يُمكن القول إن ما يُسمى “الإتفاق الإطاري”، بصيغته المنشورة والمتداولة، خرج من خانة الترتيب الأمني إلى خانة الخطيئة السياسية والدستورية والوطنية. خطأ جسيم ارتكبه رئيسا الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام حين قبلا وضع توقيع الدولة اللبنانية على نص يمسّ الجيش والحدود والسلاح والسيادة والعدالة، خارج أي تدقيق قانوني عميق، وخارج أي استشارة وطنية واسعة، وخارج أي مقاربة سيادية مسؤولة تحفظ للبنان حقه الكامل في الأرض والقانون والموقف.
الأمرُ هنا يتجاوز الاختلاف السياسي حول السلاح، ويتجاوز الانقسام التقليدي بين مؤيد ومعارض. نحن أمام اتفاق يراد له أن يعيد تركيب وظيفة الدولة اللبنانية تحت وصاية أمنية أميركية، وبإيقاع يخدم المصلحة الإسرائيلية أولًا، ثم يترك للبنان مهمة دفع الأثمان الداخلية. فالورقة تجعل الالتزام اللبناني مباشرًا، ثقيلًا، تنفيذيًا، ومفتوحًا على اختبار يومي للجيش والدولة والمجتمع، بينما تجعل الالتزام الإسرائيلي مرحليًا، مشروطًا، مطاطًا، ومعلّقًا على تقديرات أمنية تستطيع تل أبيب وواشنطن تفسيرها ساعة تشاء.
من هنا تبدأ الفضيحة السيادية. لبنان يُطالَب بأن ينجز كامل واجباته الأمنية: انتشار الجيش، ضبط السلاح، تفكيك البنى المسلحة، الخضوع للتحقق، وإعادة تشكيل الواقع الميداني في الجنوب. في المقابل، يحصل على وعد غامض بإعادة انتشار إسرائيلية تدريجية. الكلمة هنا تحمل خطورتها كاملة: «إعادة انتشار» عوض الانسحاب الصريح، «تحقق» عوض الضمانات المتبادلة، «شروط ميدانية» عوض الجدول الزمني الملزم. بهذه الصياغة يتحول الانسحاب الإسرائيلي من حق لبناني ثابت إلى جائزة مؤجلة تمنحها القوة الراعية وفق مزاج السياسة والأمن.
لقد وقّعت الرئاسة والحكومة على نص يضع السيادة اللبنانية في موضع الواجب الفوري، ويضع الانسحاب الإسرائيلي في موضع الاحتمال المؤجل. هذه معادلة مختلة من أساسها. الدولة التي تحترم نفسها تفرض التزامًا متوازيًا: خطوة لبنانية مقابل خطوة إسرائيلية، جدول واضح مقابل جدول واضح، رقابة متوازنة مقابل رقابة متوازنة، وضمانات مكتوبة مقابل ضمانات مكتوبة. أما أن يذهب لبنان إلى واشنطن حاملًا حسن النية، ويعود بورقة تحمل أعباء التنفيذ عليه وأبواب التأويل لعدوه، فذلك يدخل في باب الخفة السياسية المدمّرة.
أبعد من 1701 والطائف
يُقدّم القرار 1701 درسًا حاسمًا في هذا المجال. فقد ربط وقف الأعمال العدائية بانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في منطقة جنوب نهر الليطاني، وبانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع هذا الانتشار، وشدّد على سيادة لبنان واحترام الخط الأزرق. قوة 1701 النسبية جاءت من وجود توازن نصي بين الانتشار اللبناني والانسحاب الإسرائيلي. ومع تجربة التطبيق قبل عقدين من الزمن، عرف اللبنانيون كيف تتحول الصياغات المرنة إلى حقول تأويل وضغط ومماطلة. فكيف الحال مع نص جديد يذهب أبعد من 1701 في تحميل لبنان مسؤوليات تنفيذية داخلية، ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع في التدرج والتقييم والانتظار؟
أما الطائف، فقد قدّم درسًا آخر: بسط سلطة الدولة يحتاج إلى تسوية وطنية شاملة، وإلى بناء مؤسسات، وإلى غطاء سياسي واجتماعي، وإلى قدرة فعلية على حماية الجيش من التحول إلى أداة صدام داخلي. حلّ الميليشيات وتسليم السلاح في الطائف جرى ضمن معادلة سياسية كبرى، وضمن توازنات داخلية وإقليمية معقدة. أما اختزال المسألة اليوم في ورقة أمنية موقعة تحت ضغط أميركي، فهذا تبسيط خطير لطبيعة الدولة اللبنانية وتركيبتها وحساسياتها.
