في لبنان، لا تُقرأ السياسة فقط عبر البيانات الرسمية أو خطابات الزعماء أو نتائج الانتخابات. ثمة أرشيف آخر أكثر صمتًا، لكنه أشد بلاغة، يتمثل في الجغرافيا نفسها.
في لبنان، لا تُقرأ السياسة فقط عبر البيانات الرسمية أو خطابات الزعماء أو نتائج الانتخابات. ثمة أرشيف آخر أكثر صمتًا، لكنه أشد بلاغة، يتمثل في الجغرافيا نفسها.
ليس من الصعب ملاحظة شكل الحروب في منطقتنا التي كثيرًا ما تظهر بلبوس ديني، كالشعارات العقائدية، وخطابات التعبئة الطائفية، واستدعاء الهويات الدينية. ففي كل مرة تندلع فيها حرب يتقدم الدين إلى الواجهة، وكأننا أمام صراع ديني خالص تتواجه في الجماعات بإسم الحقيقة المطلقة. غير أن هذا الإنطباع، على قوته، قد يكون مضللًا بقدر ما هو ظاهر. فهذه الحروب التي تخاض بلغة الدين لا تعني بالضرورة انبثاقها عن رحمه.
يبدو أنَّ ما سُمِّيَ اجتماعاتٍ مباشرةً في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير "الإسرائيلي"، قد حَسَمتِ الجوهر الخطير للمفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ. وربما شارفت على الانتهاء في العمق المخفيّ، وفقاً لما أشارت إليه تصريحات الخارجية الأميركية. ولم يبقَ سوى الزيارة التي يريدُها "دونالد ترامب" من الرئيس اللبناني جوزاف عون كي يلتقي بـِ"بنيامين نتنياهو".
خلال الفترة القَّصيرة التي شَهدت إغلاقًا عامًا في التاسعة مساءً، تذكرت حاليَ مُستقرة بعض الوقت بإحدى المدن الأجنبية التي تسير على قواعد صارمة، فتُلزِم حوانيتها بمواعيد مبكرة للنوم والصحيان. طبيعة جميلة ولا جدال، أحياء مُغرِقة في الهدوء، معزولة عن الأصوات الصاخبة التي تحرم النسبة الكبرى من قاطني القاهرة حقَّهم الأصيل في الاستمتاع بالصَّمت ولو لدقائق قليلة. تصوَّرت قبل مروري بالتجرِبة أن الكتابةَ في الأجواء الناعمة الساكنة عملٌ موفقٌ سديد؛ لكني كنت ولا شكّ مخطئة. شعور غامِر بالمَلل يبدأ في الزَّحف بمجرد انقضاء أول نهار. تخلو الشوارع عند السادسة مساءً؛ لا تُرى فيها محالٌ ساهرة ولا أشخاصٌ يتسكعون هنا وهناك، ولا حتى حيوانات أليفة تجوبُ الأرصفةَ وتنبش صناديقَ القمامة؛ مواتٌ شاملٌ مُكتمِل الأركان. أدركت مع تعدُّد الزياراتِ على هذا المنوال، مَغزى المثل الشهير: "الجَّنة من غير ناس ما تنداس".
لا تُقاس نتائج الحروب بما تُخلّفه من دمار مادي فحسب، بل بما تعيد تشكيله في وعي الجماعات وسلوكها. وفي الحالة اللبنانية، حيث تتقاطع السياسة مع الهويات الطائفية، يتخذ الخطاب السياسي، بعد الحروب، وظيفة تتجاوز النقد أو التقييم، ليصبح جزءًا من معركة إعادة إنتاج الاصطفافات. ومن هنا، يبرز أثر لافت لخطاب بعض القوى اللبنانية، ولا سيما المصنفة ضمن “اليمين المسيحي”، تجاه حزب الله، يتمثل في تعزيز التكاتف داخل البيئة الشيعية بدل إضعافه.
في خطاب وداعه عام 1796، نصح الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن مواطنيه بتجنب «التحالفات الدائمة» مع الدول الأجنبية، محذرًا من أن تورط الجمهورية الوليدة في خلافات خارجية يستنزف قوتها ويُفسد مؤسساتها. وبعد نصف قرن، وتحديدًا عام 1845، كتب صحفي أمريكي يُدعى جون سوليفان أن للولايات المتحدة «قدرًا مقدسًا» مكتوبًا، قُدّر لها فيه أن تمتد عبر القارة الأمريكية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، محذرًا كذلك من الطمع في أراضٍ وثروات خارج أمريكا الشمالية.
في القاعة المكتظة داخل المجلس النيابي، لم يكن النقاش حول قانون العفو العام مجرد سجال قانوني تقني، بل بدا أقرب إلى مشهد مكثف عن لبنان نفسه. دولة تحاول أن تُعرّف العدالة، فيما تتنازعها جماعات تُعرّفها كلٌ على قياسها. ارتفعت الأصوات، تعطلت الجلسات، وتحوّل بند تشريعي إلى اختبار عميق، ليس فقط ما إذا كان لبنان قادراً على إصدار قانون، بل ما إذا كان قادراً على أن يكون دولة بالمعنى الحديث.
في لحظةٍ تتشابك فيها خطوط الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، ينهض اليمن كعقدةٍ استراتيجية تُدار فيها التوازنات ببراغماتية حادة. تحت هذا السقف، تتقدم مفاوضات بين حركة "أنصار الله" والمملكة العربية السعودية نحو مراحل متقدمة، مدفوعة بمسار إقليمي أوسع يرتبط بالتفاهم الذي انطلق بين الرياض وطهران في بكين (الصين) مطلع عام 2023، وهو تفاهم أعاد ترتيب أولويات الاشتباك في أكثر من ساحة.
تتجاوز علاقة الإنسان بالمكان كونه مجرد حيز جغرافي صلب، ليصبح المختبر الأول الذي تتبلور فيه الهوية الفردية والجمعية، ووعاءً حياً يختزل الممارسات الثقافية والتاريخية.
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُقاس بنتائج المعارك، بل بقدرة الأطراف على إدارة ما بعدها. فالجولات العسكرية الأخيرة، وربما هي الأكثر اتساعاً منذ الحرب العالمية الثانية، لم تُنتج منتصراً واضحاً، لكنها كشفت تحوّلاً أعمق: انتقال الصراع من منطق الحسم إلى منطق التحكم بالتعقيد (نموذج اغلاق مضيق هرمز) في هذا السياق، لا تبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرّد صراع قوى، بل اختباراً لقدرة كل طرف على التكيّف مع بيئة تتداخل فيها التكنولوجيا بالسياسة، والاقتصاد بالأمن، والطاقة بالمعابر، في معادلة تتجاوز الحسابات التقليدية للحروب.