مهما تكن نتيجتها، ليست الحرب التي أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة في تاريخ المنطقة، بل هي محطّة أساسيّة في مسار تغييرها، بل دليل على أنّها تغيّرت بعيداً كلّ البعد عن الأطر التي نشأت عليها وعن الجهود التي بُذلت لترسيخ استقرارها.
مهما تكن نتيجتها، ليست الحرب التي أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة في تاريخ المنطقة، بل هي محطّة أساسيّة في مسار تغييرها، بل دليل على أنّها تغيّرت بعيداً كلّ البعد عن الأطر التي نشأت عليها وعن الجهود التي بُذلت لترسيخ استقرارها.
يواجه النموذج الأميركي-الإسرائيلي للحرب عن بُعد تحديًا في حرب ذات طبيعة مختلفة تمامًا. هذه الحرب أعدّت لها إيران وخطّطت لها قبل أكثر من ربع قرن. ولتقييم ميزان القوى الحقيقي، لا بد من النظر إلى استعدادات كلا الطرفين المتحاربين، فنكتشف أن طبيعة كل طرف ومنطقه العسكري يختلفان اختلافًا جوهريًا عن الآخر.
أدخل إغلاق إيران لمضيق هُرمز وخنق أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي مضى عليها أكثر من أسبوعين، في مرحلة جديدة من التعقيدات، وبدأت تطرح الأسئلة الصعبة حتى داخل الإدارة الأميركية، حول جدوى الذهاب إلى حرب اختيارية، قد تترتب عليها، إلى الكلفة البشرية والمادية، تبعات سياسية حين يحين موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
بينما كانت أعمدة الدخان تتصاعد من المواقع التي استهدفتها الغارات الأميركية والإسرائيلية في أطراف طهران، كان تحوّل آخر يتشكل داخل مركز القرار الإيراني. صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد لا يمكن قراءته مجرد انتقال في هرم السلطة أو خلافة عائلية، بل بوصفه مؤشراً إلى طور جديد في الجمهورية الإسلامية، تنتقل فيه بنية الحكم تدريجياً من صيغة «الدولة–الثورة» إلى صيغة «المعسكر–العقيدة»، حيث تتقدم مؤسسة الحرس الثوري على ما عداها من مؤسسات.
ليست العلاقة بين إيران والعالم العربي مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي واحدة من أكثر معادلات الشرق الأوسط تعقيداً. فهي تقوم في الوقت نفسه على حتمية الجوار الجغرافي واستمرار التنافس على النفوذ والدور الإقليمي. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 دخلت هذه العلاقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات التاريخية والطائفية والأيديولوجية والأمنية، لتتحول تدريجياً إلى مزيج من الشك المتبادل والتنافس الحاد والتعايش القلق داخل فضاء إقليمي واحد.
إذا مضت إسرائيل في سياسة القضاء على أي "تهديد" لأمنها القومي، على شاكلة "تهديد 7 أكتوبر" الفلسطيني، سواء في ساحات الجوار (لبنان وسوريا والأردن ومصر) أو في ساحات الإقليم (إيران واليمن والعراق)، فإن قرار تنفيذ عملية عسكرية برية ضد لبنان حُسِمَ من قبل أهل القرار السياسي وبقي التنفيذ رهن أهل التقدير الميداني في تل أبيب.
لا تكشف الحروب موازين القوى العسكرية فحسب، بل تكشف أيضاً طبيعة الوعي السياسي لدى المجتمعات التي تتابعها. والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أظهرت بوضوح حجم التباينات في مقاربة الرأي العام العربي لها. ويمكن، من خلال متابعة النقاشات الدائرة في الفضاء الرقمي، رصد خمس فئات رئيسية تقارب بتفاوت لافت للانتباه مجريات هذه الحرب.
مع إنتهاء الأسبوع الثاني من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترتسم معالم المأزق الذي بلغته إدارة دونالد ترامب، في ظل إصرار طهران على استمرار إقفال مضيق هرمز، الأمر الذي ترك آثارًا عميقة في الاقتصاد العالمي. وبين ضجيج البورصات والصواريخ والطائرات والبوارج، تتزايد التساؤلات حول نتائج الحرب حتى الآن، من دون إجابات واضحة بسبب التضارب الكبير في المعلومات بين الرواية الإيرانية من جهة والرواية الأميركية «الإسرائيلية» من جهة أخرى.
خُماسيّةُ إيرانَ استثناءٌ كبيرٌ. سبقتْها ستالينغراد في الحربِ العالميّةِ الثانية، وهي الأولى في الراهنِ المعاصر بعد كوبا وفيتنام. يقعُ التمايزُ بينها جميعاً في المنطلقاتِ الفكريّة، وينشأُ التشابهُ التطبيقيُّ في الميدانِ السياسـو-إستراتيجي. كلُّها كانت حروبَ تصدٍّ للكولونياليّةِ الرأسماليّة، والرمزُ الأعلى فيها كان مواجهةَ الولاياتِ المتحدة. ولقد انهزمت فيها كلُّها.
يواجه الشرق الأوسط منعطفًا بنيويًا تجاوز فيه الصراع منطق «الرسائل الردعية» المحدودة التي طبعت جولة 13 حزيران/يونيو 2025، لينزلق نحو استراتيجيات «تغيير الواقع» بالقوة الصلبة. تتمثل الإشكالية في التناقض الجوهري بين عقيدة «قطع الرأس» التي تتبناها الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض حسم سريع، ومنطق «الاستنزاف الوجودي» الذي تنتهجه طهران ولسان حالها أنها طالما بقي النظام الإسلامي على قيد الحياة، فهذا هو الربح بحد ذاته.