الجيش اللبناني هنا هو الحلقة الأخطر. فالاتفاق يدفع به إلى مهمة تفوق قدراته الواقعية في ظل انقسام داخلي، وضغط خارجي، وحدود مشتعلة، ومجتمع جنوبي مثقل بالحرب والدمار والتهجير. الجيش عمود السيادة، ودرع الوحدة، ورصيد الدولة الأخير. تحويله إلى أداة اختبار سياسي بين اللبنانيين جريمة وطنية كاملة. حماية الجيش تبدأ من حماية دوره: قرار سياسي جامع، تمويل وتسليح كافيان، غطاء وطني واسع، وحوار داخلي حول الدفاع والسيادة. أما رميه في قلب احتكاك داخلي مفتوح، تحت عنوان تنفيذ الاتفاق، فيعني استنزاف المؤسسة التي يفترض أن تحفظ ما تبقى من الدولة.
وصفة للانفجار الداخلي
تزداد الخطورة مع المادة 13 من “الاتفاق الإطاري”، التي تُلزم الطرفين بوقف الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية. هذا البند، يطال جوهر حق لبنان في الشكوى والتوثيق والملاحقة والاعتراض أمام الأمم المتحدة والمحافل الدولية. السيادة القانونية جزء من السيادة الميدانية. الدولة التي تُصاب في أرضها تحتاج إلى صوتها القانوني بقدر حاجتها إلى جيشها. تقييد هذا الصوت يعني تحويل لبنان إلى بلد مقيّد اليدين: في الأرض التزامات، في السياسة ضغوط، وفي القانون حواجز.
أما الحديث عن ملحق أمني يتناول آليات التنفيذ والمناطق التجريبية والتحقق وإعادة الانتشار ودور الجيش، فيفتح بابًا إضافيًا للريبة. الاتفاقات التي تمس الجيش والحدود والسلاح تحتاج إلى وضوح كامل أمام المؤسسات الدستورية والرأي العام. السرية في ملف بهذا الحجم تصنع الانقسام وتغذي الشك وتحوّل كل بند إلى مادة انفجار داخلي. لبنان يحتاج إلى نشر كامل للملاحق، وتفسير قانوني رسمي، ونقاش دستوري واضح، وموقف وطني يسبق أي التزام تنفيذي على الأرض.
وتظهر المقارنة مع اتفاق الترسيم البحري عام 2022 حجم الفارق. الترسيم البحري كان اتفاقًا تقنيًا محصورًا بحدود بحرية وموارد اقتصادية، وسُجّل لدى الأمم المتحدة عبر تبادل رسائل، ضمن نطاق محدد ومجال واضح. أما اتفاق الإطار الحالي فيدخل إلى قلب المسألة اللبنانية الأكثر حساسية: الجيش، السلاح، الجنوب، العلاقة مع إسرائيل، ووظيفة الدولة. لذلك فالتعامل معه كإجراء إداري أو خطوة سياسية عابرة يكشف قصورًا فاضحًا في فهم خطورته.
الخطر الاستراتيجي المركزي يتمثل في تحويل الدولة اللبنانية إلى أداة ضغط على جزء من مجتمعها قبل بناء عقد وطني جامع حول الدفاع والسيادة. استعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها هدف لبناني تأسيسي، لكنها تحتاج إلى مسار وطني، وإلى تدرج، وإلى ثقة، وإلى قوة فعلية، وإلى ربط صارم بين أي التزام داخلي وأي انسحاب إسرائيلي واضح ومحدد زمنيًا. السيادة تُبنى بالتماسك الوطني، وتنهار حين تُستخدم كعنوان لتمرير إملاءات خارجية.
العودة عن الخطأ فضيلة
لقد ارتكب رئيس الجمهورية والحكومة خطأً سياسيًا وخطيئة سيادية حين ذهبا إلى اتفاق بهذا الحجم من خارج تدقيق قانوني صارم، ومن خارج استشارة وطنية شاملة، ومن خارج تفويض سيادي واضح. فالاتفاق، كما يبدو في صيغته، يمنح إسرائيل مساحة واسعة للتأويل، ويُحمّل لبنان العبء الأمني الأكبر، ويضغط على الجيش، ويضيق الهامش القانوني، ويفتح بابًا داخليًا بالغ الخطورة.
الموقف السيادي المطلوب اليوم يبدأ من رفض التعامل مع هذه الورقة كقدر نهائي. المطلوب تجميد أي مسار تنفيذي ريثما تُنشر الملاحق كاملة، وتُعرض الصيغة على المؤسسات الدستورية، ويصدر تفسير قانوني ملزم يحفظ حق لبنان في الشكوى والملاحقة والتوثيق، ويُربط أي إجراء لبناني بانسحاب إسرائيلي صريح ومحدد زمنيًا. فالدولة التي توقّع على التزامات تمس جيشها وحدودها ومصيرها من خارج الإجماع الوطني تضع نفسها في موضع التنازل. والدولة التي تجعل السيادة مادة تفاوض ناقصة تفتح باب الخطيئة الكبرى: أن يصبح لبنان مرة جديدة ساحة اختبار لخرائط الآخرين.
