الرائحة النتنة المنبعثة من شريط النفايات الذي أخذ يحتل شوارع رأس بيروت نزولاً نحو كليمنصو فوسط العاصمة، كانت دليلنا إلى الدرك السحيق الذي نحن فيه. الدرك الذي إسمه اللادولة. دولة الغياب. دولة البلادة. دولة التخلي. دولة اللادولة.
الرائحة النتنة المنبعثة من شريط النفايات الذي أخذ يحتل شوارع رأس بيروت نزولاً نحو كليمنصو فوسط العاصمة، كانت دليلنا إلى الدرك السحيق الذي نحن فيه. الدرك الذي إسمه اللادولة. دولة الغياب. دولة البلادة. دولة التخلي. دولة اللادولة.
تحفظ ذاكرة اللبنانيين جيداً إسم جيفري فلتمان. سفير الولايات المتحدة الأسبق في بيروت. الدبلوماسي الأميركي الذي خدم في مناصب عدة في الولايات المتحدة وأخيراً في الأمم المتحدة. في مقالة له، نشرها في موقع معهد "بروكنغز" الأميركي، يجري فلتمان مقارنة بين لحظتي 14 شباط/فبراير 2005 و4 آب/أغسطس 2020، وما بينهما، للإستنتاج بأن لبنان أصبح محكوماً بالفشل. يتضمن المقال عبارات محرضة ضد حزب الله، تنسجم وخطاب "الشيطنة" الأميركي المألوف. ماذا تضمن المقال؟
هل يجوز أن نبدأ مقالاً بالصراخ؟ والله لو كان للحروف صدى، لخرق كلُّ الكلام الحزين المُقال في بيروت ولبنان، جدار الصوت في السماواتِ السبع. لكن، هل يمكن أن تنصرف الكلمات لـ"مديح الكراهية"؟ نعم وألف نعم. هذا المديح الذي جعل منه الكاتب السوري خالد خليفة عنواناً لروايته عام 2006 (ممنوعة من التوزيع في سوريا)، "وضع" خليفة على لائحة أهمّ روائيّي القرن العشرين.
ثلاثة أيام مضت على "النكبة". مأساة مقيمة في كل بيت بيروتي. في كل مؤسسة. في كل زاوية. جروح أعمق من أن تلتئم بسرعة. تحتاج إلى سنوات. هذا حدث تأسيسي بكل معنى الكلمة. علينا أن نقر ونعترف أن لبنان الذي عرفناه منذ مئة سنة قد إنتهى وأن الوطن الآتي هو قيد التأسيس والتفكير.
حتى لو كان الاهمال والفساد هما وراء كارثة بيروت ومرفأها، فإسرائيل هي وراء هذا الوراء. وحتى لو أثبتت التحقيقات المحلية، والدولية إن جاءت، أن الكارثة كانت حادثاً عرضياً، فإسرائيل ستكون المحرّك لهذه العَرَضِية. وحتى، أخيراً، لو أتفقت كل الأطراف المحلية والإقليمية، كلٌ لأسبابه المصلحية الخاصة، على أن الرئيس الأميركي ترامب وقادته العسكريين أخطأوا حين قالوا أن "هجوماً أو قنبلة" سبّبا 11 سبتمبر اللبناني أو هيروشيما بيروت، إلا أنه تبقى الحقيقة بأن إسرائيل كانت هي من قام بالهجوم، أو زرع القنبلة، أو أطلق الصاروخ على العنبر الرقم 12.
تطرح زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى لبنان المنكوب بعد الانفجار الذي نسف مرفأ بيروت ودمر أحياءها، إشكالية التنافس الدولي والإقليمي على لبنان. ومنها يتفرع سؤال: أين هو موقع فرنسا على حلبة هذا التنافس، وما هي مصالحها الآنية والاستراتيجية؟ وهذا ما يطرح بدوره إشكالية العلاقة بين فرنسا ولبنان، وكذلك بينها وبين المنظومة السياسية اللبنانية. بالطبع، معالجة هذه الإشكالية تتطلب معاينة وبحث ودقة، ولا يمكن لهذه المقالة أن تعالجها الآن. لكن يتعلق الأمر هنا، بمحاولة للتفكير بصوت مرتفع، من أجل النقاش، ومحاولة تقديم فرضيات.
إنتظَروا وصول إيمانويل ماكرون الى لبنان، وهم ينتظرون وصول رجب طيب اردوغان. وصول ومغادرة مثل هؤلاء الرؤساء، بغض النظر عن مضمون برامجهم ومواقفهم، يختصر مشهدنا. مشهد الماضي، الحاضر، والمستقبل القريب.
أنشأت النيوليبرالية أمميتها. فشلت الطبقة العاملة وأخواتها في إقامة أمميتها. النيوليبرالية تمارس مهامها التي رسمتها لنفسها وهي مراكمة الثروة على حساب الفقراء وعلى حساب من يعملون. الطبقة العاملة والفقراء جرّدوا من كل وسائل النضال تقريباً.
لم يكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بحاجة لممارسة قدراته الخطابية العالية وكاريزماه المعروفة منذ طفولته، كي يجد ترحيبا استثنائيا في لبنان. فالدولة المنهارة بـ"فضل" ساستها، تحتاج الى أي خشبة خلاص من الغرب او الشرق، والشعب التائق الى الخلاص من هذه الطبقة السياسية، كان ينتظر مسؤولا دوليا كبيرا يشاركه الشارع والألم كي يشكو له ظلم الساسة، فوصل الأمر ببعض الناس الى حد المطالبة بعودة الانتداب الفرنسي فيما "لبنان الكبير" على اعتاب الاحتفال بمئة عام على انشائه.
ايمانويل ماكرون في بيروت. زيارة هي الرابعة لرئيس فرنسي إلى بيروت في ظروف إستثنائية. زيارة شكّلت بأبعادها السياسية والإنسانية، أول خرقٍ للحصار الدولي الذي يتعرض له لبنان. زيارة أعطت لفرنسا رصيداً لبنانياً، سياسياً وشعبياً، وتخللها أول موقف دولي يعلن بالفم الملآن أن صيغة الطائف التي ولدت قبل 31 سنة قد إستنفذت غايتها وصار لا بد من عقد سياسي جديد بين اللبنانيين.