب في أوكرانيا. وثمة مفاوضات بين الكرملين وإدارة دونالد ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا تزيد في تكبيل أيدي موسكو. وتأمل القيادة الروسية في جني فوائد من هذا المسار بما يؤدي إلى الحد من الدعم الأميركي لأوكرانيا وإبطاء تطبيق العقوبات الجديدة التي تستهدفها. في ظل هذه الظروف، لا يستطيع الكرملين تقديم دعم أقوى وأكثر وضوحاً لإيران. والتزام موسكو تجاه طهران يتأثر أيضاً بحاجتها إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بدول المنطقة. فدول الخليج التي تواجه حالياً هجمات إيرانية تُعد شريكاً مهماً لروسيا، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة التي تُمثل مركزاً لوجستياً ومالياً للمصالح الروسية، والمملكة العربية السعودية التي تُعد الشريك الرئيسي للكرملين في تحالف “أوبك بلاس”، إضافة إلى حرصها على إبقاء خطوط اتصالها مفتوحة مع اسرائيل.
ومع ذلك، فإن للحرب الدائرة في إيران عواقب غير مقصودة تصب في مصلحة روسيا. فمع استمرار الحرب، وارتفاع أسعار الطاقة، ستتمكن موسكو، عبر بيع نفطها، من جني إيرادات إضافية ومعالجة عجز الميزانية المتفاقم نتيجة حربها في أوكرانيا. وقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في محاولة لكبح جماح ارتفاع الأسعار، رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الروسي الموجود في البحر. فقد منح القرار الأميركي إعفاءً لمدة ثلاثين يوماً يسمح للدول بشراء النفط الروسي الموجود على الناقلات في البحر، ما أنقذ موسكو من خسائر محتملة بسبب توقف الشحنات، وخفّف جزئياً من أثر العقوبات الغربية، ومنح روسيا متنفساً قصير الأمد لتأمين موارد مالية إضافية. كما أن السماح للهند بشراء النفط الروسي قد يُسهم في إعادة تعزيز العلاقات الاقتصادية بين موسكو ونيودلهي، وتقوية المحاور الاقتصادية البديلة، مثل BRICS وBRICS+، إضافة إلى التعاون الثلاثي مع الصين، حيث يجمع هذا المحور بين الطاقة الروسية، التصنيع الصيني، والخدمات الرقمية الهندية، ليشكل بديلاً عن النظام الاقتصادي الغربي المهيمن.
صحيحٌ أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت وصف الإعفاء بأنه “إجراء محدود النطاق وقصير الأجل” يهدف إلى “تعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية”، وأكد أنه لن “يُحقق فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية”، إلا أن بعض المحللين لا يوافقونه الرأي. فقد صرح لوك ويكندن، محلل شؤون الطاقة والعقوبات في أوروبا وروسيا بمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CERA)، لشبكة “سي بي إس نيوز”، بأن الزيادة في عائدات النفط “تُصبح بسرعة شريان حياة لروسيا… فقد كان سعر النفط الخام الروسي يُتداول بخصم يتراوح بين 10 و20% قبل تخفيف العقوبات الأميركية بموجب قرار الإعفاء. الآن، اختفى هذا الخصم تماماً، وأصبح سعره يُعادل تقريباً سعر خام برنت”. ومن المرجح أن الصين، القلقة بشأن استقرار إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط على المدى الطويل، ستكون بحاجة أكبر للنفط والغاز الروسيين.
التحالف الغربي ضد موسك مُهدّد
من جهة أخرى، تسهّل الحرب في إيران على موسكو مواصلة القتال في أوكرانيا، وتُصعّب على أوكرانيا تأمين الأسلحة والدعم الدبلوماسي اللازمين لتحقيق النصر. فهي تؤثّر على مدى توفر أنظمة الدفاع الجوي الحيوية، وتُغير تدفق النفط وأسعاره الذي يمول آلة الحرب الروسية، وتستنزف الجهود الدبلوماسية الغربية. على أقل تقدير، ستُحوّل الأحداث في إيران وحولها الأنظار، مُشتتةً انتباه الولايات المتحدة وأوروبا، السياسي والإعلامي، بعيداً عن أوكرانيا، ما يؤدّي إلى تخفيف الضغط على موسكو. وبحسب مدتها ونجاحها، قد تُرهق الهجمات الأميركية الإسرائيلية مخزونات الذخائر الأميركية الرئيسية وقدرتها الإنتاجية، مما يُصعّب على حلفاء كييف الأوروبيين شراء المعدات العسكرية التي هم في أمسّ الحاجة إليها من الولايات المتحدة لدعم القوات الأوكرانية المُنهكة. كذلك، فإن مجريات الحرب على إيران، وتردد أو رفض الدول الأوروبية الانخراط التام فيها، قد تضعف التماسك عبر حلف الأطلسي (النانو) وتزيد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتهدّد تماسك التحالف الغربي ضد روسيا.
إضافة إلى ذلك، ومع حرصها على عدم خروج الأمور عن السيطرة، تأمل موسكو أن تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة في صراع مكلف (بشرياً ومادياً)، يُفاقم التوترات السياسية والاجتماعية في الداخل، ويؤدي إلى شرخ في علاقات واشنطن السياسية والأمنية مع شركاء رئيسيين في الشرق الأوسط، مما يتيح فرصاً لموسكو البراغماتية لإعادة بناء نفوذها، سواء في إيران أو في المنطقة ككل.
بالرغم من كل ذلك، يبقى لدى موسكو بعض من القلق والاستياء من الصراع المتصاعد في إيران. فالظروف المشتركة – كالعزلة والعقوبات والعداء تجاه الغرب ومنه – قد قربت هذين البلدين المنبوذين دولياً من بعضهما في السنوات الأخيرة. وترى روسيا في إيران ممراً تجارياً وطاقياً بديلاً، يربطها بالمحيط الهندي والعالم أجمع، عبر “ممر التجارة بين الشمال والجنوب” المزمع إنشاؤه. وقد كان من المقرر الانتهاء قريباً من المفاوضات بشأن خط سكة حديد جديد بطول 164 كم بين رشت وأستارا شمال إيران، يُمثل حلقة وصل أساسية في هذا الممر. وفي العام الماضي، فازت موسكو بعقد قيمته 25 مليار دولار أميركي لبناء أربعة مفاعلات نووية مدنية كبيرة جديدة في إيران، تُكمّل منشأة بوشهر القائمة. وفي السنوات الأخيرة، تكثف التعاون الدفاعي بين البلدين.
في الخلاصة، تكشف الحرب على إيران حدود الشراكة الروسية-الإيرانية بقدر ما تكشف براغماتية موسكو القصوى. فروسيا، التي وقّعت مع طهران معاهدة استراتيجية طموحة، تجد نفسها عاجزة عن ترجمة هذا التحالف إلى دعم فعلي، مقيدةً بحربها في أوكرانيا وحسابات توازنها الإقليمي والدولي. لكنها، في المقابل، تستفيد من تداعيات الصراع، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة، أو تخفيف الضغوط الغربية، أو تشتيت الانتباه عن جبهتها الأوكرانية.
وهكذا، تتحول الحرب إلى مفارقة مزدوجة: تراجع في قدرة روسيا على حماية حلفائها، مقابل تعزيز غير مباشر لموقعها الاقتصادي والاستراتيجي. وبين العجز والاستفادة، تتجلى حقيقة السياسة الدولية كما هي: تحالفات بلا ضمانات، ومصالح تتقدم على الالتزامات، وحروب لا تُخاض فقط في ميادينها المباشرة، بل في حسابات القوى الكبرى التي تديرها من خلف الستار.
