منذ عقود، لم تكن حروب الشرق الأوسط حروب حدود وجيوش فقط. خلف العناوين الكبرى المرتبطة بالأمن والتحالفات والصراعات العقائدية، كانت هناك دائمًا خرائط أخرى أقل ظهورًا: خرائط الطاقة، والممرات البحرية، وخطوط التجارة، وموازين النفوذ الدولي.
منذ عقود، لم تكن حروب الشرق الأوسط حروب حدود وجيوش فقط. خلف العناوين الكبرى المرتبطة بالأمن والتحالفات والصراعات العقائدية، كانت هناك دائمًا خرائط أخرى أقل ظهورًا: خرائط الطاقة، والممرات البحرية، وخطوط التجارة، وموازين النفوذ الدولي.
الرأسمالية الطائفية الممزوجة بالموروث الإقطاعي والعائلي، والمرتهنة للكولونيالية، هي التي تسبّبت بالدرجة الأولى في تخلُّف لبنان، وحالتْ دون انتقاله من الكيان إلى الوطن ومن المزرعة إلى الدولة. ويجادل اليمين الطائفي بأنَّ الطوائف هي سمةٌ كَينُونيَّةٌ ثابتةٌ في لبنان. ويتجرّأُ على القول تجديفاً إنَّ هذه السمة تاريخية وتكوينية خلافاً لكلِّ قواعد علم الاجتماع السياسي. ويرى هذا اليمين أيضاً أنَّ "اللبناني" هو ابن طائفته أوَّلاً، ثمَّ يأتي الانتماء إلى "وطن"- إذا أتى- في المرتبة الأخيرة، بالرغم من أنَّ اتفاق الطائف أكدَ أن لبنان وطن نهائي لجميع اللبنانيين.
يشهد الشرق الأوسط اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها تحديات الأمن مع متطلبات التنمية، في وقت تتأثر فيه أوضاع المنطقة بصورة متزايدة بالتوازنات بين القوى الكبرى. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية تطور العلاقات الصينية–الأميركية على الطرفين، بل تمتد آثارها إلى البيئة الدولية التي تتحرك ضمنها دول الشرق الأوسط، وما توفره من فرص للسلام والاستقرار والتنمية.
لا تنتهي الحروب بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في إعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة، وفي الدول الخارجة من النزاعات يصبح السؤال الحاسم: من يمتلك حق استخدام القوة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد أو تقديم الخدمات، وإنما أيضاً بامتلاكها الحق الحصري في استخدام السلاح. وفي الحالة السورية، يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية بعد حرب طويلة أنتجت آلاف التشكيلات المسلحة.
يضع اتفاق الإطار الثلاثي، الموقَّع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026 بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، لبنان أمام واحدة من أخطر لحظاته السيادية منذ اتفاق الطائف وصدور القرار الدولي الرقم 1701.
لنجرب اختبارًا بسيطًا، وإن كان محرجًا بعض الشيء. خذ صفحات من شرعات أحزاب لبنانية مختلفة، انزع عنها الأسماء والشعارات وصور المؤسسين، ثم اقرأها على مناصرين متحمسين. قد يعرف أحدهم تاريخ حزبه كما يعرف تاريخ عائلته، ويستحضر في دقائق أسماء الخصوم والحلفاء والمعارك القديمة، لكنه قد يتردد أمام النص نفسه: أيّ هذه الشرعات شرعته، وأيّها شرعة الحزب الذي يقف ضده؟
أعاد انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا رسم الخريطة الجيوسياسية للمحيط الهندي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بممر مائي تعبره ناقلات النفط وسفن الحاويات، بل بفضاء استراتيجي تتحكم عبره الدول الكبرى بجزء كبير من حركة التجارة والطاقة في العالم. ومع تزايد الاعتماد على الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي والبحر الأحمر إلى مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، أصبحت السيطرة على هذه المسارات أو ضمان أمنها أحد أهم مصادر النفوذ في القرن الحادي والعشرين.
من الحرب العالمية الأولى إلى "الحرب العالمية الثالثة"، لم يعد قصر فرساي مجرد تحفة معمارية تجسد ذروة المجد الملكي الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر، بل تحول خلال القرن الأخير إلى شاهد على صياغة التحولات الكبرى في النظام الدولي.
ليست كل اتفاقية دولية مجرّد إجراء سياسي أو ممارسة تقنية لصلاحية دستورية. فحين تمسّ الاتفاقية السيادة، أو وحدة المجتمع، أو التوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي، تصبح شرعيتها مرتبطة بمضمونها ونتائجها، لا بالجهة التي تفاوضت بشأنها فحسب. ومن هنا، يكتسب وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري للاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل بأنه مدخل إلى «الفتنة» دلالة سياسية ودستورية تتجاوز حدود الموقف الشخصي.
يدخل الشرق الأوسط مرحلة مفصلية قد تفضي إلى إعادة تشكيل معادلاته الجيوسياسية، في ضوء التفاهم الأميركي–الإيراني الذي لا تقتصر انعكاساته على احتواء التصعيد العسكري أو تنظيم الملفات النووية والأمنية، بل تمتد إلى إعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية وإعادة تعريف أولويات القوى الفاعلة في المنطقة.